قضايا الحاكمية تأصيل وتوثيق - (38) التحاكم إلى المحاكم والقوانين الوضعية: (حالاتُه، وحُكم أعيانه)!

منذ 2014-11-20

قد قدَّمنا.. أن الحكم بما أنزل الله؛ من التوحيد، وأن الحُكم بغير ما أنزل؛ من الطاغوت، وكفرٌ أكبر مُخرجٌ مِن المِلَّة. وعليه: فلا يَجوز لمسلمٍ؛ أن يتحاكم إلى هذه القوانين الوضعية، والمحاكم الطاغوتية التي تحكم بغير ما أنزل الله، وتُحِلّ الحرام، وتُحرِّم الحلال! لأنه حينئذٍ؛ ينتقض إيمانه؛ لاتخاذه ربًّا وشريكًا من دون الله، في طاعته وحُكمه!

قد قدَّمنا.. أن الحكم بما أنزل الله؛ من التوحيد، وأن الحُكم بغير ما أنزل؛ من الطاغوت، وكفرٌ أكبر مُخرجٌ مِن المِلَّة.

 

وعليه: فلا يَجوز لمسلمٍ؛ أن يتحاكم إلى هذه القوانين الوضعية، والمحاكم الطاغوتية التي تحكم بغير ما أنزل الله، وتُحِلّ الحرام، وتُحرِّم الحلال! لأنه حينئذٍ؛ ينتقض إيمانه؛ لاتخاذه ربًّا وشريكًا من دون الله، في طاعته وحُكمه!

* ففي قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ} [التوبة من الآية:31]؛ قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما: "أمَا إنهم لم يكونوا يَصومون لهم، ولا يُصلُّون لهم، ولكنهم كانوا إذا أحلّوا لهم شيئًا؛ استحلّوه، وإذا حرَّموا عليهم شيئًا أحلَّه الله لهم؛ حرَّموه، فتلك كانت رُبوبيتُهم".

وقال أبو العالية: "قالوا: ما أمَرونا به ائتمَرنا، وما نَهونا عنا انتهَينا، وهم يجدون في كتاب الله؛ ما أمِروا به، وما نُهوا عنه، فاستنصَحوا الرجال، ونبذوا كتابَ الله وراءَ ظهورِهم" (الطبري رحمه الله، في تفسيره).

* وقال شيخ الإسلام رحمه الله، في (مجموع الفتاوى): "وقوله تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء:65].


فيجب على المسلمين؛ أن يُحكِّموا اللهَ ورسولَه في كلِّ ما شَجر بينهم، ومَن حَكم بحُكمٍ... مما يُخالف شرعَ اللهِ ورسولهِ، وحُكمَ اللهِ ورسولهِ، وهو يعلم ذلك؛ فهو من جنس التتار، الذين يُقدمون حُكم (الياسق) على حُكم الله ورسوله".

* وقال ابن كثير رحمه الله، في (تفسيره، والبداية والنهاية):

"فمَن ترك الشرعَ المُحكم، المُنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء، وتحاكَم إلى غيره، من الشرائع المنسوخة؛ كفَر، فكيف بمَن تحاكَم إلى (الياسق) وقدَّمها عليه؟! من فعل ذلك؛ كفر بإجماع المسلمين".

* وقال الشنقيطي رحمه الله، في تفسيره (أضواء البيان) و(المُذكِّرة):

"كلُّ مَن اتبع تشريعًا غير تشريع الله؛ قد اتخَذ ذلك المُشرِّع ربًّا، وأشركه مع الله... وعلى كل حال؛ فلا شك أن كل مَن أطاع غيرَ الله في تشريعٍ مخالفٍ لِما شرعه اللهُ؛ فقد أشرك به مع الله، كما يدُل لذلك قوله: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ} [الأنعام من الآية:137]؛ فسمَّاهم شركاء؛ لمَّا أطاعوهم في قتل الأولاد".

* وجاء في فتاوى (اللجنة الدائمة بالسعودية، الفتوى رقم: [5236]):

"س: نحن نعيش تحت حكومة غير مسلمة، وهي تحكم بالقانون الوضعي، فهل لنا أن نرفع إليها قضايانا؟!

ج: لا يجوز للمسلم أن يتحاكم إلى حكومة غير مسلمة، قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة:44]، وهذا واضح ولله الحمد".

* وقال الشيخ صالح آل الشيخ، في (التمهيد)، شرحه على كتاب التوحيد:

"المُشرِّع، ومَن أطاعه في جعْل الحلال حرامًا، والحرام حلالًا، ومُناقضةِ شرع الله؛ هذا كافر. ومَن أطاعه في ذلك؛ فقد اتخذه ربًا من دون الله".

"فالأمر بالكفر بالتحاكم إلى الطاغوت؛ أمرٌ واجب، ومِن إفراد التوحيد، ومن إفراد تعظيم الله جل وعلا في ربوبيته. فمَن تحاكم إلى الطاغوت بإرادته؛ فقد انتفى عنه الإيمان أصلًا... فمَن حاكم إلى شرائع الجاهلية؛ فقد حكَّم البشر، ومعنى ذلك؛ أنه اتخذه مُطاعًا من دون الله، أو جَعله شريكًا لله جل وعلا في عبادة الطاعة".

* وقال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله، في (عمدة التفسير)، وكلمة الحق:

"إن الأمرَ في هذه القوانين الوضعية؛ واضحٌ وضوح الشمس؛ هي كُفرٌ بواح، لا خفاء فيه ولا مداراة".

"ولا عُذر لأحدٍ ممن ينتسِب للإسلام... في العمل بها، أو الخضوع لها، أو إقرارها... لا يجوز لمسلمٍ أن يعتنق هذا الدين الجديد -الياسق العصري- القوانين الأوروبية، ولا أن يُرسل أبناءه لتَعلّم هذا الدين، واعتناقه واعتقاده، والعمل به، فهو الذي مكَّن لهذه القوانين من بلاد المسلمين".

* وقال الشيخ ابن عثيمين، في مجموع الفتاوى والرسائل، وشرح الرياض:

"إن الحُكم بما أنزل الله؛ من توحيد الربوبية؛ لأنه تنفيذٌ لحُكم الله، الذي هو مُقتضى ربوبيته، وكمال مُلكه وتصرُّفه؛ ولهذا سمَّى اللهُ المَتبوعين في غير ما أنزل الله؛ أربابًا لمُتبعيهم، فقال: "{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ}... حيث جَعلوا مُشرِّعين مع الله، وسمَّى المُتبِعين عُبَّادًا، حيث إنهم ذَلُّوا لهم، وأطاعوهم في مخالفة حكم الله... وقد قال عديّ بن حاتم، لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنهم لم يَعبدوهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بل إنهم حرَّموا عليهم الحلالَ، وأحلُّوا لهم الحرامَ، فاتبَعوهم، فذلك عبادتُهم إياهم».

والخُلاصَة:

- أنه يجب على المُسلم؛ أن يتحاكم إلى شرع الله لا غير، وأن يُذعِن إليه ويرضَى به، متى دُعيَ إليه. ولا يجوز له التحاكم إلى المحاكم الوضعية.

- على كلّ مُسلمٍ مقيمٍ ببلدٍ تَحكم بالقوانين الوضعية، أن يُهاجر منها، ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. قال ابن عبد البرّ في (التمهيد): "وكيف يجوز لمسلمٍ؛ المُقام في دارٍ تجري عليه فيها أحكامُ الكفر، وتكون كلمتُه فيها سُفلى ويدُه، وهو مسلم؟! هذا لا يجوز لأحد".

* وسُئل الشيخ محمد بن إبراهيم، في رسائله وفتاويه:

"هل تجب الهجرة من بلاد المسلمين، التي يُحكم فيها بالقانون؟!

فأجاب:

البلد التي يُحكم فيها بالقانون؛ ليست بلدَ إسلام، وتجِبُ الهجرة منها".

- مَن كان له مَظلمة عند غيره؛ فليَتق اللهَ ربَّه، وليتحاكم إلى شرع الله، حيث كان، فإن لم يجد محاكمَ شرعية؛ فليأتِ أهلَ العلم الربَّانيين في بَلده، وليُحكّمهم في مَظلمته، فإن لم يجد، وكانت المَظلمة في أمرٍ عظيم؛ لا يستطيع معه الصبر، بل ربَّما جرَّ الصبرُ إلى إفسادٍ أعظم، ولَم يجد سبيلًا إلا المَحاكم الوضعية؛ فقد رخَّصَ فيها بعض أهل العلم بشروط:
 

  • الأول: أن يكون كارِهًا لذلك، مُبغِضًا له، مُظهِرًا الإنكار، مُعلِنًا الضرورة.
  • الثاني: ألا يأخذ أكثر من حقّه، فلَه حقُّ مظلمتِه فقط.
  • الثالث: أن يقصد ردَّ المظلمة لا إجراء العقوبة، طالما أنها مُخالفة للشرع.
  • الرابع: أن يكون مُكرَهًا، أو مُضطرًّا، ولا سبيل إلا ذلك.


والذي حمل هؤلاء العلماء على ذلك: عموم البلوى، واعتبار العَجز، وتقليص الفساد.

● وأدين الله ها هنا بأمرين:

الأول: أنني لا أرى التحاكم ولو مع هذه الشروط، فلأن تذهب دنيا الرجل وماله ومتاعه؛ خيرٌ له من إقرار حُكم الطاغوت، والحَلّ إنما يكون بالسَّعي لإزالة حكم الطاغوت، لا الرضوخ له بحُجَّة عموم البلوى، والعجز... إلخ. وحتى حين؛ فالأخذ بالأسباب، وعمل ما يُستطاع، كلٌّ بحسبه!

الثاني: إمَّا أن تُهاجر إلى بلدٍ تُحكّم الشرعَ، أو بعضَه، فيكون أهون، فالشرّ بعضه أهون من بعض. أو تصبر على ما تجد، فالصبرُ هو الواجب المُتعيِّن، والاحتسابُ عبادة الوقت.

كلُّ ما كنتَ مُكرَهًا عليه؛ فلا حرجَ عليك في إتيانه، مع عدم رضاك عنه؛ مثل: عقد الزواج، والطلاق، والهُويَّة، والجواز، وشهادة الميلاد والوفاة... إلخ.

وفي الجملة:

• كلُّ ما أمكنك من ذلك؛ البُعدُ عنه، وكنتَ فيه مُختارًا؛ فلا يجوز لك الإقدامُ عليه.

• وكلُّ ما أُكرِهتَ عليه، ولم تَشرح به صدرًا؛ فالرجاء: أن يَتجاوز الله عنه.

• ويَلزمُ على كلِّ حال؛ سؤالُ أهل العلم الربانيين، في كلّ ما يَعرِض من ذلك.

 

 

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام

أبو فهر المسلم

باحث شرعي و أحد طلاب الشيخ سليمان العلوان حفظه الله

المقال السابق
(37) البلَد التي تحكم بالقوانين الوضعية
المقال التالي
(39) الحاكِم بغير ما أنزل الله، والمُشرِّع للناس قوانين وضعية