كيف نحل مشاكلنا على طريقة أم المؤمنين عائشة ؟

منذ 2003-07-18

نشأت أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها في بيت النبوة الطاهر ، وأنْعِم بها من نَشْأة ، لأن من يتربى على يدي الرسول صلى الله عليه وسلم فسيكون مدرسة بحد ذاته.

نشأت أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها في بيت النبوة الطاهر ، وأنْعِم بها من نَشْأة ، لأن من يتربى على يدي الرسول صلى الله عليه وسلم فسيكون مدرسة بحد ذاته .
وهذا ما كان بالفعل في حالة أمنا عائشة ، فقد تشبَّعت عقليتها بمفاهيم الإسلام وأفكاره ، وأضحى سلوكها تطبيقا عملياً حياً وتجسيداً لهذه الأفكار .
ومن كان هذا حاله فهل يُعقل أن يأتي بما يناقض ما تَجسَّد في عقله ونفسه من أفكار ومفاهيم وسلوك؟
ولم يكن هذا حال أمنا عائشة فقط ، بل هو نمط متقدم جدا من أنماط السلوك الإسلامي الراقي عند الصحابة إجمالا ، والذي تجد فيه الانسجام الفائق ما بين الأفكار والسلوك ، وقَلَّما ينفصل أحدهما عن الآخر .

تعرضت أمنا عائشة الطاهرة المطهرة الصادقة بنت الصديق إلى أعظم ما يمكن أن تُبتلى به امرأة عفيفة شريفة ، ألا وهو القذف بالزنا .
وما أقساها من تجربة ، وما أفظعها من تهمة .
فهي لم تكن محدودة ولا محصورة بين أشخاص أو بيت أو عائلة ، لقد انتشرت في المجتمع بأسره ، ورَوَّجت لها أبواق الدعاية والشر أيَّما ترويج .

إنها مشكلة كبيرة وابتلاء عظيم لا يتحمله إلا من كانت شخصيته في عظمتها بحيث تفوق هذه الصعوبة وتتغلب عليها .
فماذا فعلت أمنا عائشة تجاه هذه المشكلة العويصة ؟
وكيف جابهتها وتصدت لها وتغلبت عليها؟
وما هي الدروس والعبر التي ترتبت عليها ؟

ما هي المشكلة وكيف نواجهها ونتغلب عليها ؟

يمكن تعريف المشكلة بأنها الشعور أو الإحساس بوجود صعوبة لا بد من تخطيها ، أو عقبة لا بد من تجاوزها ، لتحقيق هدف .

أو يمكن القول إنها الاصطدام بواقع لا نريده ، فكأننا نريد شيئا ثم نجد خلافه . وهذا مبين بشيء من التفصيل في مقالنا : هل ترغب في تنمية قدرتك على حل المشاكل؟ .

وحتى نتمكن من مواجهة المشاكل والتغلب عليها لا بد من أن ننهج طريقة معينة نشعر فيها بوجود المشكلة ، ونتعرف عليها ونُحدد طبيعتها ، ثم نفكر في الحلول المتعددة ، ثم نطبق الحل الأمثل ، ونتأكد من ذلك ، ثم نتفكر فيما حصل . وهذا يتطلب بذل الجهد في التفكير في مراحل متعددة وفي مواضيع كثيرة , وقد تحصل أحيانا بسرعة فائقة وقد تستغرق وقتا .

لكن لا بد من التدرُّب والتمرُّس على ذلك واكتساب مهارات التفكير اللازمة لهذا الأمر . وهذا ما تجده مفصلا في مقالنا : التفكير ومهارات التفكير ، في هذا الموقع .

ما هي الطريقة التي اتبعتها أم المؤمنين في مواجهة هذه المشكلة؟

تُعرف المشكلة التي مرت بها أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها بحادثة الإفك ، وتتلخص في ترويج شائعة من قبل المنافقين وبعض المؤمنين تتضمن اتهام أم المؤمنين عائشة رضى الله بالزنا ، وذلك عندما تَخلَّفت عن الجيش في إحدى الغزوات ، ثم أحضرها الصحابي صفوان بن المعطل السلمي رضي الله عنه على ظهر جمله ، وبعدها انطلقت الشائعات انطلاق النار في الهشيم .

وهي مشكلة ذات شقين : الأول عندما وجدت أم المؤمنين نفسها وحيدة وقد تركها الجيش ، والثاني عندما انتشرت الشائعة عنها وهي غافلة حتى عن مجرد التفكير في هذا الأمر . فماذا فعلت أم المؤمنين تجاه هذه المشكلة بشقيها؟

  • الشعور بوجود المشكلة والوقوع فيها .
    من المهم معرفة انه لا معنى للمشكلة ما لم يَحُس بها الشخص أو من له علاقة بها .
    فأُمُّنا عائشة أحسَّت أنها في مشكلة عندما عادت ولم تجد الجيش ، وهذا بالنسبة للشق الأول من المشكلة . أما من حيث الشق الثاني وهو اتهاما بالزنا ، فقد أحست بالمشكلة عندما أخبرتها أم مِسْطح بما يشيع عنها .
    فلم تكن تحس بها من قبل ، لأنها تعجبت مما قيل مع أنها دافعت عن مسطح في بداية الأمر .

  • الحفاظ على التماسك النفسي وعدم التضعضع والخوف .
    فقد حافظت أُمُّنا على رباطة جأشها وتماسكت ، مع أن الموقف في غاية الشدة لأنها وحيدة وقد تركها الجيش ورحل . وأيضا حافظت على توازنها عندما سمعت بالإشاعة وامتصت الصدمة ، مع أنها تفاجأت وذُهلت لما قيل عنها ، وكانت تتمثل قوله تعالى : { فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون } .
    ويتحقق التماسك النفسي بالاستعانة بالله تعالى بالدعاء والصلاة والذكر ، وإحسان الظن بالله وبالمسلمين ممن لهم علاقة بالموضوع ، والتفاؤل بالخير .
    كما أن للجانب الإيماني العام تأثيره .
    ولا بد من الحفاظ على ذلك في كل مراحل حل المشكلة . وهذا ما تمسكت به أمنا عائشة على الرغم من أنه قد رُوي عنها أنها تأثرت بالأمر ، لكن ليس إلى الحد الذي يُخرج الإنسان عن تماسكه .

  • تحديد ماهية المشكلة ومعرفة أبعادها .
    حددت أُمُّنا المشكلة في أن الجيش قد رحل وتركها فصارت وحيدة . وهذا يترتب عليه أن تخاف على نفسها من الموت أو الأسر أو الاعتداء . كما حدَّدت المشكلة في الشق الثاني وتعرفت عليها عندما علمت بالإشاعة ، وانهم قد رموها بالزنا . وأي تهمة هذه وماذا يمكن أن يترتب عليها ؟

  • التفكير في حلول ممكنة للمشكلة . ماذا يمكن أن يكون جال بخاطر أمنا :
    . اللحاق بالجيش ، لكنها لم تجد الراحلة ، والظلام قد حل ، ولا يمكنها السير لوحدها .
    . البقاء في نفس المكان مع الاختباء .
    . الذهاب إلى مكان آخر .
    . الانتظار في نفس المكان في حالة عودة الجيش أو نفر منهم ، لأنهم إذا فقدوها فلا بد أن يعودوا أدراجهم إلى المكان ليبحثوا عنها .
    . البحث عن أحد قد تخلف مثلها من الجيش ، أو أحد يتعقب الجيش .

  • أما من حيث الشق الثاني أي حالة الإشاعة فقد تكون أمنا فكرت فيما يلي :
    . الدفاع عن نفسها .
    . ترك الأمر للرسول صلى الله عليه وسلم مع البقاء في بيتها . لكن ربما لاحظت تأثر الرسول بالموضوع ، وانه قد سرى وانتشر .
    . اللحاق بأهلها ، والصبر والاحتساب لله تعالى .

  • تطبيق الحل الملائم من بين الحلول والبدائل المتاحة .
    ارتأت أمنا البقاء في مكان الجيش لعلهم يرجعون أو نفر منهم . وفعلا حضر صفوان ، ويبدو أنها ظنت أنه مُرسَل من قِبَل الجيش فركبت الجمل دون حتى أن تناقشه في الموضوع . ولهذا لم يخطر ببالها أن يقال ما قد قيل عنها ، لان هذا قد أرسله الجيش ليأخذها .
    أما في موضوع القذف فقد طلبت من الرسول أن يأذن لها باللحاق بأهلها . وحسناً فعلت ، لأن الموضوع كان يحتاج إلى أن يُبَتًّ فيه ، طالما أن الرسول لم ينطق بوحي فيه . كما أن مواضيع مثل هذه تحتاج إلى التراخي فيها حتى تَسْكن وتهدأ ، فكان اختيارها أن تذهب إلى بيت أهلها ينطوي على كثير من الحكمة والحنكة . ومما يؤيد ذلك موافقة الرسول صلى الله عليه وسلم بسرعة على طلبها .

  • التفكر في المشكلة ونتائجها وأبعادها .
    حيث تبين لأم المؤمنين أنها كانت على صواب فيما فكرت فيه واتخذته من قرارات . وخرجت من المشكلة أقوى مما كانت ، فقد برَّأها الله من فوق سبع سماوات ، ونزل فيها قرآن يُتلى . وترتب على ذلك الكثير من الأحكام والمعالجات ، فكان في ذلك الخير الكثير . كما أن مثل هذه المشاكل صار لها حل معلوم يمكن اتباعه في حالة وقوعها ، وهذا لم يكن الحال قبل وقوعها .

    أثر التربية الإسلامية على قوة شخصية المسلم وإعدادها لمواجهة المشاكل

    لم يَعُد خافياً على أي مِنّا حاجة المسلمين الماسة إلى التمسك بالقرآن والسنة ، إذ لا غنى لنا عنهما ، ولن تقوم لنا قائمة بغيرهما , ولن تكون لنا عزة إلا بهما . وهذا يُحتِّم علينا فهم ما فيهما فهما عمليا واقعيا مُنَزلاً على أرض الواقع ومرتبطاً به ارتباطاً وثيقاً ، تماما كما كان يفعل الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم أجمعين . ولا يكفي مجرد الحفظ والتلاوة والاستحضار , وإن كان كلُّ ذلك مطلوباً وكلُّه فيه خير وعليه أجر ، بل لا بد من الاستيعاب المركَّز والتطبيق الفعلي .

    فلا يمكن لشخص مثلا أن يكون فَهِم معنى التوكل فهما استيعابيا عمليا ، إذا كانت حياته قائمة فقط على الأسباب والمسببات . ولا يكون استوعب مفهومي الزرق والأجل إذا كان يقول بلسانه إن الرزق والأجل بيد الله وسلوكه مخالف لذلك . وكذلك حال من يستهين بالأحكام ويستخف بها قائلا إن الله غفور رحيم غيرَ ناظرٍ إلى جانب العقوبة .

    الإسلام دين عملي أي أنه وُجد للتطبيق ، وما لم يكن هذا حاله فإنه يبقى مجرد معلومات نحفظها ونرددها . من الأمثلة الواقعية على ذلك كيفية مواجهة المشاكل والتغلب عليها وحلها . فقد رَبّى الإسلام أتباعه على الطريقة التي يُعالجون بها مشاكلهم سواء كانت خاصة بهم أو عامة تشمل غيرهم ، ووطَّن نفوسهم على ذلك .

    ولتحقيق ذلك فقد نهج الإسلام نهجين : عام وخاص .
    أما العام فإنه يرتكز على بناء مجتمع متجانس في العقيدة والأحكام ، أي أنهما ينبعان من نفس المصدر والمورد ، فلا يوجد تناقض في السلوك لا في المجتمع ولا عند الأفراد .
    فإنك إن ربَّيت أبناءك على أفكار معينة فستكون مطمئنا انهم لن يجدوا ما يُناقض ذلك خارج نطاق الأسرة ، فتَقِل بذلك المشاكل .

    كما أنه يفرض على المجتمع حياة عامة توفر على الفرد الكثير من العناء ، فيمنع المثيرات ويُوجِّه الإعلام وِجهة تحد من إثارة الغرائز وتهييجها ، ويحد من الاختلاط ، كما يقيِّد السلوك في كثير من المجالات بشكل يكون كفيلا بالحد من الكثير من المشاكل .


    وهكذا فالإسلام يبني دفاعات حصينة في وجه المشاكل سواء على المستوى الفردي أو الجماعي أو في الأسرة . فالكل في انسجام وتوافق ، وهذا يقلل من الانحرافات والاصطدامات التي قد تنشأ بسبب اختلاف الأفكار أو التطبيق المُجَزأ لأفكار دون أخرى ، أو التناقض .
    وهذه نقطة مهمة عند كل فرد مسلم ، فإنه لا بد أن يُفكر في مجتمعه وان يسعى إلى وجود مثل هذا المجتمع وأن يكون مستمرا في هذا النهج ، وذلك ليضمن عدم التناقض وعدم ضياع نفسه وأهله وأبنائه في خضم التناقضات .
    فإنك قد تربي أبناءك تربية صحيحة ، لكن لا تضمن أن يتسرب الفساد إليهم من المدرسة أو الشارع أو العمل بسبب التناقضات . وهذا جزء من النهج الخاص الذي اختُطَّ للفرد المسلم الذي سيواجه المشاكل والصعوبات ويفكر في حلها والتغلب عليها .

    هذا ونرجو الله أن يجعله من العلم النافع ، وان ينفع به المسلمين ، الذين نرجوهم ألا يبخلوا علينا بالدعاء لنا ، وأن يعملوا على نشره وتوزيعه لكل طالب علم ، وجزاكم الله خيرا .


    عزيز محمد أبو خلف
    باحث إسلامي
    amakhalaf@islamway.net
    28 من محرم 1424
المصدر: خاص بإذاعة طريق الإسلام