نفط بحر قزوين بين مطرقة الصراعات الإقليمية، وسندان المصالح الدولية

منذ 2014-12-11

تعد منطقة بحر قزوين، أحد أغنى مناطق العالم بالنفط، الذي ما زال يتربع إلى الآن على عرش إمبراطورية الطاقة العالمية، برغم الجهود التي تبذل، لإيجاد بدائل له.. وللحصول على النصيب الأكبر من الكعكة النفطية، في منطقة بحر قزوين، فإن ثمة صراعات إقليمية، مُعلنة، وغير مُعلنة، تشهدها دول المنطقة، تتداخل فيها مصالح وأطماع الدول الكُبرى، التي تتنافس فيما بينها، للحصول على امتيازات، في هذه المنطقة الحيوية من العالم.

تعد منطقة بحر قزوين، أحد أغنى مناطق العالم بالنفط، الذي ما زال يتربع إلى الآن على عرش إمبراطورية الطاقة العالمية، برغم الجهود التي تبذل، لإيجاد بدائل له.. وللحصول على النصيب الأكبر من الكعكة النفطية، في منطقة بحر قزوين، فإن ثمة صراعات إقليمية، مُعلنة، وغير مُعلنة، تشهدها دول المنطقة، تتداخل فيها مصالح وأطماع الدول الكُبرى، التي تتنافس فيما بينها، للحصول على امتيازات، في هذه المنطقة الحيوية من العالم.

فماذا عن بحر قزوين.. ؟

وما هي الاحتياطات النفطية، التي يحتفظ بها.. ؟

وماذا عن أبعاد الصراعات الإقليمية، التي تشهدها الدول المحيطة به.. ؟

وكيف تمارس الدول الكُبرى ضغوطاً، للحصول على حصة مُتزايدة من نفط بحر قزوين.. ؟

من المنظور الجغرافي، فإن بحر قزوين مُسطَّح مائي مُغلق، يقع إلى الشمال الغربي من قارة آسيا.. يُقدّر امتداده من الشمال إلى الجنوب، بنحو 1200 كم، وتزيد مساحته الإجمالية عن ال 370 ألف كلم2، وأقصى عُمق فيه يتجاوز الألفي متر، وهو مُحاصر من خمس دول، هي:إيران من الجنوب، وأذربجان من الغرب، وكازاخستان من الشمال والشمال الشرقي، وتركمانستان من الشرق، وروسيا من الغرب، تضاف إليها أوزبكستان التي تقع بين كازاخستان وتركمانستان، وبرغم أنها لا تُطل مُباشرة على البحر، إلاّ أن صِلتها القوية بجاراتها، وامتدادات حقولها النفطية، بجعل كثير من المحللين يُصنِّفونها ضمن دول حوض بحر قزوين.. ومن حيث التكوين الجيولوجي، فإن بحر قزوين، يتألف من أربعة أحواض ترسيبية رئيسة للهيدروكربون، تحتفظ في باطنها بخزَّانات هائلة، من النفط، كما سنبين بعد قليل، وأيضا الغاز الطبيعي.

وجدير بالإشارة، أنه قريبا من شواطئ بحر قزوين، كان يُستخرج النفط، في العصور الإسلامية الأولى، وثمة دلائل عديدة على ذلك، أوردتها المصادر والمؤلفات العلمية، التي وضعها نفر من كبار علماء الحضارة الإسلامية، المعنيين بالجيولوجيا والتعدين.. وفي العصر الحديث، شهدت السواحل الأذربيجانية، المُطلِّة علي بحر قزوين، حفر أول بئر نفطي، عام 1844م، وعلى مرمي البصر من موقع هذا البئر، أُقيم في العام 1922م، أول مصفاة للنفط في المنطقة.

مخزون كبير

وبحسب تقرير أخير، صادر عن هيئة إدارة معلومات الطاقة(FIA)، في واشنطن، فإن الاحتياطات المؤكَّدة من النفط، في منطقة بحر قزوين تتراوح بين 18 إلي 34 بليون برميل، بينما تصل تقديرات الاحتياطيات المُحتملة، إلى ما يتراوح بين 270 و250 بليون برميل، وفي مُجملها فإن هذه التقديرات، تعادل ثلث احتياطيات النفط بدول الخليج والشرق الأوسط، وتتفوق بنحو الضعف عن الاحتياطيات المؤكَّد للولايات المتحدة الأمريكية، والتي تُقدَّر ب 22بليون برميل.

وتستحوذ كازاخستان، على النصيب الأكبر، من احتياطيات النفط، في منطقة بحر قزوين، بنسبة تصل إلى 77.7%، تليها أذربيجان بنسبة 18%، ولكل من تركمانستان، وأوزبكستان نسبة 1، 6%، بينما النسبة المُتبقية، والتي تُقدَّر بنحو 1، 0%، فهي تُوزَّع على القطاع البحري، في كُل من روسيا وإيران.. وبالطبع فإن هذه النِسب ليست ثابتة، في ظِل عمليات الاستكشاف، والتنقيب عن النفط، التي تُسفر عن حقول جديدة، بين الحين والأخر.. أما فيما يتعلَّق بالإنتاج، فتأتي كازاخستان في طليعة دول المنطقة، حيث يزيد إنتاجها عن ال1.5 مليون برميل يوميا، في الوقت الحالي، أي بزيادة 3.8%، مقارنة بعام 2000م، تليها أذربيجان، بنحو نصف مليون برميل يوميا، بزيادة 6.2%، مقارنة بعام 2000م.

صراعات إقليمية.. ومصالح دولية

وفي ظل تنامي أنشطة البحث والتنقيب عن النفط، في منطقة بحر قزوين، فإن ثمة صراعات سياسية، واقتصادية، ومُناوشات عسكرية، تجري بين دول المنطقة، في سبيل الحصول على أكبر قدر من الكعكة النفطية، تتداخل فيها بشكل واضح، مصالح العديد من الدول الغربية، وتأتي الصين أيضا على الخط، ولنضرب مثالاً: في سبتمبر عام 1994م، أُبرمت في باكو، ما يعرف بصفقة القرن، حيث مُنحت11شركة غربية، حق التنقيب عن النفط، واستخراجه، من بحر قزوين، في القطاع المائي، الذي ترى أذربيجان، أنه يقع ضمن حدودها السيادية، مما أثار استياء جميع دول الجوار، التي أبدت اعتراضها الشديد على الصفقة، مُعتبرة أن استغلال الثروة النفطية، في بحر قزوين، إنما يجب أن يكون مشاركة.. وحذَّرت كل من روسيا وإيران، من اندفاع أذربيجان، نحو الغرب، على حساب جيرانها.. ومازال الجدل مُثار حول قانونية بحر قزوين، وسُبل استغلال ثرواته، فبينما هناك من يرى بأن لكُل دولة الحق في استغلال ثرواتها، ضمن مياهها الإقليمية، المُمتدة لنحو 12ميلاً بحريا، إضافة إلى عشرين ميلاً أخرى، على أن تظل المساحة المُتبقية، منطقة مُشتركة، بين الدول المُطلَّة عليه، باعتبار بحر قزوين مُغلقا، وهذا الاتجاه تؤيِّده كل من روسيا، وتركمانستان، وإيران، فإن ثمة رأي آخر، ينظر إلى بحر قزوين، باعتباره بحرًا مفتوحاً، مما يعني أحقية كل دولة، استغلال ثرواتها، في مياهها الإقليمية، وما يليها بنحو 200 ميلاً بحرياً، وهذا الاتجاه تؤيِّده كازاخستان، وأذربيجان.

وكان كمال خرازي، وزير خارجية إيران السابق، قد أكَّد على " أن أي اتفاقيات ثنائية، أو ثلاثية، لا تملك أي قيمة قانونية، وعلينا ألا ننظر إليها، كأوراق رسمية، تُحدد الوضع القانوني لبحر قزوين، وعلى الدول الخمس، أن تصل إلى صيغة نهائية لبحر قزوين، وإذا كان لدي أي دولة اعتراض، فالاتفاق يُعتبر غير قانوني.. وغير ذلك من الاتفاقيات، يُعرقل الوصول إلى حل نهائي".

وفي ظل هذه التوترات، بين دول المنطقة، أطلق صابر مراد فيازوف، رئيس تركمانستان السابق، تصريحه الشهير" إن رائحة الدم، عادت تفوح من بحر قزوين".. ويشير ستيفن كينرز، وهو باحث استراتيجي بارز في الولايات المتحدة الأمريكية، إلى " أن المنطقة تتحوَّل إلى بؤرة صراع دولي، سيجعل منها واحدة من المناطق الساخنة في العالم، وأن الولايات المتحدة تقوم مُنذ مُدَّة بحملة قوية، غير معلنة، تهدف إلى السيطرة الحاسمة، على بحر قزوين، وكذلك تفعل روسيا، وإيران، وقوي إقليمية أخرى، إن هذه المُنافسات الشديدة، جعلت بحر قزوين، أحدث ساحة عالمية لسياسات القوى العظمي، والقادة الروس شديدو الارتياب، بمطامع الولايات المتحدة، في بحر قزوين، ولا ننسى أن روسيا كانت قد سيطرت على المنطقة، خلال أكثر من قرن، وهي حانقة جراء ما تعتبره حملة عدائية أمريكية، لرميها خارجها ".

ويُضيف لكفرد نوبل، وهو رجل أعمال أوروبي، حقق ثروة طائلة من الاستثمار، في نفط بحر قزوين، عبر أذربيجان " إن المنطقة تشهد تشابك واضح، بين النفط، والسياسة، والدم".. ويقول ديك تشيني، نائب الرئيس الأمريكي السابق، والذي يشغل منصب مُستشار لدي مؤسسة هاليبرتون، " لا أستطيع أن أذكر وقتا ظهرت فيه منطقة فجأة، وأصبحت ذات أهمية إستراتيجية كبيرة، مثل بحر قزوين ".

وفي نقاط، يُمكن تحديد أبرز مظاهر الصراعات الإقليمية، والدولية، على بحر قزوين، على النحو التالي:

• يذهب كثير من المُحللين، في شئون السياسة الدولية، إلي أن دخول الولايات المتحدة الأمريكية، إلى أفغانستان، في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر 2001م، ثم دخول حلف الناتو، لم يكن فقط للقضاء على الإرهاب كما هو معلن بل ثمة هدف خفي آخر، هو نصب المزيد من الصواريخ، في جمهوريات آسيا الوسطى، المُتاخمة لحدود روسيا الجنوبية، وفي كازاخستان، المُتاخمة للحدود الصين الغربية.. ومن ثم مُحاصرة كُل من روسيا والصين، والاقتراب من الهند، وإيران، والسيطرة على طُرق نفط بحر قزوين.

• ومن جانيها تسعى الدبلوماسية الصينية، إلى كسب ود جارتها النفطية، وقد حققت بعض النجاحات في هذا الشأن، لعل أهمها توقيع مُذكِّرة التفاهم، مع الحكومة الكازاخستانية، لبناء خط أنابيب النفط.

• بينما روسيا أبرمت الصفقة الشهيرة، لشراء الغاز التركمانستاني، بأسعار أقل من الأسعار المُتعارف عليها دوليا، بحيث يُمكنها التحكَّم في تصديره، إلى دول أوروبا، ليس فقط من أجل تحقيق هامش ربح أكبر، ولكن أيضا لتحقيق مآرب ذات طبيعة إستراتيجية.. وكان سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي، قد أشار في كلمته، التي أفتتح بها مؤتمر إقليمي؛ لتحديد الوضع القانوني لبحر قزوين، إلى أن بلاده ترفض بشِدة، وجود أي قوات مُسلَّحة أجنبية، من غير الدول الخمس، المُطلة مُباشرة على بحر قزوين، وقال: "إن مبدأ عدم وجود قوات مُسلَّحة، من غير دول بحر قزوين، أصبح مُلِحا نظرًا لتصاعد النشاط العسكري، لبعض الدول من غير المنطقة "، وأضاف " من السهل دعوة قوَّات أجنبية، إلى المنطقة، ولكن سيكون من الصعب، إخراج تلك القوات فيما بعد ".

مسارات خطوط الأنابيب.. وأبعادها الإستراتيجية

وتمثل مسارات خطوط أنابيب نقل النفط، وتصديره، أحد أهم الأبعاد، في إشكالية المطرقة والسندان، التي تُهيمن على آبار النفط، في منطقة بحر قزوين، حيث أن هذه المسارات، تتواصل عبر الحدود الدولية، والكل يسعى إلى تحقيق أكبر قدر من الاستفادة، ليس فقط الاقتصادية، بل وأيضًا السياسية، والإستراتيجية.. ولعل مسار خط الشمال، مثالاً صارخا على ذلك، فهذا المسار الذي يمتد لنحو 1400 كم، من باكو، إلى مرفأ نوفورسيسك الروسي، المُطِل على البحر الأسود، يُصدَّر عن طريقه كميات كبيرة من النفط، بتكاليف رخيصة نسبيًا، إلاّ أن أذربيجان لا ترى مُستقبل لهذا المسار، مُبررة ذلك بإمكانياته المحدودة، التي تجعله لا يتحمَّل نقل الكمِّيات الضخمة، المتوقع إنتاجها في السنوات المُقبلة، كما أنها تخشى أن تستغل روسيا هذا المسار، كورقة ضغط، للإذعان لرغباتها السياسية، يُضاف إلى ذلك، أن نحو 150 كم، من مسار هذا الخط، يمر عبر الأراضي الشيشانية، التي تشهد صراعات دامية.

وهناك المسار الغربي، الذي يمتد من باكو، إلى مرفأ سويسا، التابع لجورجيا، والمُطل على البحر الأسود، ويُمكن من خلال هذا المسار، نقل ضعف النفط العابر للمسار الشمالي، إلاّ أن قرار تركيا بخفض عدد ناقلات النفط، العابرة لمضيق البوسفور، لاعتبارات بيئية، يُقيِّد كثيرًا من حجم النفط، المار عبر هذا المسار.

وثمة مسار ثالث، من باكو، إلى ميناء جيهان التركي، على خليج الأسكندرون، في البحر الأبيض المتوسط، وهذا المسار يُعد الأدنى، من النواحي الأمنية، كونه يمر عبر الأراضي الأرمينية، ومن المعلوم أن أرمينيا، في نظر أذربيجان، عدوّة، كونها تحتل إقليم كرباخ، أضف إلى ذلك أن هذا المسار، في مرمى الأكراد، الذين قد يُقدِمون على عمليات انتقامية، إذا ما ضيقت عليهم تركيا الخناق.

ويمثل مسار الشرق، عمقاً إستراتيجياً واقتصادياً للصين، حيث يمتد من كازاخستان، وتحديدًا من مدينة أتاسو، حتى يصل إلي الأراضي الصينية، بطول 970كم، وبطاقة 400 ألف برميل يومياً.

كما أن ثمة مسارًا جنوبياً، يمتد من تركمانستان، ليصل إلى شمال إيران.. إضافة إلى مسار أسيا الوسطى، الذي يمتد من كازاخستان، إلى تركمانستان، ثم إلى أفغانستان لينتهي بالأراضي الباكستانية، وتحديدًا ميناء جوادار، على المحيط الهندي.. وهناك العديد من المشاريع المُزمع إقامتها، والتي تستهدف مد مسارات جديدة؛ لنقل وتصدير نفط بحر قزوين، بعضها دخل حيّز التنفيذ بالفعل، وبعضها متوقف؛ لأسباب وحسابات إقليمية ودولية.

خاتمة

بين مطرقة الصراعات الإقليمية، وسندان المصالح الدولية، تظل منطقة بحر قزوين، بمخزونها الكبير، من النفط والغاز الطبيعي، أحد النقاط الساخنة، علي خارطة العالم، السياسية، والاقتصادية، والإستراتيجية.

ــــــــــــــ

أهم المراجع

(1)  حسني عبد الحافظ (كاتب المقالة):

 الصراع الإقليمي والدولي على نفط بحر قزوين (مجلة حماة الوطن مارس2002م تصدر في الكويت).

 النفط عند المسلمين إبان العصر الوسيط (مجلة الدفاع العدد 67 تصدر في الرياض).

(2) صلاح الصيفي: بترول بحر قزوين وصراع القوى الكُبرى (النفط والسياسة والدم).

(3) سعد عبد المجيد: خط البترول القزويني الإستراتيجية الأمريكية والمصالح الإقليمية.

(4) ناصر التميمي: نفط بحر قزوين (صحيفة الشرق الأوسط العدد9251 27 مارس 2004م).

(5) مرتضى هاشمي: حقوق النفط والغاز في بحر قزوين والنزاع الإيراني الأذربيجاني.

(6) يوسف الشريف: نفط بحر قزوين معضلات الاستغلال والتسويق.

(7) نهاد إسماعيل: النزاعات الدولية تُعرقل إنتاج نفط بحر قزوين (صحيفة الشرق الأوسط العدد 9574 13  فبراير 2005م.

(8) د. فوزي درويش: التنافس الدولي على الطاقة في بحر قزوين.

(9) سباستيان بيروز (وآخر): عسكرة بحر قزوين.

(10)   د. السيد عوض عثمان: إيران وتقاسم ثروات بحر قزوين.

(11)   سامان سيبي هري: الجُغرافيا السياسية للنفط.

(12)   د. السيد على رجب: تطوّر إمدادات بحر قزوين من النفط والغاز الطبيعي وآفاق مُستقبلها.

(13)   بدوي إسماعيل قطب: الأهمية الاقتصادية لنفط وغاز بحر قزوين مجلة أخبار النفط والصناعة سبتمبر 2009م تصدر في الإمارات.

(14)   أسعد طه: الصراع على نفط بحر قزوين حلقة تلفازية، لقناة الجزيرة القطرية تاريخ إذاعتها 26/8/1999م. 

حسني عبد الحافظ