أَعُلماء عَلمانيون؟! - (7) فقه الشرع ليس فقها للواقع

منذ 2014-12-13

القول بأن فقه الكتاب والسنة هو فقه الواقع أو أنه موجود كله فيه، أو أن فقه الكتاب والسنة يُغني عن فقه الواقع المتجدد والحادث، ليس شيء من ذلك صحيحًا. وإنما في الكتاب والسنة فقه الشرع وأحكام الواقع، وأصول فهم فقه الواقع، بمعنى أنه ما من حادثة تقع فنقلب أوجهها، ونفقه ملابساتها ومتعلَّقاتها؛ إلا وعرفنا كيف نرجعها إلى أصل شرعي، وعلى ضوئه نحكم عليها بما تستحقه.

في المقالة السابقة ذكرنا أن الشيخ أفادنا أن "فقه الواقع السياسي هذا غير مشترط في العالِم أن يفقه الواقع"، ورددنا، بأن: لا.

وفي هذه المقالة نواصل مع ما أفادناهُ الشيخُ -حفظه الله- مِن أن فقه الواقع السياسي نأخذه من الكتاب والسنة، فقال: "يمكننا أن نفقه من الواقع السياسي ما فقهنا الله جلََّ وعلا به، وهو الأصول الثابتة لعلاقة المؤمن بأعدائه، هذه أصول ثابتة نفقهها جيدًا، مثل معرفة أعداء المسلمين قال الله جل وعلا: {وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللهِ نَصِيرًا} [النساء:45]، بين الله جل وعلا لنا أن المشركين جميعاً أعداء لنا وأن اليهود أعداء لنا وأن النصارى أعداء لنا وأن المنافقين أعداء لنا، فهذا الأصل العام فقهه يكون بفقه الكتاب والسنة وليس بفقه شيء زائد عليه" (من شرحه مسائل كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب). وهذا تَنْظِيرٌ فيه نظرٌ، وتأصيل خلاف الأصل.

نصوص الشريعة فقهٌ للشرع وليس فقهاً للواقع

أقول: إن ما جاء في الكتاب والسنة هو فقه الشرع وليس فقه الواقع، أعني: معرفة أحكام الشرع وليس حوادث الواقع، لأن فقه الكتاب والسنة فيه العقائد والأحكام والأخبار الماضية، وأنباء المستقبل بصفات أهلها وعلاماتهم لا بأشخاصهم وأعيانهم، أما فقه الواقع فليس فيه الآيات والأحاديث، وإنما أحوال الناس، وأخلاقهم وعقائدهم وعلائقهم، ومواقفهم من الحق قبولاً أو رفضًا، ومحاربة أو مسالمة.. ونحتاج أن نفقه الكتاب والسنة، ثم نفقه واقع الناس ونعرف أحوالهم، ثم نستخرج من القرآن والسنة أحكام الحالات واحدة واحدة.

فمثلاً في القرآن: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10]، فلكي أن نُحسِن الامتثال لها، فنؤاخي المؤمنين ونقصُر أُخوتنا عليهم، فإننا نحتاج أن نعرف أحوال الناس، ونعرف مؤمنهم -في الظاهر- وكافرهم، فنوالي هذا ونعادي هذا، وليس في القرآن ولا في السنة أن جنكز خان عدو الله، ولا أن ابن تيمية ولي الله -نحسبه كذلك- وإنما معرفتنا بحال كل منها وفِقْهِ واقعه نُصَنِّف كُلًّا ونعامله على ضوئه.

وليس في القرآن أن هذا الشخص (فلان بن فلان) وليَّ أمر شرعي؛ فنتقرب إلى الله بطاعته وولايته، وأن هذا الحاكم ليس وليًّا شرعيًّا فنتقرب إلى الله بالبراءة منه، حتى ولو لم نخرج عليه. وإنما العلماء هم الذين يفقهون شروط الشارع في ولي الأمر، ويفقهون واقع هذا الولي، فيحكمون في ولايته بالصحة أو البطلان..

فهناك فرق بين فقه الكتاب والسنة وفقه الواقع، ولا غنى للعالم عن فقه أحدهما ليتمكن من الفتيا بحق، أعني: لا يغني أحد الفِقْهَين عن الآخر.

ليس علِمًا من لم يجمع بين الفقهين

فمن أفتى في الواقع من غير فقه الشرع فقد ضل وأضل، ومن أفتى بالشرع من غير فقه الواقع فقد زل واستزل. ومن اكتفى بأحد الفقهين فليس بعالم شرعي وإن إدَّعى ذلك أو ادُّعِيِ له، وإن استظهر نصوص الشريعة كلها، وكما يقول ابن القيم رحمه الله: "فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله، كما توصل شاهد يوسف بشق القميص من دبر إلى معرفة براءته وصدقه، وكما توصل سليمان صلى الله عليه وسلم بقوله: "ائتوني بالسكين حتى أشق الولد بينكما" إلى معرفة عين الأم، وكما توصل أمير المؤمنين علي عليه السلام بقوله للمرأة التي حملت كتاب حاطب ما أنكرته لتخرجن الكتاب أو لأجردنك إلى استخراج الكتاب منها." (إعلام الموقعين: [1/ 69]).

ولا يصح أن نسمي ما جاء في القرآن والسنة فقه واقع بعموم، إلا ما جاء في القرآن أو السنة في أحداث خاصة، أو أشخاص خاصين معيَّنين، فعندئذ يكون قد اجتمع فقه الشرع وفقه الواقع، أما غالبية نصوص الشرع فإنها تتكلم بالعمومات النصية أو الحكمية (أعني العلة)، يعني تدخل فيها أحكام الناس والأشياء بالعموم أو العلة، ودور أهل العلم إجراء العموم أو تحقيق المناط وإثبات العلة لإسقاط الحكم على المعيَّن من من خلال فقه واقع الأشخاص أو  الأشياء، وهذه مزية الشريعة لتصلح لكل إنسان في كل زمان ومكان.

فالنص الوارد في آزَر فقه شرع وفقه واقع، والوارد في فرعون فقه شرع وفقه واقع، لأنه ورد في أعيانهم وبَيَّنَ واقعهم وحكمهم.

والأحاديث التي في الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم فقه شرع وفقه واقع، لأنها بَيَّنت حالهم من الرشد، وبينت حكمهم من الولاية. ولكن عمر من عبد العزيز رضي الله عنه هل في الكتاب والسنة ما يبين فقه واقعه عينًا؟

والنصوص الواردة في العشرة المبشرين بالجنة فقهُ شرعٍ وفقهُ واقعٍ، لأنه بَيَّنَ حالَهم وحكمهم، شرعًا وواقعًا، لأشخاص بأعيانهم.

أما لو ذكرت أئمة المذاهب الإسلامية المعتبرة رحمهم الله مثلاً، فهل في آية أو حديث فقه واقعهم عيْنًا؟

وهل في فقه القرآن أو في السنة أن فلان الرافضي عدوٌّ لله، ومن ثم يجب أن نعاديه؟ أم أننا نحن بحثنا في حاله وفقهنا واقعه فوجدناه رافضيًا خبيثًا، يستحل دماء السنة، ويلعن أمهاتهم؟!

هل في القرآن أو في السنة أن أمريكا في هذا العصر هي عدوة المسلمين الأولى، وأنها تخطط منذ زمان لاحتلال العالم الإسلامي من غربه إلى شرقه؟ أم أن الذين فقهوا واقعها هم الذين أنزلوا عليها حكم الله تعالى وحكم القرآن والسنة، بينما ما زال بعض المسلمين وبعض ولاة أمورهم يتحببون إليها، ويستجدونها ويستنصرونها! ولو كان فقهُ واقعها عيناً في القرآن والسنة، فكيف اختلف حولها العلماء، فضلاً عن العامة والدهماء؟!

فقول الشيخ: "الواقع الذي أخبر الله جل وعلا به في كتابه أو أخبر به النبي صَلَّى الله عليه وسلم في سنته، وما هو أبعد من ذلك فإن هذا قد يكون من فروض الكفايات"، هذا لا يكفي للتفقه في الدين وحمل الواقع على مقتضى الكتاب والسنة، لأن الواقع الذي أخبر به الله أو رسوله هو ما جاء في القصص والحوادث الماضية، والأشخاص المعيَّنين السالفين، واقتصار المسلم عمومًا والعالم خصوصًا على فقه هذا الواقع، يعني أن يعيش خارج دهره وعصره!

من أسباب زلل الكبار

وهذا النوع من التقعيد والتأصيل هو الذي جعل جماعة من كبار علماء الشرع يَزِلُّون في فتاوى كبرى في أمر الأمة، منها مثلاً تنزيل نصوص طاعة الأمراء على الحكام الحاليين، رغم أنَّ فقه واقع هؤلاء يُبين أنهم ليسوا هم المعنيين بالولاية الشرعية ولا بما يترتب عليها من طاعة وولاء وبيعة! والسبب أن العالم لم يعش فقه عصره استغناءً بفقه النصوص فأسقطها على غير واقعها. ومنها مسألة التصوير التي وقع فيها لغط كثير، وضُلِّل بسببها علماء كبار بحجة أنهم يُحِلُّون الحرام! وما لَبِث أن ظهر أن هذه الصور الفوتوغرافية ما هي إلا حبس للظل، وما هي إلا كالمرآة العاكسة بزيادة حبس الصورة، وأنها صورة الشخص نفسه وليت مضاهاة فحسب، وظهر أن الذين كانوا يُحرِّمونها ويُشنِّعون على مَن يُحلِّونها أنهم لم يفقهوا واقع هذه الصور، ولم يُفرِّقوا بين صور الأمس التي وردت فيها نصوص الشرع، وبين صور اليوم التي تحتاج إلى أحكام شرعية! فلم يُغنِهم فقه النص دون فقه الواقع، وهكذا في كثير من المسائل.

لأن الأحداث تتجدد والقضايا تتجدد، وربما تبدلت ظواهرها وأشكالها، أما نصوص الكتاب والسنة فمعدودة محدودة، وإنما شملت الأحداث والوقائع والأشياء والأشخاص، بما فيها من علل أحكام، وبما فيها من عمومات وإطلاقات ونحو ذلك، وقد ينطبق العام على الفرد المعين وقد لا ينطبق، لأن العموم ظنيِّ الدلالة؛ إلا بقرائن تدل على القطعية، كما في مباحث أصول الفقه.

فالقول بأن فقه الكتاب والسنة هو فقه الواقع أو أنه موجود كله فيه، أو أن فقه الكتاب والسنة يغني عن فقه الواقع المتجدد والحادث، ليس شيء من ذلك صحيحًا. وإنما في الكتاب والسنة فقه الشرع وأحكام الواقع، وأصول فهم الإثنين وتطبيق أحدهما على الآخر، بمعنى أنه ما من حادثة تقع فنقلب أوجهها، ونفقه ملابساتها ومتعلَّقاتها؛ إلا وعرفنا كيف نرجعها إلى أصل شرعي، وعلى ضوئه نحكم عليها بما تستحقه.

استطردتُ قليلاً لأوضح الفرق بين فقه الكتاب والسنة وفقه الواقع، وأن ما جاء في الكتاب والسنة ليس دومًا فقه واقع، وأنه لا يكفي لفقه الواقع، وإنما فيه ما يكفي للحكم على الواقع بعد معرفته وتصوره، لأن" الحكم على الشيء فرع عن تصوره"، وقد ذكر الشيخُ -حفظه الله- هذه القاعدة ليستدل بها على وجوب فقه الواقع لمعرفة حكمه المناسب! وما لبث أن هدمها بقوله: "لا يُشترط للعالم أن يفقه الواقع السياسي" وقوله: "فقه الواقع نأخذه من الكتاب والسنة"! فعجيبة هذه الوقائع التي يُشترط بعضها ولا يشترط بعها الآخر للتوقيع عن الله بما يتعبد به الناس للرب الناس!

وبهذا يتبّيَّن أن الذين يحاربون فقه الواقع أو يُنكرونه إنما يحاربون أو ينكرون ركنا من أركان الفقه الإسلامي الصحيح، وأن الذين يريدون أن يكتفوا بفقه نصوص الشرع دون فقه الواقع ينفصلون بالشريعة عن واقع الناس، ويُعَلْمِنون حياة الناس والشريعة سواء، ومن ثمَّ يَجنون على الشريعة وعلى الأمة بفتح الطريق وإخلاء المكان ليملأه المنحرفون بفقه منحرف ضار ضال! ونسأل الله تعالى أن يردنا ويرد هؤلاء إليه ردًّا جميلاً وأن يفقهنا في شريعتنا وفي واقعنا.

سبقه المقالات:

أَعُلماء عَلمانيون؟! (1): الطريق إلى علمنة العلوم الشرعية

أَعُلماء عَلمانيون؟! (2): تنصير الشريعة وإشراك قيصر

أَعُلماء عَلمانيون؟! (3): سياسة العَلْمَنَة والسيرة النبوية

أَعُلَماء علمانيون؟ (4): فقه العَلمنة، والسياسة في السنة

أَعُلَماء علمانيون؟ (5): الإرجاء في خدمة العلمانية

أعلماء عَلمانيون؟! (6): فقيهٌ بالشرع لا يفقه الواقع

ويتبع إن شاء الله بالبقية

---------------

تاريخ النشر: 21 صفر 1436 (13‏/12‏/2014)

أبو محمد بن عبد الله

باحث وكاتب شرعي ماجستير في الدراسات الإسلامية من كلية الإمام الأوزاعي/ بيروت يحضر الدكتوراه بها كذلك. أستاذ مدرس، ويتابع قضايا الأمة، ويعمل على تنوير المسيرة وتصحيح المفاهيم، على منهج وسطي غير متطرف ولا متميع.

المقال السابق
(6) فقيهٌ بالشرع لا يفقه الواقع
المقال التالي
(8) فقه الواقع ليس فقه خواص ولا طلاسم