الأزمة المالية العالمية.. الاقتصاد الإسلامي طوق النجاة للعالم

منذ 2014-12-17

في البداية أود التنويه إلى أن الكتابة في هذا الموضوع يكتنفها الصعوبة من عدة أوجه: أولها: أنه موضوع يتعلق بأزمة مالية تتخبط فيها اقتصاديات دول العالم ويعجز أي اقتصادي أو هيئة اقتصادية أو دولة مهما بلغ شأنها عن إيجاد حلول منفردة لها.

في البداية أود التنويه إلى أن الكتابة في هذا الموضوع يكتنفها الصعوبة من عدة أوجه: أولها: أنه موضوع يتعلق بأزمة مالية تتخبط فيها اقتصاديات دول العالم ويعجز أي اقتصادي أو هيئة اقتصادية أو دولة مهما بلغ شأنها عن إيجاد حلول منفردة لها.

ثانيها: العديد من الاقتصاديين كتبوا في هذا الشأن، وغطوا جوانب كثيرة ومهمة مما يضيق مساحة الكتابة.

ثالثها: أن المطلوب الكتابة عن الاقتصاد الإسلامي كطوق نجاة للعالم، هنا يجب أن تكون الكتابة بميزان حساس حتى لا نحمل الإسلام نتائج أفكارنا وتصوراتنا الشخصية، والإسلام أعظم وأجل من أن يقيم ويحكم عليه بتصورات المنتسبين إليه مهما علا شأنهم. تصريحات السياسيين والاقتصاديين عن الأزمة من الضروري التذكير ببعض التصريحات والقرارات التي صدرت مع بداية الإحساس الحقيقي بآثار الأزمة في 2008 من العديد من السياسيين والاقتصاديين الغربيين لعلاقتها الوثيقة لما بعد الأزمة وهي كثيرة وسأكتفي بأهمها:

• صرح الكثير من رؤساء الدول والاقتصاديين أن الأزمة المالية عالمية ويعجز أي طرف عن إيجاد حل منفرد لها.

• الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي يعلن في القمة الأوربية المصغرة لقادة منطقة اليورو: " أوروبا يمكنها أن تقول للعالم لا تعودوا إلى نفس العادات السيئة التي كانت قبل الأزمة.. وأضاف قائلاً أننا مجمعون في القول بأن إعادة تأسيس النظام المالي يتعين أن تكون على أساس عالمي، ويجب ألا تفلت أية مؤسسة مالية من الإشراف ".

• السيدة أنا كاترين غلاس، الكاتبة في الشئون السياسية بمنظمة " إعلان برن " فتقول في عبارات مناهضة للعولمة: " علينا مكافحة النهج الليبرالي الجديد والذي تعتمده المؤسسات المالية الدولية في دعوتها إلى تحرير التجارة العالمية، وإلغاء الرسوم الجمركية أو الاجراءات التي تحمي المنتجات المحلية في البلدان الفقيرة ". وتضيف أن المطلوب من وجهة نظرها" إجراءات حقيقية تغير الرؤية والإطار المتحكمين في الاقتصاد العالمي ". وذلك في إطار تعليقها على قرارات البنك الدولي خلال مؤتمره السنوي الذي انعقد في 12/ 10/ 2008.

• أما رئيس روبيني غلوبل ايكونوميكس فيقول: " هوى نظام مصارف الظل الذي نشط فيه وسطاء الصفقات أو صناديق التحوط، وصناديق الأوراق المالية، وصناديق الأسهم، ووسطاءالرهن " ويضيف قائلاً والحق أن المؤسسات المالية الأوروبية تواجه مخاطر خسارة كبيرة جراء شرائها منتجات مالية أمريكية بدت أنها آمنة، وتبين أنها مسمومة.

أهم القرارات الفورية للتخفيف من الأزمة:

• تخفيض الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لسعر الفائدة إلى مايقارب الصفر وكذلك المركزي البريطاني وخمسة بنوك عالمية أخرى، مما جعل أوليفري بلانشارد " كبير اقتصادي صندوق النقد الدولي " يقول أن الخطوة المتناسقة التي اتخذتها المصارف المركزية بخفض أسعار الفائدة " خطوة على الطريق الصحيح ".

• الولايات المتحدة تعلن في إجراء استثنائي حظر عمليات البيع القصير في البورصة Short Saleللتخفيف من آثار الأزمة.

• قرار اجتماع باريس "التخلي عن معايير المحاسبة الجديدة التي تفرض على الشركات تقييم أسهمها بحسب أسعار السوق، وليس على أساس أسعار الشراء. وينظر إلى هذه المعايير الجديدة على أنها سبب إضافي لتكريس الأزمة ". فساد آليات الرأسمالية وراء الأزمات المالية العالمية بعد هذا العرض الموجز لبعض التصريحات التي صدرت مع بداية الأزمة وأهم القرارات التي اتخذت للتخفيف من حدتها، وبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات من تدخل حكومات معظم دول العالم في الاقتصاد وتقديم آلاف المليارات من الدولارات للبنوك لتخليصها من أصولها غير القابلة للبيع لإنقاذ العالم من كارثة مالية محدقة، كما تم تأميم بنوك وشركات تأمين عالمية لمنع إفلاسها، وتقديم قروض بعشرات المليارات من الدولارات لشركات عالمية كبرى لمنع انهيارها حتى لا يؤدي إلى زيادة معدلات البطالة ويعمق من آثار الأزمة. رغم كل هذه القرارات والإجراءات أفلست أيسلندا رسمياً في أكتوبر 2008، وأسبانيا لديها مشاكل ضخمة، واليونان شارفت على الإفلاس في 2010، وشبح اليونان يطارد إيطاليا، وينذر أوروبا كلها بالانهيار، والولايات المتحدة كادت تعلن إفلاسها في 2011، وحجم الأزمة الحقيقي لم يتضح حتى الآن، والعالم يعاني من الركود ويتخوف من أن يتحول إلى كساد. الآن أصبح الجميع يعرف أن النظام الرأسمالي الذي يحكم العالم اقتصادياً بعد انتهاء النظام الاشتراكي بنهاية الشيوعية أزماته لا تنتهي فمروراً بالكساد العظيم 1929، إلى أزمة البورصة المصرية 1959، إلى أزمة سوق المناخ 1982، إلى الاثنين الأسود 1987، إلى أزمة المكسيك 1994، إلى أزمة النمور الآسيوية 1997، إلى الثلاثاء الأسود في البورصة السعودية 2006، إلى هذه الأزمة وهي الأعنف على الإطلاق ولكنها لن تكون الأخيرة لأن سبب هذه الأزمات المتكررة التي يحلو تسميتها بالفقاعات للتقليل من شأنها هو فساد آليات النظام الاقتصادي الرأسمالي الذي لا ينضبط بأي قواعد أو قيم أو مبادئ أو أخلاقيات تحكم هذه الآليات وصدق قول ربنا: (يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) (276) البقرة.

الفاتيكان يدعو لتطبيق نظم التمويل الإسلامي هذه الحقيقة دفعت أصوات غربية كثيرة للمطالبة بتطبيق نظم التمويل الإسلامي للخروج من الأزمة وكان آخرها وأهمها دعوة الفاتيكان في 2009 لتبني التمويل الإسلامي ولو جزئياً كمخرج من الأزمة الاقتصادية العالمية.

وينبغي على العلماء والاقتصاديين الذين ينتمون لعالمنا العربي والإسلامي ألا يضيعوا الفرصة وأن يقولوا بكل وضوح وصراحة: إن تبني منهج الاقتصاد الإسلامي بشقيه كنظرية وتطبيق هو السبيل للخروج من الأزمة المالية العالمية التي تعصف بالاقتصاد العالمي دون رحمة.

وعليهم أن يوضحوا أن التبني يجب أن يكون للنظرية والتطبيق معاً إن كان هناك جدية في طلب نظم التمويل الإسلامي لتكون ركيزة لنظام مالي عالمي جديد يمنع تكرار هذه الأزمات، لأنه لا يصح الأخذ بالنظرية دون التطبيق، كما لا يصح التطبيق بدون النظرية، لأنه لا يمكن تطبيق طرق التمويل الإسلامي في ظل نظام اقتصادي قائم على الربا ولا تحكمه ضوابط أخلاقية لأن هذا الجمع بين الضدين يؤدي إلى أحد أمرين:

أولهما: إضفاء ثوب الشرعية على المنتجات المالية الغربية دون الجوهر المتمثل في العدالة وعدم الإضرار بالغير ويحرم الغش وأكل أموال الناس بالباطل.

ثانيهما: أن يتم تحويل العقود الشرعية الحاكمة للمعاملات المالية في الاقتصاد الإسلامي إلى منتجات تباع وتشترى. وكلا الأمرين مرفوض لأن النظرية الاقتصادية الإسلامية مستمدة من القرآن والسنة وهي ملزمة وصالحة لكل زمان ومكان وغير قابلة للتغيير أو التبديل وليست محل خلاف فقواعد كالعدالة وعدم الظلم والصدق والأمانة وغيرها الكثير لا تتغير بتغير الأنظمة الاقتصادية، وهذه القواعد حاكمة للنظام الاقتصادي الذي يتمثل في التطبيق وهو يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة. الاقتصاد الإسلامي له قواعد ومبادئ حقيقية وحتى لا يقول قائل أن مطالبتنا للغرب بتبني منهج الاقتصاد الإسلامي بشقيه النظرية والتطبيق معاً فيه نوع من المبالغة ناتج عن عاطفة منشأها اعتزازنا بالانتماء للإسلام فسوف أنقل بعض ما قاله عقلاء الغرب من اقتصاديين سابقين ومعاصرين ومنهم من هو حاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد وهم ينتقدون فشل النظم الوضعية في تحقيق الحياة الرغدة بشقيها المادي والمعنوي للناس ويطالبون بتطبيق أسس الاقتصاد الإسلامي.

• فابتداء من كينز عالم الاقتصاد الشهير وصاحب النظرية المشهورة يؤكد أن سعر الفائدة يعد من أسباب التقلبات العنيفة في الاقتصاد الغربي وأن الاقتصاد الغربي يصل إلى عافيته إذا اقترب سعر الفائدة من الصفر.

• سيمنز الاقتصادي الأمريكي المشهور في دراسة للكساد العظيم 1929 يقول أن الكساد يرجع إلى التمويل عن طريق الاقتراض قصير الأجل بفائدة وأن العلاج يكمن في التمويل الذاتي عن طريق الأرباح غير الموزعة في المشروعات أو عن طريق المشاركة بحصة في المشاريع أي الأسهم.

• ميليسكي الاقتصادي الأمريكي يقول أن التقلبات التي يعاني منها الاقتصاد الأمريكي ترجع بالأساس إلى التقلبات في سعر الفائدة وأن المخرج من ذلك هو الأخذ بنظام المشاركة.

• أما فريدمان فيرجع أسباب أزمة الثمانينات إلى التقلبات الطائشة في سعر الفائدة.

• ويقول تير أن سعر الفائدة يعد معياراً رديئاً في تخصيص الموارد ويجب أن يستبدل بالربح أي الربح الناتج عن النشاط الحقيقي بدلاً من الفائدة. وهذا ما يؤكده القرآن الكريم من تحريم الربا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ) (278، 279) البقرة.

• أما بوفيس فانسون رئيس تحرير مجلة (تشالنجز) 5/ 10/ 2008 يقول بكل جرأة ووضوح أننا بحاجة أكثر في هذه الأزمة إلى قراءة القرآن الكريم بدلاً من الإنجيل لفهم ما يحدث بنا وبمصارفنا لأنه لو حاول القائمون على مصارفنا احترام ما ورد في القرآن من تعاليم وأحكام وطبقوها ما حل بنا ما حل من كوارث وأزمات وما وصل بنا الحال إلى هذا الوضع المزري لأن النقود لا تولد نقود.

• ورولان لاسكين رئيس تحرير صحيفة (لو جورنال دي فينانس) فينادي بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية في المجال المالي والاقتصادي لوضع حد لهذه الأزمة التي تهز أسواق العالم والتي سببها التلاعب بقواعد التعامل والإفراط في المضاربات الوهمية غير الشرعية (يقصد المضاربات بالمفهوم الغربي وليس المضاربة كأحد طرق التمويل الإسلامي).

• ومجلس الشيوخ الفرنسي دعا إلى ضم النظام المصرفي الإسلامي للنظام المصرفي في فرنسا، وقال في تقرير أعدته لجنة تعني بالشئون المالية في المجلس أن النظام المصرفي الإسلامي المستمد من الشريعة الإسلامية مريح للجميع سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين.

• وأختم بموريس آلية الاقتصادي الفرنسي الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد والذي تطرق خلال أزمة الثمانينات إلى أن الأزمة التي يشهدها الاقتصاد العالمي بقيادة الليبرالية المتوحشة تجعل الاقتصاد العالمي على حافة بركان مهدداً بالانهيار تحت وطأة الأزمة المضاعفة (المديونية والبطالة) وهي نفس أعراض الأزمة المالية الحالية بل إن الأزمة الحالية أعمق من أزمة الثمانينات.

وقد اقترح للخروج من الأزمة وإعادة التوازن شرطين، هما:

- تعديل سعر الفائدة إلى حدود الصفر.

- مراجعة معدل الضريبة إلى ما يقرب من 2 %.

وهو ما يتطابق تماماً مع تحـريم الربـا ونسبة الزكاة في الإسلام مصداقاً لقول ربنـا: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (53) فُصلت.

المصارحة ضرورية قبل تقديم الحلول بعد كل هذه الحقائق والشهادات من عقلاء الغرب من الاقتصاديين والتي تتطابق مع دعوة الفاتيكان الصريحة بأنهم في حاجة إلى مساعدة النظام الاقتصادي الإسلامي ليضع لهم علاج للأزمة المالية العالمية، فإنه يجب علينا نحن المسلمين أفراد وهيئات وخاصة العاملين في مجال الاقتصاد الإسلامي أن نقوم بدورنا في بيان وشرح قواعد ومبادئ وأخلاقيات الاقتصاد الإسلامي، ليس هذا فحسب بل ينبغي علينا أن نقدم لهم حلولاً عملية ورحيمة في نفس الوقت تصديقاً لقول ربنا: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (107) الأنبياء.

وقبل تقديم الحلول العملية التي يطلبونها للخروج من الأزمة المالية العالمية يجب مصارحتهم بأن الحلول التي ستقدم عبارة عن عقود مالية تحكمها نصوص شرعية كبديل لمعاملاتهم الربوية التي يحكمها عقد القرض بفائدة.

وهذه البدائل المالية الشرعية لها أركان وشروط وضوابط تحكمها ولا يمكن التنازل عنها أو تغييرها أو الالتفاف عليها، وإذا حدث هذا فإنها تصبح معاملات مالية فاسدة ولا تمت للمعاملات المالية الإسلامية بصلة.

هذه المصارحة ضرورية وأهم من الحلول ذاتها لأنهم يطالبون الاقتصاديين المسلمين بمنتجات مالية إسلامية تكون بديلاً لمنتجاتهم المالية الربوية وللأسف الشديد فإن كثيرًا من الاقتصاديين المسلمين أصبحوا يستخدمون تعبير المنتجات المالية الإسلامية بدلاً من عقود المعاملات المالية الشرعية وذلك رغبة منهم في جعل الاقتصاديين الغربيين يتقبلون النموذج المالي الإسلامي وهذا لا يصح لأمرين: أولهما: أن الإسلام دين تعبدنا الله به كما جاء في قوله - تعالى -: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) (56، 57، 58) الذاريات؛ لعلمه -سبحانه وتعالى- بضعف البشر وحاجة بعضهم إلى بعض مما يستوجب وجود تعاملات بينهم في كافة مجالات حياتهم الدنيوية ومن بينها التعاملات المالية أنزل في القرآن الكريم نصوصًا شرعية تحكم وتنظم وتضبط لهم هذه التعاملات مصداقًا لقول ربنا: (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (14) الملك، وقوله - تعالى -: (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (54) الأعراف.

وجاءت السنة النبوية المطهرة على صاحبها أشرف الصلاة وأتم التسليم مبينة وشارحة لهذه النصوص ومقرة للعقود الموافقة لها، وأمر المولى - عز وجل - بالالتزام بتنفيذ تلك العقود في قوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ) (1) المائدة.

فالدين الإسلامي ليس دين منتجات مالية تباع وتشترى ولكن شرع ومنهاج يحكم وينظـم حيـاة البشرية جمعـاء بما في ذلك تعـاملاتهم الماليـة مصداقًا لقول ربنـا: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (48) المائدة، وقوله - تعالى -: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (28) سبأ.

ثانيهما: أن إطلاق مسمى المنتجات المالية الإسلامية على العقود الشرعية الحاكمة للمعاملات المالية يجعل الناس يتصورون أن من حقهم بيعها منفصلة عن محل العقد وهذا غير صحيح؛ لأن الذي يباع هو محل العقد وليس العقد ذاته كما يفعل الغربيون، وقد يتصورون أيضًا أنه يحق لهم التعديل في أركانها وشروطها وضوابطها؛ لأن أي منتج يخضع للتطوير والتعديل، أو الإلغاء وهي أمور لا تجوز بأي حال من الأحوال.

الاقتصاد الإسلامي يقدم طوق النجاة للعالم بعد هذه المصارحة يمكن للاقتصاديين المسلمين أن يقدموا للنظام المصرفي الغربي الحلول العملية المتمثلة في العديد من العقود المالية الشرعية لتكون بديلاً لعقد القرض الربوي الذي يعتمدون عليه وسبب لهم المصائب والأزمات المتكررة ومن هذه العقود: المشاركة، والمضاربة، والمرابحة، والإجارة، والمزارعة، والمساقاة، والسلم، والاستصناع، ولكل منها أركانه وأحكامه وضوابطه، هذا بالإضافة إلى العقود غير المسماة وهي كل عقد لم يقل به الفقهاء مسبقًا واقتضت حـاجـة النـاس إلى إنشـائه متى كان يحقـق لهم مصالحهـم وحاجاتهم الـمستجـدة طـالما لا يتعارض مع أسس الدين وقواعده الكلية فهو عقد صحيح على أساس أن الأصل في الأشياء الإباحة والحل. البورصة بين الحقيقة والوهم بالنسبة لمعاملات البورصة فالاقتصاديين المسلمين يستطيعون القول بأن بيع وشراء الأسهم العادية التي تساوي بين الشركاء (المساهمين) في الحقوق والواجبات وتصدرها الشركات المساهمة التي تخلو من الربا وأنشطتها مباحة ومارست نشاطها وغلب على موجوداتها الآلات والأدوات والبضائع ويتم تسليم الأسهم لمشتريها ويأخذ البائع الثمن صحيحة ونافذة شرعًا، ولكن بشرط أن يكون هدف الشراء هو المساهمة في تلك الشركات بالاحتفاظ بالأسهم للاستفادة من توزيعات الأرباح المتكررة الناتجة عن النشاط الفعلي للشركات، وأن يكون البيع استثناءًا من هذا الأصل باعتبار أن المساهمة بالأسهم استثمار طويل الأجل. أما البيع والشراء الذي يتم لحظيًا لتحقيق ربح من تذبذبات الأسعار فلا يصح للأسباب التالية:

 1. افتقاده للعدالة لأن ارتفاع أسعار معظم الأسهم غير حقيقي، ويدل على ذلك أن أسهم بعض الشركات ترتفع رغم إعلانها الخسارة والبعض الآخر ينخفض رغم إعلانها الربح.

2. يشتمل على الجهالة والخداع لأن المساهمين في غالبيتهم لا يعرفون شيئًا كثيرًا عن الشركات، بل إن بعضهم لا يعرف اسم الشركة على الوجه الصحيح ولا النشاط الذي تزاوله.

3. مخالفته للمقاصد الشرعية للمعاملات المالية من ضرورة أن يكون التعامل بين الناس على أساس العدل وعدم الظلم، ومنع أكل أموال الناس بالباطل، وجلب المصالح ودفع المضار، ولا يخفى ما يصيب المتعاملين بهذه الطريقة من مضار تتمثل في الخسائر التي يتكبدونها.

 4. لا يحقق أي قيمة مضافة للاقتصاد حيث أن تداول الأسهم بالبورصة (السوق الثانوية) مهما بلغ حجمه لا يتعدى كونه نقل ملكية من طرف إلى آخر دون أي فائدة تعود على الشركات المصدرة لتلك الأسهم. كما يستطيعون القول بأن المعاملات الوهمية التي تعرف بالمشتقات المالية التي يجـري التعـامل عليهـا في سوق العقـود الآجـلة والمسـتقبلية مثل البيـع على المكشوف (القصير) Short Saleوالشراء بالهامش Marginوالخيارات Optionsوبيع وشراء المؤشرIndexوما شابهها فكلها من قبيل القمار مهما ابتكروا لها من مسميات وهو أمر لا يحتاج إلى مجهود في الإثبات فيكفي الاستشهاد ببعض وليس كل أقوال الاقتصاديين الغربيين الذين كتبوا عن المشتقات المالية ومنهم: • دافيد كورتين صاحب كتاب العولمة والمجتمع المدني يقول إن أكثر من تريليون دولار تتداولها الأيدي التماساً لعوائد مالية قصيرة الأجل لا علاقة لها بالإنتاج أو التجارة في أي سلع أو خدمات فعلية، ويضيف أصبح النظام المالي العالمي ناديًا عملاقًا للقمار تعتمد الفوائد فيه على استخلاص الثروة من بين أيدي الآخرين.

• أما بيتر داركر فيقول: "إن المنتجات التي ظهرت خلال الثلاثين عامًا الماضية كانت في الغالب مشتقات مالية زعموا أنها علمية لكنها في حقيقة الأمر لم تكن أكثر علمية من أدوات القمار في "لاس فيجاس" أو مونت كارلو".

• أما شانس فيقول لن يكون بالوسع الإفلات من النقد الموجه إلى عقود الخيار والعقود المستقبلية بأنها تسهم في رعاية القمار المقنن.

• يذكر الكاتبان التون وجروبر في كتابهما "نظرية محفظة الأوراق المالية وتحليل الاستثمار" أن العقود المستقبلية وعقود الاختيارات هي أوراق مالية تمثل جانب الرهان على أداء ورقة مالية معينة أو حزمة من الأوراق.

• أكد صندوق النقد الدولي في دراسة أعدها عن المشتقات على صورية تلك العقود بقوله: "إن انتقال ملكية الأصل محل التعاقد والتدفقات النقدية المقابلة أمر غير ضروري".

• أما جورج سورس الملياردير اليهودي المعروف الذي كان وراء أزمة النمور الآسيوية وانهيار أسواقها المالية فقد أعلن في لجنة البنوك الأمريكية عام 1994 أن بعض أدوات المشتقات المالية تم تصميمها خصيصًا لتمكين المؤسسات الاستثمارية من المقامرة.

• أخيرًا هناك وثيقة دامغة قدمها الكاتب الشهير جيف مادورا الأستاذ بجامعة كاليفورنيا تحت عنوان "عولمة الأسواق المستقبلية" مفادها أنه لا مشاركة أمريكية في العقود المستقبلية في الولايات المتحدة الأمريكية. وهذا من العجائب لأن الولايات المتحدة هي مبتكرة المشتقات المالية، وبيعها لمشتقات الرهن العقاري لمستثمرين حول العالم كان السبب الرئيسي في الأزمة المالية العالمية، ومع هذا فهي لا تسمح للأمريكيين بالتعامل في أسواق العقود الآجلة المستقبلية على أوراق الشركات الأمريكية، أما غير الأمريكيين فقد تم توفير كافة التسهيلات لهم بما في ذلك مد ساعات العمل لتغطية فروق التوقيت في كافة أرجاء المعمورة ليمكنهم التعامل على المشتقات في الأسواق الأمريكية. هذه الوثيقة أبلغ رد على الغربيين أنفسهم، وعلى الذين يدينون بالإسلام وينادون بإدخال هذه الأنواع من العقود إلى بورصاتنا بدعوى أنها شرط أساسي لتنشيط حركة التداول ونقدم لهؤلاء قول ربنا: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ) (91) المائدة.

أما متوهمي الثراء السريع بدون عمل أو مجهود فعلاجهم في قول ربنا: (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (105) التوبة.


عبد الفتاح صلاح