مهنتك طريق جنتك

منذ 2015-01-18

أيُّها الإخوة المؤمنون، إنَّ ارتفاع الأممِ وهبوطها، وبقاءَها واندثارها؛ يرتبط ارتباطًا كبيرًا بعملِ أبنائها وتطلُّعاتهم واهتماماتهم، فلن ترتقيَ أمةٌ يميلُ أبناؤها إلى الدَّعة والراحة والسكون، ويؤثرون على العمل الجاد، الذي يسهم في بناءِ الأمة، كلَّ عملٍ يُحَقِّق نصيبًا أكبر من الكسل والخمول، مع السعي في تحصيل عائد مالي جيدٍ، يوفِّرُ متطلبات الرفاهية والتَّرف.

مهنتك طريق جنتك، وسبيل رفعة أمتك..

ما اهتماماتنا؟

قيل أن التتار لما أرادوا غزو المسلمين، أرسلوا وافدهم إلي العراق، يختبر أحوال الناس، فوجد صبيًا يبكي، فسأله عن سبب البكاء، فقال: "أردت أن أصطاد عصفورين بحجر، فلم أستطع إلا اصطياد أحدهما فقط، فقرروا أن يغزوهم فكريًا أولًا؛ بنشر المجون، والرذيلة، والافتتان بالأموال والنساء، ثم أرسلوا وافدهم؛ لينظر هل آتى الغزو الفكري ثماره؛ ليردفوه بالغزو العسكري، فوجد شابًا عند بئر يبكي، فسأله عن سبب بكائه، فقال: "خاتم محبوبتي سقط في هذا البئر"؛ فقالوا: "الآن حان الغزو".

أيُّها الإخوة المؤمنون، إنَّ ارتفاع الأممِ وهبوطها، وبقاءَها واندثارها؛ يرتبط ارتباطًا كبيرًا بعملِ أبنائها وتطلُّعاتهم واهتماماتهم، فلن ترتقيَ أمةٌ يميلُ أبناؤها إلى الدَّعة والراحة والسكون، ويؤثرون على العمل الجاد، الذي يسهم في بناءِ الأمة، كلَّ عملٍ يُحَقِّق نصيبًا أكبر من الكسل والخمول، مع السعي في تحصيل عائد مالي جيدٍ، يوفِّرُ متطلبات الرفاهية والتَّرف.

- منزلة العمل في الإسلام:

يحظى العمل في الإسلام بمنزلة خاصة واحترام عظيم، ويكفي في إظهار قيمته ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: عن أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؛ «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ؛ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لاَ يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ» (رواه أحمد، وصححه الألباني)، والفسيل صغير النخل، وهو دليل على أن العمل مطلوب لذاته، والمسلم عليه أن يظل عاملًا منتجًا، حتى تنفد آخر نقطة زيت في سراج الحياة.

وهذه قِمَّة الإيجابية، والاشتغال بالعمل مهما كانتِ الظروف المحيطة، والأخطار المُحدِقة؛ لأنَّ العمل الصالح في حدِّ ذاته عبادةٌ، سواء قطَف فاعلُه الثمرةَ بنفسه، أم فعَل الله بها ما يشاء.

وأمر القرآن بالعمل، وطلب إلينا السعي علي المعاش، فقال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك:15].

وأخبرنا أنه جعل لنا النهار من أجل الرزق والسعي عليه، فقال ربنا تبارك وتعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا} [الفرقان:47].

وقال أيضًا: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا. وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا} [النبأ:10-11].

{وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة:105]، وفي كلٍّ لم يحدد نوع العمل.

- العمل والسعي على المعاش في منزلة الجهاد في سبيل الله:

قال تعالي: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المزمل:20].

قال القرطبي في تفسير هذه الآية: "بَيَّنَ سبحانه علة تخفيف قيام الليل، فإن الخلق منهم المريض، ويشق عليهم قيام الليل، ويشق عليهم أن تفوتهم الصلاة، والمسافر في التجارات قد لا يطيق قيام الليل، والمجاهد كذلك، فخفف الله عن الكل لأجل هؤلاء، و{أَن} في {أَن سَيَكُونُ} مخففة من الثقيلة، أي علم أنه سيكون".

وسوى الله تعالى في هذه الآية بين درجة المجاهدين، وبين المكتسبين المال الحلال للنفقة على نفسه وعياله، والإحسان والإفضال، فكان هذا دليلًا على أن كسب المال بمنزلة الجهاد، لأنه جَمَّعَه مع الجهاد في سبيل الله.

وروى إبراهيم عن علقمة قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من جالب يجلب طعامًا من بلد إلى بلد فيبيعه بسعر يومه؛ إلا كانت منزلته عند الله منزلة الشهداء»، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ ۙ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [المزمل:20]، وقال ابن مسعود: "أيما رجل جلب شيئًا إلى مدينة من مدائن المسلمين صابرًا محتسبًا، فباعه بسعر يومه؛ كان له عند الله منزلة الشهداء"، وقرأ {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ} [المزمل:20].

وقال ابن عمر: "ما خلق الله موتة -أموتها بعد الموت في سبيل الله- أحب إليَّ من الموت بين شعبتي رحلي، ابتغي من فضل الله، ضاربًا في الأرض".

وقال طاووس: "الساعي على الأرملة، والمسكين؛ كالمجاهد في سبيل الله".

وعن بعض السلف: أنه كان بواسط، فجهز سفينة حنطة إلى البصرة، وكتب إلى وكيله: "بع الطعام يوم تدخل البصرة، ولا تؤخره إلى غد"، فوافق سعة في السعر، فقال التجار للوكيل: "إن أَخَّرْته جمعة ربحت فيه أضعافه،، فأخره جمعة؛ فربح فيه أمثاله، فكتب إلى صاحبه بذلك، فكتب إليه صاحب الطعام: "يا هذا! إنا كنا قنعنا بربح يسير مع سلامة ديننا، وقد جنيت علينا جناية، فإذا أتاك كتابي هذا؛ فخذ المال وتصدق به على فقراء البصرة، وليتني أنجو من الاحتكار كفافًا لا عليَّ ولا لي".

أين المحتكرون؟ وسارقوا أقوات الناس؟ بل ناهبوا دواء المرضي؟ والمتاجرون بآلام الفقراء وعوزهم؟ أين هم من هذه الأخلاق؟ وأين هم من حديث رسول الله؛ فيما يروي ابْنِ عُمَرَ عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم «مَنِ احْتَكَرَ طَعَامًا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَقَدْ بَرِئَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَبَرِئَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ، وَأَيُّمَا أَهْلُ عَرْصَةٍ أَصْبَحَ فِيهِمُ امْرُؤٌ جَائِعٌ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ تَعَالَى» (رواه أحمد، والحاكم؛ بسند جيد).

يا حسرة علي العباد! أطفال المسلمين يموتون من شدة البرد ومن الجوع ومن قلة الدواء، وأمراء وحكام المسلمين ورجال الأعمال يموتون من التخمة وفضلات طعامهم وشرابهم تكفي وتؤوي ملايين الأطفال، ومنهم من يسافر إلي باريس بالطائرة الخاصة ليقضي ليلة حمراء، وينفقون الملايين علي عطورهم وأناقتهم، ومليارات تنفق في بلاد المسلمين علي المفرقعات للاحتفال بعيد رأس السنة الميلادي المسيحي..!

ويروى أن غلامًا من أهل مكة؛ كان ملازمًا للمسجد، فافتقده ابن عمر، فمشى إلى بيته، فقالت أمه: "هو على طعام له يبيعه"، فلقيه؛ فقال له: "يا بني! ما لك وللطعام؟ فهلا إبلًا، فهلا بقرًا، فهلا غنمًا! إن صاحب الطعام يحب المحل، وصاحب الماشية يحب الغيث" (تفسير القرطبي بتصرف يسير).

ويقول صاحب الظلال في قوله تعالى؛ {عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى}، يصعب عليهم هذا القيام، {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} في طلب الرزق والكد فيه، وهو ضرورة من ضرورات الحياة، والله لا يريد أن تَدَعُوا أمور حياتكم، وتنقطعوا لعبادة الشعائر انقطاعَ الرهبان! ا.هـ

وقوله تعالى: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ}؛ فيه بيان أن السعي و الرزق من فضل الله، وفيه إشارة على رضا الله عز وجل عنه، لأنه من فضله.

وكذلك نفهم أنه لا يستطيع الإنسان أن يؤدي كثيرًا من فرائض الدين؛ بل أركانه؛ من زكاة وحج وصحة بدن، لِيَسْتطِيع الصلاة والجهاد وسائر الطاعات؛ إلا بالمال، والمال من السعي والعمل، وما لا يتم الواجب إلا به؛ فهو واجب.

وقد ختم الله الآية بقوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا}، ولا يكون ذلك إلا بامتلاك المال، والكسب، والسعي على المعاش.

عَنْ كَعْبِ بن عُجْرَةَ، قَالَ: "مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ، فَرَأَى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جِلْدِهِ وَنَشَاطِهِ، فَقَالُوا: "يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ لَوْ كَانَ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ يُعِفُّهَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ رِيَاءً وَمُفَاخَرَةً فَهُوَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ» (رواه الطبراني؛ ورجاله رجال الصحيح؛ وصححه الألباني).

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ في سَبِيلِ اللَّهِ، -وَأَحْسِبُهُ قَالَ- وَكَالْقَائِمِ لاَ يَفْتُرُ، وَكَالصَّائِمِ لاَ يُفْطِرُ» (البخاري ومسلم).

- الأنبياء والعمل:

وقد كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يعمل بنفسه، ويقوم على خدمة أهله، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: "سَأَلَ رَجُلٌ عَائِشَةَ؛ هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَعْمَلُ في بَيْتِهِ شَيْئًا"، قَالَتْ: «نَعَمْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيَخِيطُ ثَوْبَهُ، وَيَعْمَلُ في بَيْتِهِ، كَمَا يَعْمَلُ أَحَدُكُمْ في بَيْتِهِ» (أخرجه أحمد).

عَنِ الْمِقْدَامِ رضى الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِىَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِه» (البخاري).

وروي أن عيسى عليه السلام كان يأكل من غزل أمه. (تفسير القرطبي).

وجاء ذكر نبي الله داود في قوله تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ. وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ} [الأنبياء:79-80].

يعني اتخاذ الدروع بإلانة الحديد له، وأراد الله تعالى هنا الدرع، وهو بمعنى الملبوس؛ نحو الركوب والحلوب.

قال قتادة: "أول من صنع الدروع داود، وإنما كانت صفائح، فهو أول من سردها وحلقها".

وهذه الآية أصل في اتخاذ الصنائع والأسباب، وهو قول أهل العقول والألباب، لا قول الجهلة الأغبياء؛ القائلين بأن ذلك إنما شرع للضعفاء، فالسبب سنة الله في خلقه، فمن طعن في ذلك فقد طعن في الكتاب والسنة، ونسب من ذكرنا (داود) إلى الضعف وعدم المنة، وقد أخبر الله تعالى عن نبيه داود عليه السلام أنه كان يصنع الدروع، وكان أيضًا يصنع الخوص، وكان يأكل من عمل يده، وكان آدم حرَّاثًا، ونوح نجَّّارًا، ولقمان خيَّاطًا، وطالوت دبَّاغًا، وقيل: سقَّاء، فالصنعة يكف بها الإنسان نفسه عن الناس، ويدفع بها عن نفسه الضرر والبأس.

وفي الحديث؛ «إن الله يحب المؤمن المحترف الضعيف المتعفف، ويبغض السائل الملحف» (أخرجه الطبراني؛ وابن عدي؛ وضعفه من حديث ابن عمر، وضعفه الألباني) (تفسير القرطبي بتصرف يسير).

{وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ. أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [سبأ :10-11]. {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ}؛ قال ابن عباس: "صار عنده كالشمع"، وقال الحسن: "كالعجين، فكان يعمله من غير نار"، وقال السدي: "كان الحديد في يده كالطين المبلول والعجين والشمع، يصرفه كيف شاء، من غير إدخال نار، ولا ضرب بمطرقة"، وقاله مقاتل: "وكان يفرغ من الدرع في بعض اليوم، أو بعض الليل، ثمنها ألف درهم"، وقيل: "أعطي قوة يثنى بها الحديد".

وسبب ذلك أن داود عليه السلام، لما ملك بني إسرائيل لقي مَلَكًا، وداود يظنه إنسانًا، وداود متنكر، خرج يسأل عن نفسه وسيرته في بني إسرائيل في خفاء، فقال داود لذلك الشخص الذي تمثل له: "ما قولك في هذا الملك داود"؟ فقال له المَلَك: "نعم العبد، لولا خلة فيه"، قال داود: "وما هي؟" قال: "يرتزق من بيت المال، ولو أكل من عمل يده لتمت فضائله"، فرجع فدعا الله في أن يعلمه صنعة ويسهلها عليه، فعلمه صنعة لبوس، كما قال عز وجل في سورة سبأ: {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ}، فصنع الدروع، فكان يصنع الدرع فيما بين يومه وليلته يساوي ألف درهم، حتى ادخر منها كثيرًا، وتوسعت عيشة منزله، ويتصدق على الفقراء والمساكين، وكان ينفق ثلث المال في مصالح المسلمين، وهو أول من اتخذ الدروع، وصنعها، وكانت قبل ذلك صفائح.

في هذه الآية دليل على تعلم أهل الفضل الصنائع، وأن التحرف بها لا ينقص من مناصبهم، بل ذلك زيادة في فضلهم وفضائلهم، إذ يحصل لهم التواضع في أنفسهم، والاستغناء عن غيرهم، وكسب الحلال الخلي عن الامتنان. (تفسير القرطبي).

وقد يسأل سائل: "لماذا داود بالذات؟" والإجابة: "أن داود كان غنيًا ملكًا نبيًا، وعَلَّمَه الله الصنعة، فكان محترفًا، مع أنه مَلِكٌ؛ لا حاجة له في الحرفة والعمل، ولو كانت الحرفة والمهنة عيبًا ما علمه الله إياها، ولمَاَ ذكره في القرآن، فالأولى بذلك المحتاج حتي لا يكون عالة علي غيره.

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضى الله عنه؛ عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلاَّ رَعَى الْغَنَمَ»، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: "وَأَنْتَ؟"، فَقَالَ: «نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ» (البخاري).

وقد عمل نبي الله موسي عليه السلام عند العبد الصالح ثماني سنين، أو عشرًا؛ ليعف نفسه بالزواج، ويأكل من عمل يده.

{قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} [القصص:27]، فالأنبياء أشرف الخلق، وأعظمهم كانوا صُناعًا وتجارًا ورعاة للغنم.

ولقد كَرَّم الإسلام العاملين، ولم يعِب أي نوع من العمل الشريف، فسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، عمل في الرعي والتجارة، كما أن من الصحابة الكرام من امتهن التجارة؛ كأبي بكر الصديق، والحدادة؛ كخباب بن الإرت، والرعي؛ كعبد الله بن مسعود، وغيرهم.

- اليد العليا خير من اليد السفلى:

رَبَّي النبي صلي الله عليه وسلم أصحابه على الكسب والسعي في حلال، وأن اليد العليا خير من اليد السفلى؛ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما؛ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم؛ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ -وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ-، وَذَكَرَ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ وَالْمَسْأَلَةَ «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، فَالْيَدُ الْعُلْيَا هِىَ الْمُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَى هِىَ السَّائِلَةُ» (البخاري ومسلم).

عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ رضي الله عنه  قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَاني، ثُمَّ قَالَ: «يَا حَكِيمُ إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ كَالَّذِى يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ، الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى»، قَالَ حَكِيمٌ: "فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لاَ أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا"، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه يَدْعُو حَكِيمًا إِلَى الْعَطَاءِ؛ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ رضي الله عنه دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا، فَقَالَ عُمَرُ: "إِنِّي أُشْهِدُكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى حَكِيم، أَنِّى أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ هَذَا الْفيءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ، فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى تُوُفي (البخاري).

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فَيَحْطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ؛ فَيَتَصَدَّقَ بِهِ؛ وَيَسْتَغْنِىَ بِهِ مِنَ النَّاسِ؛ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلًا أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا أَفْضَلُ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ»" (رواه مسلم).

عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: "قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَآخَى النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِي وَعِنْدَ الأَنْصَارِيِّ امْرَأَتَانِ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُنَاصِفَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، فَقَالَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ في أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ، فَأَتَى السُّوقَ، فَرَبِحَ شَيْئًا مِنْ أَقِطٍ، وَشَيْئًا مِنْ سَمْنٍ، فَرَآهُ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ أَيَّامٍ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ؛ فَقَالَ: «مَهْيَمْ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ»، فَقَالَ: "تَزَوَّجْتُ أَنْصَارِيَّةً"، قَالَ: «فَمَا سُقْتَ»، قَالَ: "وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ"، قَالَ: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» (رواه البخاري).

وفي رواية (أحمد)؛ فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: "أَي أَخِي أَنَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَالًا، فَانْظُرْ شَطْرَ مَالِي فَخُذْهُ، وَتَحْتِي امْرَأَتَانِ؛ فَانْظُرْ أَيُّهُمَا أَعْجَبُ إِلَيْكَ حَتَّى أُطَلِّقَهَا"، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: "بَارَكَ اللَّهُ لَكَ في أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ"، فَدَلُّوهُ عَلَى السُّوقِ، فَذَهَبَ؛ فَاشْتَرَى، وَبَاعَ؛ فَرَبِحَ، فَجَاءَ بِشَيءٍ مِنْ أَقِطٍ، وَسَمْنٍ، ثُمَّ لَبِثَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَلْبَثَ، فَجَاءَ وَعَلَيْهِ رَدْعُ زَعْفَرَانٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَهْيَمْ!»، فَقَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً"، فَقَالَ: «مَا أَصْدَقْتَهَا»، قَالَ: "وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ"، قَالَ: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ»، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: "فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي وَلَوْ رَفَعْتُ حَجَرًا لَرَجَوْتُ أَنْ أُصِيبَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً" (مسند الإمام أحمد).

ولقد ربى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على هذا؛ حتى أنه كان يشجع صبيان المسلمين على العمل، وقد ترجم في الإصابة لعبد الله بن جعفر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ مر به وهو يبيع مع الصبيان فقال: «اللهم بارك له في بيعه أو صفقته» (الإصابة في معرفة الصحابة).

وقد حكوا عن شقيق البلخي -وهو من أهل العبادة والزهد-؛ أنه ودَّع صديقه إبراهيم بن أدهم، لسفره في تجارة عزم عليها، ولم يلبث إلا مدة يسيرة، ثم عاد، ولقيه إبراهيم، فعجب لسرعة إيابه من رحلته، فسأله عما رجع به قبل أن يتم غرضه، فقصَّ عليه قصة شهدها، جعلته يغير وجهته، ويلغي رحلته، ويعود قافلًا.

ذلك أنه نزل للراحة في الطريق، فدخل خربة يقضي فيها حاجته، فوجد فيها طائرًا أعمى كسيحًا؛ لا يقدر على حركة، فرَقَّ لحاله، وقال: "من أين يأكل هذا الطائر الأعمى الكسيح في هذه الخربة؟" ولم يلبث أن جاء طائر آخر يحمل إليه الطعام ويمده به، حتى يأكل ويشبع، وظل يراقبه عدة أيام وهو يفعل ذلك، فقال شقيق: "إن الذي رزق هذا الطائر الأعمى الكسيح في هذه الخربة لقادر على أن يرزقني"، وقرر العودة.

وهنا قال له ابن أدهم: "سبحان الله يا شقيق، ولماذا رضيت لنفسك أن تكون الطائر الأعمى العاجز، الذي ينتظر عون غيره، ولا تكون أنت الطائر الآخر؛ الذي يسعى ويكدح، ويعود بثمرة ذلك على من حوله من العمي والمقعدين؟! أما علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اليد العليا خير من اليد السفلى؟» فقام إليه شقيق، وقبَّل يده، وقال: "أنت أستاذنا يا أبا إسحاق!"

وحكي أن كسرى خرج يومًا يتصيد؛ فوجد شيخًا كبيرًا يغرس شجر الزيتون، فوقف عليه، وقال له: "يا هذا! أنت شيخ هَرِم، والزيتون لا يثمر إلا بعد ثلاثين سنة، فلِمَ تغرسه؟" فقال: "أيها الملك! زرع لنا من قبلنا فأكلنا، فنحن نزرع لمن بعدنا فيأكل"، فقال له كسرى: "زه"؛ وكانت عادة ملوك الفرس إذا قال الملك منهم هذه اللفظة أعطى ألف دينار، فأعطاها الرجل، فقال له: "أيها الملك! شجر الزيتون لا يثمر إلا في نحو ثلاثين سنة، وهذه الزيتونة قد أثمرت في وقت غراسها"، فقال كسرى: "زه"، فأعطى ألف دينار، فقال له: "أيها الملك شجر الزيتون لا يثمر إلا في العام مرة، وهذه قد أثمرت في وقت واحد مرتين"، فقال له: "زه"، فأعطى ألف دينار أخرى، وساق جواده مسرعًا، وقال: "إن أطلنا الوقوف عنده نفد ما في خزائننا".

وبلغ من حرص الصحابة رضوان الله عليهم؛ أن صنع القفاف ونحوها -من الخوص؛ وهو ورق النخيل- كانت حرفة سلمان الفارسي رضي الله عنه، حتى وهو أمير في المدائن، فيعيش بها، وكان يقول أحب أن أعيش من عمل يدي، ألا ترى إلى قول أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه:

بقدر الكد تكتســب المعالي *** ومن طلب العـلا سهر الليالي

تــروم العــز ثم تنام ليلًا *** يخوض البحر من طـلب اللآلي

لنـقل الصخر من قلل الجبال *** أحـب إلى مـن منن الـرجال

وقـالوا للفتى في الكسب عار *** فقلت العــار فـي ذل السؤال

إذا عـاش الفتى ستين عـامًا *** فنصف العـمـر تمحقه اللـيالي

وربع العمر يمضي ليس يدري *** أيقـضـي في يمـين أو شمـال

وربع العمر أمـراض وشيب *** وشـغـل بالتفـكر والعـيال

فحب المرء طول العمـر قبح *** وقَسِّمـته عـلى هـذا المثـال

ومن أهمية العمل؛ أنه كان أحد معايير التقييم عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فكان إذا رأى غلامًا فأعجبه، سأل: "هل له حرفة؟" فإن قيل: "لا"، قال: "سقط من عيني".

وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: "لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول اللهم ارزقني، فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة".

وقيل لمحمد بن مهران: "إن ها هنا أقوامًا يقولون نجلس في بيوتنا وتأتينا أرزاقنا"، فقال: "هؤلاء قوم حمقى، إن كان لهم مثل يقين إبراهيم خليل الرحمن فليفعلوا".

وقال بعضهم في السعي:

خاطر بنفسك كي تصيب غنيمة *** إن الجلوس مع العيال قبيح

وقال آخر:
لا تحسبن الموت موت البلى *** وإنما الموت سؤال الرجال
كلاهما مــــــــــــوت ولكن ذا *** أشد من ذاك لـذل السؤال

قال لقمان الحكيم لابنه: "يا بني، استغن بالكسب الحلال عن الفقر، فإنه ما افتقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال: رقة في دينه، وضعف في عقله، وذهاب مروءته، وأعظم من هذه الثلاث: استخفاف الناس به، فاعمل وكل، فإن الله يحب من يعمل ويأكل ولا يحب من يأكلا ولا يعمل".

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَرْبَعٌ إِذَا كُنَّ فِيكَ فَلاَ عَلَيْكَ مَا فَاتَكَ مِنَ الدُّنْيَا؛ حِفْظُ أَمَانَةٍ، وَصَدْقُ حَدِيثٍ، وَحُسْنُ خَلِيقَةٍ، وَعِفَّةٌ في طُعْمَةٍ» (أحمد والطبراني؛ بإسناد جيد؛ وصححه الألباني).

- متى يكون العمل فرض كفاية؟

من ناحية أخرى يعتبر عمل الفرد في نظر الإسلام فرض كفاية بالنسبة للمجتمع، فالعمل في مجالات النفع العام؛ كالصناعة والزراعة والتجارة والحدادة والكهرباء والهندسة ونحو ذلك يعتبر خدمة للمجتمع بأكمله، يأثم الجميع إذا ترك العمل في هذه المجالات ونحوها.

فواجب علي الأمة أن يصنعوا سلاحهم وغذاءهم ودواءهم وحاجاتهم، فإذا لم يكتف المسلمون فقد ضيعوا فرضًا، وأهانوا وذلوا شعبًا.

إنَّ الآياتِ الكريمةَ، والأحاديث النَّبوية الشريفة التي تحضُّ على العَمل لَتدلُّ على أنَّ المسلمين مُطالَبون بالعَمل الجادِّ المُثمِر المتقَن؛ كي لا يكونوا عالةً على غيرِهم من الكفَّار.

أوَلاَ يَحزنُك يا أخي، أن يكونَ طعام المسلمين في كثيرٍ من بلادهم مستوردًا من الخارج؟! حتى إذا تأخَّرت الباخرة التي تَحمل القمحَ يَوْمَين، قامت في البلد مجاعةٌ!

أوَلاَ يُؤلِمُك يا أخي، أن يكون لِباسهم مستوردًا من الخارج، وأن تكون سياراتهم مستوردةً من الخارج هي وقطع غيارها، وأن يكون سلاحُهم مستوردًا من الخارج، ولا يُعطيهم الكفَّار إلاَّ الأسلحة التي أكل الدَّهر عليها وشرب؟!

إنَّ المسلمين بسبب هذا التخلُّف وصلوا إلى درجةٍ من الضعف مُذهلة، حتى غلبهم المغلب، وقد وقفتُ على كلمةٍ طيِّبة للكاتب الإسلامي الكبير (شكيب أرسلان) رحمه الله، ورأيتُ أنْ أُوردها، قال: "الجامدُ هو الذي شَهر الحرب على العلوم الطبيعيَّة والرِّياضية والفلسفية، وفنونها وصناعتها؛ بحُجَّة أنَّها من علوم الكفَّار، فحَرَم الإسلامَ ثمراتِ هذه العلوم، وأورث أبناءَه الفقرَ الذي هم فيه، وقصَّ أجنحتَهم، فإنَّ العلوم الطبيعية هي العلوم الباحثة في الأرض، والأرضُ لا تُخرج أفلاذَها إلاَّ لمن يبحث فيها.

فالله ذلَّل لنا الأرض بما فيها، وأمرنا أن نسير في أرجائها وأن نبحث عما أودع فيها من الخيرات التي جعلها الخالق متنوعة بحسب تنوع العصور والأزمان، وبمقدار تنوع حاجات الإنسان ومطالبه، فمن يرغب في زيادة ربحه، وكثرة فائدته؛ فعليه بالسعي، والاجتهاد في اجتناء الخيرات، وأن يستشعر الجد والنشاط، وأن يطرح العجز والكسل والتواني، وهي سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلًا".

إن العاقل لا يرضى لنفسه أن يكون كلًّا على غيره، أو أن يكون إمعة يستجدي الرزق من فلان أو علان، وهو يعلم ويسمع قول الله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى. وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى. ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفي} [النجم:٣٩-٤١]، وقوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ} [الجمعة:١٠]، وقوله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ} [التوبة:١٠٥].

ويُروى أن الله أنزل في التوراة: «يا عبدي حرك يدك أنزل عليك الرزق»، والله تعالى إنما يرزق الناس بعضهم من بعض، فالله تبارك وتعالى جعل طلب الرزق على جميع الناس، فبعضهم يحسن في طلبه؛ فيعامل الناس، ويتحرز من الحرام، ويجد ويجتهد في طلب الرزق بالطرق المشروعة التي أباحها الله، والبعض الآخر إما أن يتكاسل وينام، ويقول: "حظوظ"، أو ينافق ويخادع ويغش ويرابي، وخلاصة القول: "إن الحياة جهاد وكفاح".


ليس الحياة بأنفاس تكررها              إن الحياة حياة الجد والعملْ  
قِيْمَة الإِنْسَانِ مَا يُحْسِنُه                  أَكْثَرَ الإِنْسَانُ مِنْهُ أَوْ أَقَل

فليس طلب المعيشة بالتمني؛ ولكن بالعمل، وعجز المرء وكسله سبب البلاء والتأخير، ومن أراد العلاَ -عفوًا- بلا تعبٍ؛ قضى ولم يقض من إدراكها وطرًا، وقد قيل:

ما أحسنَ الدين والدُّنيا إذا اجتمعا              وأقْبَحَ الكفرَ والإفْلاسَ بالرَّجُلِ

الاعتماد على النفس في العمل لا على الغير؛ بأن يكون عالة على الناس، فعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ رضى الله عنه عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِىَ بِحُزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ؛ فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ» (البخاري ومسلم)، بل أصبح الآن من لا يملك قوته لا يملك قراره، ولا عزة لأمة يكون سلاحها من صنع غيرها، ويبيعها منه ما يشاء، وكيف شاء، ولا سيادة حقيقية لأمة تعتمد على خبراء أجانب عنها في أخص أمورها، وأدق شؤونها، وأخطر أسرارها، ولا استقلال لأمة لا تملك زراعة قوتها في أرضها، ولا تجد الدواء لمرضاها، ولا تقدر على النهوض بصناعة ثقيلة؛ إلا باستيراد الآلة والخبرة من غيرها.

ولا أستاذية لأمة لا تستطيع أن تبلغ دعوتها عن طريق الكلمة المقروءة أو المسموعة أو المصورة المرئية؛ إلا بشرائها من أهلها القادرين عليها.

عمر كان يقول: "والله لئن جاءت الأعاجم بالأعمال، وجئنا بغير عمل؛ فهم أولى بمحمد منا يوم القيامة".

- حقوق العاملين، وواجبا تهم:

وكما أن الإسلام قد أكد على أهمية العمل وضرورته للفرد والمجتمع، فقد اهتم بحقوق العاملين وواجباتهم، فمن ناحية الحقوق كان هناك حرص على أن يُعطى العامل أجرًا مناسبًا ومجزيًا، وأن يصرف هذا الأجر فور استحقاقه، ففي السنّة عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ، قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ» (رواه ابن ماجة، وصححه الألباني).

من أكل عرق العامل؛ فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه؛ عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «قَالَ اللَّهُ ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفي مِنْهُ، وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ» (البخاري).

كما تم وضع الأسس اللازمة؛ التي من شأنها المحافظة على صحة العامل، ومنحه الرعاية الصحية، بما في ذلك حفظ النفس والعقل، وكذلك إتاحة الفرصة له للراحة؛ لأن لكل إنسان طاقة محددة ينبغي عدم تجاوزها؛ {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا...} [البقرة:286].

كما اعتنى الإسلام بالأحداث والنساء في مجال العمل، فهو وإن كان قد أجاز تشغيل الحدث من أجل بعث روح التحفز والكسب، وتشجيعه على الاعتماد على النفس، إلا أنه قيد ذلك؛ بأن يكون العمل الذي يمارسه ملائمًا له، وأن يكون عملًا مشروعًا، وأن يكون العمل باختيار ولي أمره، أما بالنسبة للمرأة فقد جعل لها الإسلام ذمة مالية مستقلة، وأجاز لها العمل الذي يناسبها، بشرط الاحتشام والوقار، وعدم الخلوة.

عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِي قَالَ: "دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ، فَقَالَ: «يَا أَبَا أُمَامَةَ مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلاَةِ»، قَالَ: "هُمُومٌ لَزِمَتْنِى، وَدُيُونٌ يَا رَسُولَ اللَّه"، قَالَ: «أَفَلاَ أُعَلِّمُكَ كَلاَمًا إِذَا أَنْتَ قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمَّكَ وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ»، قَالَ: "قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ"، قَالَ: «قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَقَهْرِ الرِّجَالِ»، قَالَ: "فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمِّي، وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي" (رواه أبو داود، وقال المنذري في الترغيب والترهيب: ل"ا ينزل عن درجة الحسن، وقد يكون على شرط الصحيحين أو أحدهما).

من هذا الحديث من سؤال النبي صلي الله عليه وسلم؛ وتعجبه من جلوسه في المسجد في غير وقت الصلاة؛ يستفاد أنه من المعروف، والطبيعي أنه في غير وقت الصلاة يكون في متجره، أو مصنعه، أو مزرعته، أو في عمله، وهذا ما يرضاه الله ورسوله، والأصل هو السعي على المعاش، لا الجلوس في المسجد، ومن دعاء النبي صلي الله عليه وسلم؛ الذي علمه إياه، نعلم أن الإسلام ونبي الإسلام يحارب البطالة والعجز والكسل، ويدعو إلي العمل، والسعي؛ {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة:105].

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَسْأَلُهُ فَقَالَ: «أَمَا في بَيْتِكَ شَيءٌ»، قَالَ: "بَلَى؛ حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ، وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ، وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ"، قَالَ: «ائْتِنِى بِهِمَا»، فَأَتَاهُ بِهِمَا؛ فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ، وَقَالَ: «مَنْ يَشْتَرِى هَذَيْنِ»، قَالَ رَجُلٌ: "أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ"، قَالَ: «مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ»، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، قَالَ رَجُلٌ: "أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ"، فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ، وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ، وَأَعْطَاهُمَا الأَنْصَارِيّ، وَقَالَ: «اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا، فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ، وَاشْتَرِ بِالآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي بِهِ»، فَأَتَاهُ بِهِ فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عُودًا بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ، وَبِعْ وَلاَ أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا»، فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ، فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا، وَبِبَعْضِهَا طَعَامًاً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لاَ تَصْلُحُ إِلاَّ لِثَلاَثَةٍ؛ لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ، أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ» (أبو داود، وأحمد، وابن ماجة).

قدم النبي صلى الله عليه وسلم نموذجًا عمليًا، ولم يعطه مالًا ينفد بعد يوم أو يومين، وقد تعلم التواكل، ولكن علمه كيف يسعى ويتوكل على الله، وكما يقول المثل: "بدل أن تعطيني سمكة علمني كي أصطاد".

ومن هنا وجب على ولي الأمر؛ والدولة والحكومة؛ توفير فرص عمل للأفراد، وتقديم يد العون لهم في أعمالهم، وعلى حد قول مسؤول صيني، قيل له: "كيف تطعم مليار فم؟"، فقال: "قولوا كيف توظف ملياري يد!".

فكفاية كل مواطن من الشعب الطعام والشراب، والكسوة والدواء، وحتى الخادم، ووسيلة مواصلات تحفظ كرامة المواطن، وغيره من ضروريات الحياة؛ واجب على جماعة المسلمين، والدولة المسلمة من الزكاة، أو بيت المال (خزانة الدولة)، من ثروات البلاد؛ من البترول والذهب وغيره، وليس منة منه، بل هو خادم علي أموالنا، وحارس على مقدرات الدولة، المسلمون وغير المسلمين سواء في هذا.

روى الإمام أحمد في (مسنده) عن الْمُسْتَوْرِدَ بْنَ شَدَّادٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ وَلِيَ لَنَا عَمَلًا وَلَيْسَ لَهُ مَنْزِلٌ؛ فَلْيَتَّخِذْ مَنْزِلًا، أَوْ لَيْسَتْ لَهُ زَوْجَةٌ فَلْيَتَزَوَّجْ، أَوْ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ فَلْيَتَّخِذْ خَادِمًا، أَوْ لَيْسَتْ لَهُ دَابَّةٌ فَلْيَتَّخِذْ دَابَّةً، وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ غَالٌّ» (أشار أحمد شاكر في المقدمة إلى صحته).

هذه هي سياسة الدولة تجاه مواطنيها في الشريعة الإسلامية، وعن ابن عمر قال: "قدمت رفقة من التجار، فنزلوا المصلى، فقال عمر لعبد الرحمن: "هل لك أن تحرسهم الليلة من السرق؟" فباتا يحرسانهم ويصليان ما كتب الله لهما، فسمع عمر بكاء صبي، فتوجه نحوه، فقال لأمه: "اتقي الله، وأحسني إلى صبيك"، ثم عاد إلى مكانه، فسمع بكاءه، فعاد إلى أمه، فقال لها مثل ذلك، ثم عاد إلى مكانه، فلما كان من آخر الليل؛ سمع بكاءه، فأتى إلى أمه، وقال: "ويحك! إني لأراك أم سوء، ما لي لا أرى ابنك لا يقر منذ الليلة؟" قالت: "يا عهد الله! قد أبرمتني (أضجرتني) منذ الليلة، إني أريغه (أحبسه وأمرنه) على الفطام فيأبى، قال: "ولم؟" قالت: "لأن عمر لا يفرض إلا للفطيم"، قال: "فكم له؟" قالت: "كذا وكذا شهرًا"، قال: "لا تعجليه"، فصلى الفجر، وما يستبين الناس، ثم غلبه البكاء، فلما سلم؛ قال: "يا بؤسًا لعمر، كم قتل من أولاد المسلمين"، ثم أمر مناديًا ينادي: "أن لا تعجلوا صبيانكم على الفطام، فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام"، وكتب بذلك إلى الآفاق؛ أن يفرض لكل مولود في الإسلام .(الرياض النضرة في مناقب العشرة: المحب الطبري، والطبقات الكبرى لابن سعد).

وأكثر من ذلك أن الإسلام ضمن لغير المسلمين في ظل دولته؛ كفالة المعيشة الملائمة لهم ولمن يعولونه، لأنهم رعية للدولة المسلمة، وهي مسؤولة عن كل رعاياها، وَقَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (متفق عليه؛ من حديث ابن عمر)، وهذا ما مضت به سُنَّة الراشدين، ومَن بعدهم؛ ففي عقد الذمة الذي كتبه خالد بن الوليد، لأهل الحيرة بالعراق، وكانوا من النصارى: "وجعلت لهم، أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنيًّا فافتقر، وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طرحت جزيته، وعِيل من بيت مال المسلمين، هو وعياله" (رواه أبو يوسف؛ في الخراج).

وكان هذا في عهد أبي بكر الصِّدِّيق، وبحضرة عدد كبير من الصحابة، وقد كتب خالد به إلى الصِّدِّيق، ولم ينكر عليه أحد، ومثل هذا يُعَد إجماعًا.

ورأى عمر بن الخطاب شيخًا يهوديًا يسأل الناس، فسأله عن ذلك، فعرف أن الشيخوخة والحاجة ألجأتاه إلى ذلك، فأخذه وذهب به إلى خازن بيت مال المسلمين، وأمره أن يفرض له ولأمثاله من بيت المال ما يكفيهم ويصلح شأنهم، وقال في ذلك: "ما أنصفناه إذ أخذنا منه الجزية شابًا، ثم نخذله عند الهرم!".

أما عن واجبات العامل؛ فقد أكد الإسلام على ضرورة قيام العامل بأداء عمله بالدقة والإخلاص، فالعمل واجب يقدمه مقابل حقوق يأخذها، وحذر من خيانة الأمانة؛ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال:27].

ولذلك فإن العامل يكون مسؤولًا عن الأخطاء الناشئة بسبب تقصيره أو خيانته، وإعمال مبدأ تقديم الكفاءات وإثابتها.

- مهنتك تجعلك في أعلى عليين:

- التجارة:
عَنْ أَبِى سَعِيدٍ عَنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ؛ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ» (رواه الترمذي؛ وقال حديث حسن، والدارمي، والدارقطني، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب).

عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ الزُّبَيْدِي؛ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا كَسَبَ الرَّجُلُ كَسْبًا أَطْيَبَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَمَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَخَادِمِهِ فَهُوَ صَدَقَةٌ» (رواه ابن ماجة، وصححه الألباني).

- الصناعة :

أشار القرآن إلى صناعة اللباس في قوله: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} [النحل:80].
وإلي صناعة السفن في قوله: {فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} [المؤمنون:27].
كما أشار إلى الزراعة فقال تعالي: {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} [الواقعة:63-64].
سورة الحديد: التي تُنبِّهنا إلى الصناعاتِ الحربية والمدنية؛ {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [الحديد:25].

عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ الْجَنَّةَ؛ صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ، وَالرَّامِيَ بِهِ، وَمُنْبِلَهُ، وَارْمُوا وَارْكَبُوا، وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا، لَيْسَ مِنْ اللَّهْوِ إِلَّا ثَلَاثٌ؛ تَأْدِيبُ الرَّجُلِ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتُهُ أَهْلَهُ، وَرَمْيُهُ بِقَوْسِهِ وَنَبْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ بَعْدَ مَا عَلِمَهُ رَغْبَةً عَنْهُ؛ فَإِنَّهَا نِعْمَةٌ تَرَكَهَا، أَوْ قَالَ كَفَرَهَا» (رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وأحمد، والحاكم في مستدركه، وقال صحيح الإسناد، وغيرهم، وحسنه ابن حجر في المقدمة، وضعفه بعض أهل العلم).

- الزراعة:

عَنْ أَنَسٍ رضى الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ، أَوْ إِنْسَانٌ، أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلاَّ كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ» (متفق عليه).

عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا إِلاَّ كَانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا سُرِقَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ مِنْهُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا أَكَلَتِ الطَّيْرُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةً، وَلاَ يَرْزَؤُهُ أَحَدٌ إِلاَّ كَانَ لَهُ صَدَقَةٌ» (مسلم).

روى (البخاري ومسلم)؛ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ»، قِيلَ: "أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَجِدْ"، قَالَ: «يَعْتَمِلُ بِيَدَيْهِ، فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ، وَيَتَصَدَّقُ»، قَالَ: "قِيلَ أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ"، قَالَ: «يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ»، قَالَ: "قِيلَ لَهُ أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ"، قَالَ: «يَأْمُرُ بَالْمَعْرُوفِ أَوِ الْخَيرِ»، قَالَ: "أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ"، قَالَ: «يُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ».

عَنْ صَخْرٍ الْغَامِدِي، عَنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا»، وَكَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا بَعَثَهُمْ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، وَكَانَ صَخْرٌ رَجُلًا تَاجِرًا، وَكَانَ يَبْعَثُ تِجَارَتَهُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، فَأَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ؛ وَهُوَ صَخْرُ بْنُ وَدَاعَةَ، قال الألباني: (حديث صحيح، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان، وقوّاه ابن عبد البر، والمنذري، والحافظ ابن حجر، والسخاوي).

- فتوى الأزهر الشريف:

وأنقل إليكم من فتاوى الأزهر؛ هذه الفتوى، ليكون الموضوع متكاملًا:
المفتي: عطية صقر؛ في شهر مايو لعام سبعة وتسعين وتسعمائة وألف من الميلاد؛ السؤال:
"هل صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يتعبد في المسجد؛ ولما سأله عمن يعوله، قال: "أخوه"، فقال: «هو أعبد منك»؟"

- الجواب:

"جاء في (إحياء علوم الدين)؛ للإمام الغزالي؛ في فضل الكسب، والحث عليه، ما نصه: وروى أن عيسى عليه السلام رأى رجلً؛ فقال: "ما تصنع؟" قال: "أتعبد"، قال: "من يعولك؟" قال: "أخي"، قال: "أخوك أعبد منك".

قال الغزالي هذا الكلام؛ ولم يجعله حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومثل ذلك ما روي؛ أن قومًا من الأشعريين، كانوا في سفر، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: "ما رأينا بعدك أفضل من فلان كان يصوم النهار، فإذا نزلنا قام الليل حتى نرتحل"، فقال: «ومن كان يكفله، ويخدمه؟»، قالوا: "كلنا"، فقال: "كلكم أفضل منه"، وهو موجود في كتاب (العقد الفريد) لابن عبد ربه، وليس فيه سند له.

وتحدث الغزالي في باب التوكل، وفصل أحوال المتوكلين، ثم ذكر أن الرجل المتوكل على الله إذا تعلق قلبه بالدنيا، والكسب، كان العمل له أفضل من الانقطاع عنه إلى التعبد والانزواء والكسل، أما إذا قوي إيمانه باللّه، وتوكل عليه، ولم يتعلق قلبه بالدنيا؛ فالانقطاع إلى العبادة أفضل، على ألا يكون لأحد منَّة عليه في شيء من رزقه.

ومع ذلك؛ فالغزالي يتحدث عن عصره، وله ظروفه، أما الآن؛ فالواجب هو التنسيق بين عمل الدنيا وعمل الآخرة، فهما أمران لا بد منهما، وذلك 

على نسق ما قال الله تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص:77]، وقوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة:10]، وما رواه (البخاري) عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِى جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ آخَى النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ سَلْمَانَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً، فَقَالَ لَهَا: "مَا شَأْنُكِ؟" قَالَتْ: "أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ في الدُّنْيَا"، فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَقَالَ: "كُلْ"، قَالَ: "فَإِنِّي صَائِمٌ"، قَالَ: "مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ"، قَالَ: "فَأَكَلَ"، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ، قَالَ: "نَمْ"؛ فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقَالَ: "نَمْ"، فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ؛ قَالَ سَلْمَانُ: "قُمِ الآنَ"، فَصَلَّيَا، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: "إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ"، فَأَتَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم؛ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «صَدَقَ سَلْمَانُ».

وذلك ما يوحى إليه قوله تعالى في قيام الليل، والاقتصاد فيه: {..عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ..} [المزمل:20]، وتوضيح ذلك في كتابي (الإسلام دين العمل) ا.هـ.

فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ رَأَى ثَلَاثَةَ نَفَرٍ فِي الْمَسْجِدِ مُنْقَطِعِينَ لِلْعِبَادَةِ؛ فَسَأَلَ أَحَدَهُمْ: "مِنْ أَيْنَ تَأْكُلُ؟" فَقَالَ: "أَنَا عَبْدُ اللَّهِ، وَهُوَ يَأْتِينِي بِرِزْقِي كَيْفَ شَاءَ"، فَتَرَكَهُ وَمَضَى إلَى الثَّانِي؛ فَسَأَلَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَهُ: "أَنَّ لَهُ أَخًا يَحْتَطِبُ فِي الْجَبَلِ، فَيَبِيعُ مَا يَحْتَطِبُهُ؛ فَيَأْكُلُ مِنْهُ، وَيَأْتِيه بِكِفَايَتِهِ، فَقَالَ لَهُ: "أَخُوك أَعْبَدُ مِنْك"، ثُمَّ أَتَى الثَّالِثَ؛ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ لَهُ: "إنَّ النَّاسَ يَرَوْنِي فَيَأْتُونِي بِكِفَايَتِي"، فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ، وَقَالَ لَهُ: "اُخْرُجْ إلَى السُّوقِ"، أَوْ كَمَا قَالَ.

فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ التَّكَسُّبَ أَفْضَلُ مِنْ الِانْقِطَاعِ لِلْعِبَادَةِ، إذَا كَانَ عَالَةً عَلَى إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ إدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى قَلْبِ وَاحِدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَكَيْفَ بِجَمَاعَةٍ مِنْهُمْ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ؛ فَأَقَلُّ مَا يَكُونُ رَفْعُ الْكُلْفَةِ عَنْهُمْ، وَالْمُتَسَبِّبُ قَدْ رَفَعَ كُلْفَتَهُ عَنْ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي ذَلِكَ إدْخَالُ الرَّاحَةِ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ الْمُتَسَبِّبُ فِي أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ يَكُونُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ قُوتِهِ، مِنْ أَيْنَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ لِتَحَرُّزِهِ فِي كَسْبِهِ مِمَّا تَأْبَاهُ الشَّرِيعَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ أَوْ تَكْرَهُهُ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَكُونَ أَوْقَاتُهُ مُسْتَغْرَقَةً فِي التَّعَبُّدِ فَانْقِطَاعُهُ أَوْلَى بِهِ وَأَفْضَلُ.

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "كَانَ أَخَوَانِ عَلَى عَهْدِ النبي صلى الله عليه وسلم؛ فَكَانَ أَحَدُهُمَا يَأْتِي النَّبِي صلى الله عليه وسلم؛ وَالآخَرُ يَحْتَرِفُ، فَشَكَا الْمُحْتَرِفُ أَخَاهُ إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: «لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ»، قَالَ أَبُو عِيسَى الترمذي هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

- مسألة مهمة:

فرق بين قول عيسى عليه السلام وقول النبي صلي الله عليه وسلم؛ أن العابد الذي كان يتعبد ويأكل من كد أخيه كان متفرغًا للعبادة، والذي في حديث أنس كان متفرغًا لطلب العلم، ولطلب حديث النبي صلي الله عليه وسلم، والعمل لعفة النفس، وإغنائها عن الناس في درجة أعلى من درجة عبادة التطوع؛كـ (الصلاة، والانقطاع للذكر)، لا عبادة الفرض؛ كـ(الصلاة).

وطلب العلم في درجة لا يعدلها درجة، فطلب العلم أفضل وأرضى للنبي صلي الله عليه وسلم من السعي على المعاش، وخاصة إن كان هناك من يكفيه.

{وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الصافات:181].

 

بقلم/ عبدالوهاب عمارة.

إمام، وخطيب، ومدرس بوزارة الأوقاف.

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام