ثقافة التلبيس - قولهم: لا بد من فتح المجال لجميع المذاهب في السعودية!!

منذ 2015-01-20

هذه شبهة بدأت تتردد في السعودية بعد ما يُسمى أحداث 11 سبتمبر، والفتنة التي حدثت جراءها. يقوم بترديدها بعض المناوئين لمنهج هذه الدولة الإسلامي السلفي: من العلمانيين وبقايا المتصوفة والرافضة، الذين استغلوا هذه الأحداث مؤازرة مع الغربيين للضغط على الدولة للتخلي عما هي عليه من تمسك بالإسلام والسلفية.

ولكي يقبل الناسُ مطالبهم؛ فإنهم يزعمون أنه لا يليق بالدولة أن تتبنى مذهبًا واحدًا -هو المذهب الحنبلي كما يقولون!- وتحجرَ على المذاهب الإسلامية الأخرى!

فتسألهم: ما هي هذه المذاهب التي يُحجر عليها في هذه البلاد؟

فيقولون -في خلط متعمد-: المذهب الحنفي والمالكي والشافعي والشيعي والصوفي!!

فيمزجون المذاهب (الفقهية) لأهل السنة بمذاهب أهل البدع (العقدية) بدعوى أن الظلم طالها جميعًا.

فيصدقهم بعض الطيبين ويردد ما يقولون تضامنًا مع المظلومين!

 

ولكشف هذا التلبيس لا بد من معرفة هذه الأمور:

1 - أن هذه الدولة المباركة قامت في عقيدتها على تبني الإسلام الصحيح الوارد في الكتاب والسنة، والذي كان عليه سلف هذه الأمة؛ ومن تبعهم بإحسان إلى يومنا هذ، وهو الذي قام شيخ الإسلام المجدد محمد بن عبد الوهّاب وتلاميذه رحمهم الله بتجديده والدعوة إليه، وحمايته بالسلطان.

ولا فرق في هذا بين حنبلي أو حنفي أو مالكي أو شافعي؛ لأن الجميع من (أهل السنة)، عقيدتهم واحدة.

وهذا ما أكده الشيخ محمد في رسائله وأقواله؛ كقوله مثلا في رسالته إلى من يصل إليه من المسلمين:

"أخبركم أني ولله الحمد عقيدتي وديني الذي أدين الله به مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم الدين" (الرسائل الشخصية، ص 150).

أو قوله: "وأما ما ذكرتم من حقيقة الاجتهاد؛ فنحن مقلدون الكتابَ والسنة، وصالحَ سلف الأمة، وما عليه الاعتماد من أقوال الأئمة الأربعة: أبى حنيفة النعمان بن ثابت، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس، وأحمد بن حنبل رحمهم الله تعالى" (الدرر السنية، 97/1).

أو قوله في رسالته إلى عبد الرحمن بن عبد الله: "قلت لهم أنا أخاصم الحنفي بكلام المتأخرين من الحنفية والمالكي والشافعي والحنبلي كل أخاصمه بكتب المتأخرين من علمائهم الذين يعتمدون عليهم، فلما أبو ذلك نقلت لهم كلام العلماء من كل مذهب وذكرت ما قالو بعد ما حدثت الدعوة عند القبور والنذر لها فصرفوا ذلك وتحققوه ولم يزدهم إلا نفورا" (الرسائل الشخصية، ص 38).

هذا في (العقيدة): لا فرق بين الجميع (الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة) عند الشيخ؛ كلهم أهل سنة، أصولهم واحدة، ودعوتهم واحدة، وهذه البلاد السلفية لهم جميعًا.

 

2 - أما في (الفقه)؛ فكان أهل نجد ومنهم الشيخ كغيرهم من أهل البلاد الإسلامية الأخرى تفقهوا على مذهب من المذاهب الأربعة المنتشرة؛ لتنضبط دراستهم. ومع هذا فإن الشيخ وتلاميذه لا يتعصبون لغير الدليل الشرعي؛ ولو خالف مذهب أحمد. كذلك فإنهم لا يُنكرون على من تفقه على المذاهب الثلاثة الأخرى؛ ما دام سلفيَ العقيدة.

وهذا ما صرح به الشيخ: كما في قوله: "وأما مذهبنا فمذهب الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة، ولا ننكر على أهل المذاهب الأربعة إذا لم يخالف نص الكتاب والسنة وإجماع الأمة وقول جمهورها" (الرسائل الشخصية، ص 107).

قال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله: "إن الشيخ رحمه الله ما جاء بمذهب مستقل، وإنما هو في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وإذا ترجح عنده القول بالدليل أخذ به ولو لم يكن في مذهب الإمام أحمد، يعني أنه لا يتعصب إلى الشخص، وإنما يذهب إلى الحق، فهو حنبلي، ولكن إذا كان الدليل مع غير أحمد وفي غير مذهب أحمد فإنه يأخذ به،لأن الإمام أحمد رحمه الله يأمر بهذا، يأمر أن نتبع الدليل، ولا نأخذ قوله ولا قول غيره، قال رحمه الله: "عجبتُ لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان -هو سفيان الثوري رحمه الله- والله تعالى يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور:63]: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله -أي بعض قول الرسول صلى الله عليه وسلم- يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك" ا.هـ؛ هذا قول الإمام أحمد، فالشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب هو على مذهب الإمام أحمد، إمام أهل السنة، ولكنه لا يتعصب لمذهب أحمد، بل متى وجد الدليل مع غيره أخذ بالقول الذي عليه الدليل، وهذا موجود في فتاواه وفي رسائله، موجود معروف مدون.هذا في الفقه، أما في العقيدة فهو على عقيدة السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأتباعهم والأئمة الأربعة" (رد شبهات حول دعوة المجدد الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهّاب، ص 35-37).

 

أخيرًا: يقول الدكتور ناصر القفاري رادًا على التلبيس السابق: "لقد توهم بعض الناس أن تعدد المذاهب الفقهية هو تعدد في الاتجاهات العقدية، ويبدو أن هذا الوهم قديم، ففي عصر ابن تيمية رُفع إليه سؤال يطلب منه صاحبه بيان الاعتقاد في مسألة وفق مذهب الشافعي، فأجابه الشيخ: بأن مذهب الشافعي هو مذهب سائر الأئمة، ومذهب الأئمة هو ما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان وهو ما نطق به الكتاب والسنة. وفي مجلس المناظرة المعقودة بشأن الواسطية قال الحاكم الذي يحضر المناظرة: "أنت صنفت اعتقاد الإمام أحمد، فتقول هذا اعتقاد أحمد.." فأجابه شيخ الإسلام: بأن هذه عقيدة الأئمة وسلف الأمة التي تلقوها عن نبيهم صلى الله عليه وسلم، فهذه "عقيدة محمد، صلى الله عليه وسلم". (الفتاوى: 3/ 169).

ولم يقتصر الأمر على مجرد توهم الاختلاف عند بعض العامة، بل تبعه في عصرنا ترويج لهذا المفهوم وإشاعة له، وبلغ الأمر أن أقيمت مراكز، وصنفت كتب، وصدرت مقالات في دوريات تتبنى هذه المفاهيم الخاطئة؛ فمثلاً: قامت (دار التقريب) في مصر وكان شعارها ومنهجها التقريب بين المذاهب الستة! أي التقريب بين المذهب الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي والزيدي والإثني عشري، أي إنها جعلت المذاهب الأربعة كالفرق المبتدعة المخالفة للسنة في الاعتقاد سواء بسواء!!

وهذا تلبيس عظيم، حيث يُفتعل خلاف لا وجود له، وفرقة بين المذاهب الفقهية لا مكان لها، ويُدعى تقارب بين فرق بدعية الخلافُ معها قائم في أصول الاعتقاد؛ فيوهم الناس أن الخلاف بين الحنابلة والشافعية كالخلاف مع الرافضة، أي أن الخلاف في مسائل الاجتهاد كالاختلاف في أصول الاعتقاد، أو أنه لا اختلاف مع الرافضة في الاعتقاد، إنما هي خلافات يسيرة في أمور الفروع، أي أن ما عند الروافض من عقائد باطلة هي حق، وهذا حكمٌ على الباطل بأنه حق، وصد لأبواب الهداية أمام المغرر بهم من الرافضة حيث يعتقدون أن ما عند السنة لا يختلف عما عندهم؛ فيبحثون عن ضالتهم في غير السنة، أو يشكون في الإسلام ذاته إذا رأوا أن ما هم عليه فاسد في العقل، ومخالفٌ للفطَر، وقيل لهم إن هذا بعينه هو ما عند أهل السنة" (أصول الدين عند الأئمة الأربعة واحدة، ص 51-52).

 

قلت ُ: فليحذر أهلُ الإسلام من تلبيس أهل الباطل الذين يريدونَ صرفَهم عن الحق إلى باطلهم، أو ثنيَهم عن التمسك به، وليخبروهم أن لا مكان في هذه البلاد لغير أهل السنة؛ وأما غيرهم من المنافقين وأهل البدع فإنهم يعيشون فيها مكبوتين غير ظاهرين؛ إلى أن يلحقوا بركب المؤمنين.

المقال السابق
مصطلح (الآخر)!!
المقال التالي
خلطهم بين الحب الشرعي للوطن والحب الوثني!