محتسبة في صالة أفراح

منذ 2015-02-22

إن الزواج سنة من سنن الأنبياء والمرسلين، كما قال - تعالى -: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً} [الرعد: 38]، وهو نعمة من نعم الله الوفيرة التي امتن بها على عباده، وآية من آياته العظيمة، قال - تعالى -: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} [الروم: 21].

إن الزواج سنة من سنن الأنبياء والمرسلين، كما قال - تعالى -: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً} [الرعد: 38]، وهو نعمة من نعم الله الوفيرة التي امتن بها على عباده، وآية من آياته العظيمة، قال - تعالى -: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} [الروم: 21].

قال ابن كثير - رحمه الله -: "أي خلق لكم من جنسكم إناثا يكن لكم أزواجا لتسكنوا إليها، كما قال - تعالى -: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها) [الأعراف: 189)] يعني بذلك حواء، خلقها الله من آدم من ضلعه الأقصر الأيسر، ولو أنه - تعالى - جعل بني آدم كلهم ذكورا وجعل إناثهم من جنس آخر إما من جان أو حيوان، لما حصل هذا الائتلاف بينهم وبين الأزواج، بل كانت تحصل نفرة لو كانت الأزواج من غير الجنس، ثم من تمام رحمته ببني آدم أن جعل أزواجهم من جنسهم، وجعل بينهم وبينهن مودة وهي المحبة، ورحمة وهي الرأفة، فإن الرجل إنّما يمسك إما لمحبته لها أو لرحمته بها بأن يكون لها منه ولد، أو محتاجة إليه في الإنفاق أو للألفة بينهما، وغير ذلك: (إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)"[2].

ومن حق مولي هذه النعمة أن يطاع ولا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر، وذلك بتوظيف هذه النعمة فيما يحبه الله ويرضاه، وأن تقام على وفق ما شرعه الله، وما بينه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأن لا ترتكب فيها ما نهى الله عنه، فذلك من شكر هذه النعمة، قال - تعالى -: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ)[إبراهيم(7)].

وحقيقة الشكر: "الاعتراف بالنعمة للمنعم، وألا يصرفها في غير طاعته"[3].

وبالشكر تدوم النعم وتزيد، وبالمعصية تفنى وتبيد، قال بعض الشعراء:

إذا كنت في نعمة فارعها *** فإن المعاصي تزيل النعم

قال ابن القيم رحمه -لله-: "فما حفظت نعمة الله بشيء قط مثل طاعته، ولا حصلت فيها الزيادة بمثل شكره، ولا زالت عن العبد بمثل معصيته لربه"[4].

ولكن -للأسف الشديد- لقد صرف النساء -وكذلك الرجال- هذه النعمة أعني نعمة الزواج - إلى مناسبة لارتكاب المنهيات الشرعية في صالات الأعراس، ومن هذه المنكرات: تصوير بعض النساء بكاميرات الفيديو، أو كاميرات الجوال، ولبس الملابس التي تبدي العورات، ومحاكاة الملابس الغربية، وتضييع صلاة المغرب والعشاء، أو تأخير وقتها، بسبب المكياج، والمغنيات بالموسيقى، والأشرطة التي فيها غناء وموسيقى، وكذلك استخدام الفيديو كليبات لبعض اللقطات للمغنين والمغنيات، وارتفاع أصوات النساء اللاتي يغنين عن طريق مكبرات الصوت، وما أشبه ذلك، وهذه المنكرات توجب على كل امرأة رأت أو سمعت تلك المخالفات أن تتصدى للاحتساب عليها، وأن تسعى في تغيرها؛ كما فعلت تلك الفتاة المباركة التي سجلت لنا تجربة احتسابية نافعة، فقد: "أجبرت من جهة الأهل على أن تذهب لحضور زواج أحد أقاربها، فرفضت؛ لأنها تعلم ما الذي ستجده في ذلك الزواج من منكرات، ولكن أهلها أصروا عليها، حاولت إقناع والدتها، ولكن محاولتها باءت بالفشل!.

فذهبت وهي مكرهة، تدعو الله أن يعينها على إنكار المنكر، والأمر بالمعروف، ومع دخولها صالة الأفراح إذ بضجيج الموسيقى الصاخبة ينتشر في كل مكان، رأت أنواع وأشكال اللباس الذي أظهر المفاتن والعورات!.

بكى فؤادُها على تلك المناظر المخزية لبنات المسلمين، رددت: لقد استطاع الأعداء أن يلعبوا لعبتهم، حاولت الإنكار، بذلت جهد، ولكن لا حياة لمن تنادي!.

أرادت الخروج من هذا الجو المشبع بالمنكرات، وبما يغضب الله، ولكن أين تذهب؟ أخذت تبحث في الصالة عن مكان تمكث فيه، حتى تعود إلى المنزل، ويكون بعيداً عن هذا الضجيج الذي آذاها، فلم تجد سوى غرفة بعيدة في أقصى الصالة، وقد خصصت للخادمات، وقالت: جلوسي هنا أسلم لنفسي وديني، علت الدهشة وجوه الخادمات، تجرأت إحداهن فسألتها: لماذا لا تشاركين الناس فرحتهم؟

فوجدت في محادثتها لهنّ بغيتها في الدعوة إلى الله، وبالفعل أخذت توجه، وتنصح، وتبين سماحة الإسلام، وكان هناك من بين الخادمات نصرانيات، فكان ثمرة تلك الدعوة، وتلك الليلة إسلام إحداهنّ!. فالله أكبر، ويا لها من همة عالية! "[5].

من فوائد هذه القصة:

في هذه القصة العظيمة، والتجربة الفريدة فوائد عديدة، منها:

أولا: لجوء المحتسبة إلى الله، وتضرعها إليه، بأن يعينها على إنكار المنكرات وتغيرها، فمنه تبارك وحده يستمد العون.

ثانيا: إنكار المحتسبة على المنكرات، وبذل طاقتها ووسعها في تغيرها، فإن استجيب لها فبها ونعمت، وإن لم يستجب فقد أعذرت إلى ربها، وأسقطت حجة الله عنها؛ لقوله - تعالى -عن الأمة المحتسبة أنهم: (قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)[الأعراف (164)].

قال ابن سعدي - رحمه الله - عند تفسيره لهذه الآية: "وهذا المقصود الأعظم من إنكار المنكر ليكون معذرة، وإقامة حجة على المأمور المنهي، ولعل الله أن يهديه، فيعمل بمقتضى ذلك الأمر والنهي"[6].

ثالثا: أن المحتسبة إذا كانت في مكان فيه منكر، فعليها أن تحتسب عليه إذا كانت مستطيعة، فإذا لم تستطع أن تغيره، فيجب عليها أن تغادر المكان؛ لقوله - تعالى -: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [الأنعام(68)].

قال ابن سعدي - رحمه الله -: "أمر الله رسوله أصلا، وأمته تبعا، إذا رأوا من يخوض بآيات الله بشيء مما ذكر، بالإعراض عنهم، وعدم حضور مجالس الخائضين بالباطل، والاستمرار على ذلك، حتى يكون البحث والخوض في كلام غيره، فإذا كان في كلام غيره، زال النهي المذكور.

فإن كان مصلحة كان مأمورا به، وإن كان غير ذلك، كان غير مفيد ولا مأمور به، وفي ذم الخوض بالباطل، حث على البحث، والنظر، والمناظرة بالحق. ثم قال: (وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ) أي: بأن جلست معهم، على وجه النسيان والغفلة (فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) يشمل الخائضين بالباطل، وكل متكلم بمحرم، أو فاعل لمحرم، فإنه يحرم الجلوس والحضور عند حضور المنكر، الذي لا يقدر على إزالته.

هذا النهي والتحريم، لمن جلس معهم، ولم يستعمل تقوى الله، بأن كان يشاركهم في القول والعمل المحرم، أو يسكت عنهم، وعن الإنكار، فإن استعمل تقوى الله - تعالى -، بأن كان يأمرهم بالخير، وينهاهم عن الشر والكلام الذي يصدر منهم، فيترتب على ذلك زوال الشر أو تخفيفه، فهذا ليس عليه حرج ولا إثم، ولهذا قال: (وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) [الأنعام(69)] أي ولكن ليذكرهم، ويعظهم، لعلهم يتقون الله تعالى"[7].

رابعا: أن الإنسان إذا دعي إلى وليمة يعلم أن فيها ترتكب بعض المخالفات الشرعية، ويعلم أنه لن يستطيع تغيرها، فلا يجوز له الحضور، ولا يجب عليه إجابة الدعوة، قال ابن تيمية - رحمه الله -: "ولا يجوز لأحد أن يحضر مجالس المنكر باختياره لغير ضرورة، كما في الحديث أنه قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يجلس على مائدة يشرب عليها الخمر)[8].

ورفع لعمر بن عبد العزيز قوم يشربون الخمر، فأمر بجلدهم، فقيل له: إن فيهم صائما، فقال: ابدءوا به، أما سمعتم الله يقول: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ) [النساء(140)] بين عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - أن الله جعل حاضر المنكر كفاعله"[9].

وأما إن كان يعلم أنه سينكر المنكر فيجب عليه الحضور، لما في ذلك من المصالح العظيمة من إجابة دعوة أخيه المسلم، وتطيب خاطره، وإنكاره للمنكرات، قال ابن قدامه - رحمه الله -: "إذا دعي الإنسان إلى وليمة فيها معصية كالزمر، والعود، ونحوه وأمكنه الإنكار وإزالة المنكر لزمه الحضور والإنكار؛ لأنه يؤدي فرضين إجابة أخيه المسلم، وإزالة المنكر"[10].

خامسا: أن لتغير المنكرات أساليب كثيرة - اليد واللسان والقلب - فيجب على المحتسبة أن تسلك الأسلوب المناسب، فإذا كانت تستطيع تغير المنكر بيدها فعلت، وإن لم تستطع ذلك فبلسانها؛ فإن لم تستطع فبقلبها، فهذه الفتاة المحتسبة اتخذت أسلوب الاحتساب باللسان، فلما لم يجدي نفعا لجأت إلى الأسلوب الأدنى، وهو كرهها للمنكر، وبغضها له، وعدم رضاها عنه، ومما يدل على بغضها له أنها فارقت المكان، وبحثت لها عن مكان آخر إعلاما منها بأنها تبغض ذلك.

سادسا: أن ميادين الدعوة متعددة؛ وأبوابها متشعبة، فإذا أوصد في وجه الداعية باب فليحاول فتح باب آخر، كما فعلت هذه الفتاة، فلما أوصد في وجهها باب تغير المنكر في صالة الأعراس، ولم تستطع تغيره؛ هيأ الله لها بابا آخر نفع الله بها الإسلام من خلاله، فقامت بدعوة الخادمات النصرانيات في الصالة، واحتسبت عليهن، وبينت لهن سماحة الإسلام؛ فأثمر ذلك إسلام أحدهن على يديها، وذلك من توفيق الله لها.

سابعا: ما يقع في أعراس المسلمين وولائمهم من المخالفات الشرعية، والمنكرات القبيحة، ومنها: الأغاني الماجنة، وكشف العورات، وربما يكون هناك اختلاط بين الرجال والنساء، كما في يحدث في بعض المناسبات، فيجب الإنكار على تلك المنكرات، فإذا كانت وليمة عرس لرجل وجب على من حضر من الرجال أن يحتسب عليها، وأن ينكر على أصحابها إذا كان قادرا مستطيعا، وإذا كانت وليمة عرس خاصة بالنساء وجب على من حضرت من النساء أن تحتسب عليها إذا كانت قادرة مستطيعة.

ثامنا: أن دعوة غير المسلمين إلى الله، والحسبة عليهم من أجل الطاعات، وأعظم القربات؛ فقد جاء في حديث سهل بن سعد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (...فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم)[11].

ذلك أن الشرك أعظم ذنب عصي الله به على وجه الأرض، وكلما كان الذنب أشنع كلما كان الحسبة في حقه أجل وأعظم.

وفق الله فتياتنا ونساءنا إلى كل خير، وصرف عنهن كل سوء ومكروه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

__________________

[2] تفسير القرآن العظيم(6/278).

[3] الجامع لأحكام القرآن(9/343).

[4] بدائع الفوائد(2/206).

[5] من كتاب: "تجارب دعوية ناجحة" بتصرف. نقلا عن موقع: "ياله من دين":
(http://www.denana.com/family/articles.aspx?articleno=1342).

[6] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص(306).

[7] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص(260)

[8] رواه أحمد(14241)، وقال الألباني: "صحيح لغيره" كما في صحيح الترغيب والترهيب(172).

[9] مجموع الفتاوى(28/221- 222)

[10] المغني(7/279).

[11] رواه البخاري(4210) ومسلم(2406).

عبده قايد الذريبي