عشرون نصيحة لمن أراد النصيحة

منذ 2015-02-23

تخليص القول من الغش: قال الخطابي: قيل إنها مأخوذة من نصحت العسل إذا خلصته من الشمع.شبهوا تخليص القول من الغش بتخليص العسل من الخلط1.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد..

للنصيحة معنيان في اللغة:

أ‌- تخليص القول من الغش: قال الخطابي: قيل إنها مأخوذة من نصحت العسل إذا خلصته من الشمع.شبهوا تخليص القول من الغش بتخليص العسل من الخلط1.

ب‌- تحري صلاح المنصوح: قال النووي: النصيحة مأخوذة من نصح الرجل ثوبه إذ خاطه. فشبهوا فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح له بما يسده من خلل الثوب2.

فتضمن المعنى الأول الإخلاص، وتضمن الثاني الصدق، وقد جمعها الله - تعالى -في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} أي: توبة صادقة جازمة، قال عمر: التوبة النصوح: أن يتوب من الذنب ثم لا يعود فيه، أو لا يعود فيه3.

فمن هنا ظهرت أهمية الإخلاص للمنصوح في كل شأن.. وأهمية النصيحة فيما بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنها عماد الدين وقوامه4 في قوله: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ»5.

وفي الحديث دلالة على من هو المنصوح فقد يكون من كبراء القوم عالماً أو إماماً أو حاكماً أو أباً أو شيخاً أو ذا وجاهة أو من غبراء الناس..

وهي خلاصة دعوة الأنبياء كما قال الله في شأن صالح: (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ) [الأعراف: 79].

والنصيحة إعذار إلى الله قال - تعالى -: (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) [الأعراف: 164].

وهي ذات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال - تعالى -: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُـونَ بِاللهِ) [آل عمران: 110]، وقال - تعالى -(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) [التوبة: 71].

ولمكانتها من الدين ينبغي تحقيق شروطها وآدابها وهي كالتالي:

1. قبل النصيحة تفقد النفس وإصلاحها في ذات المنصوح به لئلا يكون

وَمَصْرُوفَةٌ عَيْنَاهُ عَنْ عَيْبِ نَفْسِهِ *** وَلَوْ بَانَ عَيْبٌ مِنْ أَخِيهِ لَأَبْصَرَا

وَلَوْ كَانَ ذَا الْإِنْسَانُ يُنْصِفُ نَفْسَهُ *** لَأَمْسَكَ عَنْ عَيْبِ الصَّدِيقِ وَقَصَّرَا

2. الإخلاص عند النصيحة..

3. مراعاة انتفاء العصمة عن من سوى الأنبياء حتى لا يقع النصح في كل شيء ويتتبع كل صغيرة وكبيرة.

والمرء يعجب من صغيرة غيره *** أي امرئ إلا وفيه مقالُ

لسنا نرى من ليس فيه غميزة *** أي الرجال القائل الفعّالُ

4. إحسان الظن والتماس العذر فعن محمد بن سيرين قال: إذا بلغك عن أخيك شيء فالتمس له عذرا فإن لم تجد له عذرا فقل: له عذر6.

5. التثبت والتأكد من الوقوع في الخطأ..

6. تقديم عربون محبة قبل بيع النصيحة كهدية أو كلام طيب أو ثناء أو ذكر محامد..

7. المصداقية لا الفرعونية كما قال فرعون.. (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ)[غافر: من الآية29]؛ فإنها تجر إلى الإبليسية (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ) [الأعراف: 21]..

8. العلم بحال المنصوح وفهم نفسيته ومستواه.. وهذا ما قد يدفع النصيحة أولاً، ويرد الإنكار على المنكِر.. وعلى هذا كان اعتبار الشريعة في التحليل والتحريم فعن عَائِشَةَ - رضي الله عنها -: " إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ [أي: من القرآن] سُورَةٌ مِنْ الْمُفَصَّلِ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الْإِسْلَامِ نَزَلَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ لَا تَشْرَبُوا الْخَمْرَ لَقَالُوا لَا نَدَعُ الْخَمْرَ أَبَدًا وَلَوْ نَزَلَ لَا تَزْنُوا لَقَالُوا لَا نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا"... الحديث7، ومراعاة الشريعة لنفسيات القوم في كثير من الأحكام كما أن في هذا من التدرج ما هو واضح.

9. العلم بالنصيحة والشأن الذي تتعلق به؛ فلا يتكلم إلا من له علم...

10. تحديد معيار المنكر الذي ينبغي تقديم النصح فيه؛ فليس كل خطأ ينكر، فقد يكون مما فيه سعة، أو مما يحسن الإسلام بترك التعرض له، كحركات الجوارح، وكالخلاف في الاجتهاديات...

11. الإشعار بالمحبة والحرص فهو هدي الأنبياء (وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ) [الأعراف: 68].

12. السرية في النصيحة، قال - تعالى -: (وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا) أي: وانصحهم فيما بينك وبينهم بكلام بليغ رادع لهم8. ومن ذلك اختيار المكان المناسب والزمان المناسب..

13. الرفق واللين وعدم الشدة والقسوة والتعصب، ومن ذلك تحري الألفاظ المناسبة والأسلوب المناسب.. فما أجمل قوله - تعالى -: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (طه: 44). مع من قال: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) [النازعات: 24]. وفي حال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خطابه للكفار: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ) [سبأ: 24-25].

14. اعتبار الأولوية في تغيير الأخطاء والبدء بالأهم فالأهم.. فأحياناً يستدعي حال المنصوح أن يُتدرج معه من الأعلى إلى الأدنى، وأحيانا من الأدنى إلى الأعلى.. والناصح حكيم..

15. ترك التعرض للنيات... قصدك كذا، أو يقصد بذلك كذا.. وما أشبه ذلك..

16. عدم التعيير والتثريب واللوم والتوبيخ..

17. الوعظ وتبيين الحكم الشرعي، ولا يغفل بسبب التركيز على الحلول والنقاش العقلي والأسباب المقنعة..

18. عدم العناد والجدال المفضي إلى ترك النصيحة أو حب الانتصار للنفس.

19. يقال: إن اللبيب لبالإشارة يفهمُ، فلا يشترط التصريح في كل أمر.. وذكر الخطأ ونسبته إلى المخطئ، فقد ينفع الكلام حول الخطأ جملة في وجود المخطئ بصورة عامة.. ويفي بالغرض، وكذا التوسع في اللوم والتوضيح للخطأ أكثر من الحاجة؛ فقد قيل لعَقِيل بن عُلَّفة: لم لا تُطيل الهجاء؟ قال: يَكفيِك مِنَ القِلادة مَا أحَاط بالعُنق9.

20. عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها – قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلَّا الْحُدُودَ))10.

وهذه إشارات خلت من شرحها وتوضيحها قصدت بذلك التذكير، وأسأل الله أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه.. آمين..
والحمد لله رب العالمين.


1- شرح النووي على مسلم: (2/37).

2- شرح النووي على مسلم: (2/37).

3- تفسير ابن كثير: (8/168).

4- شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد: (1/31).

5- مسلم: (82).

6- شعب الإيمان: (6/323).

7- رواه البخاري: (4609).

8- تفسير ابن كثير:(2/347).

9- الحيوان: (1/214).

10 - رواه أبو داود: (3803).

علي بن أحمد المطاع