بموته مات الرجال، وبفقده فُقد الرجال

منذ 2015-05-27

إن أرحام النساء قد عقمت أن تنجب كالكردي المسلم المجاهد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب...

الحمد لله رب العالمين والصلاة على خير الأنام وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

حينما أراد ابن الأثير أن يؤرخ للسلطان صلاح الدين، ويترجم له، لم يجد إلا عبارة واحدة فقال: "بموته مات الرجال، وبفقده فقد الرجال".

وبرأيي أن الرجل لم يكن مبالغًا كثيرًا، فإن أرحام النساء قد عقمت أن تنجب كالكردي المسلم المجاهد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، ذلك الرجل الذي أعاد صياغة التاريخ الإسلامي من جديد، وأعاد بيت المقدس إلى حوزة الإسلام بعد مئة عام من احتلال صليبي جعل قبة الصخرة مربطًا للخيل، وبيت المقدس حظيرة للخنازير، وجعل من المسلمين نهبًا لمن شاء من عُبَّاد الصليب.

لقد تربى صلاح الدين تربية جهادية، فتربى بين ظبات السيوف، ورءوس الأسنة، والرماح، وحوافر العاديات، ولم يكن يعلم أن الله تعالى قد أوكل إليه مهمة تحرير بيت المقدس من أيد الصليبيين، الذي لم يكن أحدهم أقل وحشية عن يهود اليوم، فالكفر ملة واحدة.

جاء السلطان صلاح الدين إلى مصر فمحا الله به معالم الباطنية، وأزال به دولة الوثنية، تلك الدولة المسماة زورًا بالفاطمية، بل هي وربي العبيدية، الذين ماهم إلا بذرة يهودية، رعتها أيدٍ مجوسية.

بدأ صلاح الدين مشواره بمشورة أستاذه نور الدين محمود زنكي في إعمار مصر، وفتح البلدان والإمارات العربية والإسلامية التي اعتصرتها نيران الفرقة والشتات، وتناهشتها ظلمة الجهل والخرافات كما ناوش الصليبيين وهزمهم في معارك عدة، ولم يغب عن عينيه يومًا من الأيام بيت المقدس الذي هو بغيته الأساسية، ومقدمه الأسمى.

توفي نور الدين محمود بعد أن تركه من ورائه يكمل مسيرة الجهاد، فلم يتوان، وحمل اللواء يوحد جبهة المسلمين، حتى كان عام (581هـ) فمرض صلاح الدين مرضًا شديدًا ظن الناس وقتها أنه لن يتعافى منه حتى اضطربت البلاد وهاجت وماجت. وحدث وقتها أن البرنس (أرناط) وكان صليبيًا خائنًا حاقداً قد اعترض قافلة ذاهبة من مصر إلى الشام، فنقض عهده مع المسلمين، وراح الخائن ينادي بصوت رفيع وهو يضرب رقاب العُزْلِ من المسلمين: أين محمدكم؟ ادعوه ينصركم.

فلما بلغ صلاح الدين هذا التعدي على شخص النبي صلى الله عليه وسلم نذر لله إن عُوفي من مرضه ليصرفن همته لقتال الصليبيين، وتحرير بيت المقدس، وصدق الله وعده، فزالت العلة، وانجلى غبارها، وشفى الله السلطان صلاح الدين الأيوبي فوجه همته كلها لتجهيز الجيوش وإعدادها للسير نحو بيت المقدس.

ومن عجيب ما ذكر عنه أنه حلف أن لا يغتسل من جنابة حتى يحرر بيت المقدس، فلله دره، يوم أن قدم نصرة دين الله العزيز الغفار على الشهوات والملاذ.

ظلَّ على ذلك حتى جاء اليوم الموعود من عام (583هـ)، حيث سار بجيشه المجاهد الذي قوامه اثني عشر ألفًا غير المتطوعة. وصدق صلى الله عليه وسلم حين قال: «وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ» (أخرجه أحمد [1/294])، (أبو داود [2611])، (والترمذي [1555])، (وابن ماجه [2827])، (وابن خزيمة [4/140])وغيرهم وسنده صحيح.

وفي هذا رسالة إلى من يجعجع حول عددنا وعددهم، فنحن لا نقاتلهم بعدد ولا عدة نحن نقاتلهم بالله الذي قال: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج:40]. وتأمل خاتمة الآية، فإن الله لَقوي لا يغالَب، عزيز لا يرام، قد قهر الخلائق وأخذ بنواصيهم، فمن نصر القوي نُصر. وأما قوله تعالى: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} [الأنفال:60]، فلم يكلفنا عز وجل غير ما نستطيع ونطيق، قال صاحبا تفسير الجلالين: "وأعدُّوا يا معشر المسلمين لمواجهة أعدائكم كل ما تقدرون عليه مِن عدد وعدة" ثم نستعين بالله العليم، القائل {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة:249].

 

وقد كان عدد جيش الصليبيين قوامه خمسون ألفًا، وهذا حال جميع المعارك التي نصر الله فيه المسلمين يكون عدد أعدائهم أضعافهم، ولك في بدر عبرة، وفي مؤتة نظرة، وفي نهوند دهشة، ولك....، ويوم أن اغتر المسلمون في حنين بكثرتهم فقالوا: "لن نهزم اليوم من قلة" فكانت الهزيمة في أول الأمر عليهم، حتى ذهب الاغترار بالنفس، وجاء الحق، وتوجهت القلوب إلى علام الغيوب فكان النصر والتمكين قال رب العالمين: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} [التوبة:25].

ثم سار السلطان بالمسلمين يحدوه الشوق، ويسوقه حب نصرة دين الله، ونصرة رسوله صلى الله عليه وسلم حتى انقض المسلمون على بحيرة طبرية، ومنعوا الماء من الكفرة، وطلعت شمس يوم السبت لخمس بقين من ربيع الآخر، حتى اشتدت الحر، وقوي العطش بأهل الصليب حتى تهشم حشيش الأرض من تحتهم، فأمر القائد صلاح الدين النَّفاطة (وهم من يرمون بالنفط) فرموا النفط على الكفار، فاشتعلت النيران تحت سنابك خيولهم، فاجتمع عليهم حر الشمس، وحر العطش، وحر النار، وحر السلاح، وحر رشق النبل، وتبارز الشجعان، وهجم المسلمون، ومعهم... من تظنون معهم؟! معهم السلطان صلاح الدين يقودهم، فهجموا على الكفار الصليبيين، فمنحهم الله أكتافهم فقتل من قتل، وأسر من أسر، وكان القتلى من الصليبيين ثلاثون ألفًا، وأسر الباقون.

ثم تقدم السلطان البطل فقتل البرنس أرناط ليوفي بنذره، وهو يقول: "أنا أنوب عن رسول الله صلى الله عليه وسلمىفي الانتصار لأمته".

وأنا أقول: "والله لقد خَذَلْنا رسولنا صلى الله عليه وسلم يوم أن تطاول عليه عُبَّاد الصليب، حتى مرت الأيام فلم يكن ذلك شيئًا يذكر، بل بلغ بنا الحال إلى مصافاتهم، ومودة من لرسول الله سب، ولدينه حارب وصد. إيه... يا صلاح! لقد كنت آية من آيات الله، يوم أن جعلت الدنيا تحت قدميك وأنت السلطان، وسرت بجحافل الشجعان، وأنت فيهم المقدام، واعتزلت الدنيا وملذاتها وهي إليك راغبة، ولك مقبلة، فصدق فيك قول الحق سبحانه: {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة:111].

 

ثم سار السلطان بعد ذلك إلى بيت المقدس ليفتحه بيديه الطاهرتين المجاهدتين، بعد اثنتين وسبعين سنة من احتلالٍ صليبيٍ ماكرٍ ظالم، ففتحه للمسلمين، وأقيمت فيه الصلاة، وغسلت قبة الصخرة بماء الورد فجاء الحق، ونودي بالأذان، وقرئ القرآن وأدبر أهل الصليب غير مأسوف عليهم، وعبد الله الواحد الديان.

ومضت الليالي والأيام حتى كان عام (589هـ) فمات السلطان الذي بموته عقمت النساء أن يلدن سلطانًا مثله.

أسأل الله ان يعز الإسلام والمسلمين، وينصر أولياءه المجاهدين، وأن يخذل الكفر والمنافقين، وأن يبرم لهذه الأمة أمرًا رشدًا يعز فيه أهل الطاعة، ويذل فيه أهل المعصية، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر...

آمين.

 

المصدر: موقع د. ظافر بن حسن آل جَبْعَان