تفضيلُ عِلمِ السَّلَف! وتصحيحُ نَظَر الخَلَف

منذ 2015-07-18

فالصحابةُ رضوانُ الله عليهم أَوْلى بفهم خطابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم من غيرهم؛ فهو معهودٌ لهم، متوجِّه إليهم، بل كانت أحوالُ كثيرٍ منهم وأعمالُهم هي مُناسباتِ نزولِ الوَحْيَينِ، وكان واقعُهم بالجملة هو مُتَعَلَّقَ الخطابِ بالرِّسالة الأوَّل؛ والمُلابِسُ للشَّأنِ المباشرُ له أو القريبُ منه أَوْلى بفَهْم الخطابِ المُتَعَلِّق به من البعيدِ النائي.

الحمدُ لله ربِّ العالمينَ، والصَّلاة والسَّلام على خاتَم النبيين، وعلى آله وصَحْبِه والتابعين، وتابعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين، أما بعد:

فإنَّ مَن لم يعرفْ فضلَ علمِ السَّلَف، وحَجَبَت نتائجَ قُرْبهم من شَمْس الرِّسالة ألفافٌ من معارفِ الفلاسفَةِ الغابرينَ أو أذكياءِ أصحابِ القلوب المظْلِمَة من الغربيِّين؛ فبديهيٌّ أن يختلَّ عنده معيارُ وَزْن الرِّجال، فيقدِّمَ في العِلْم رئيسًا خَلَفِيًّا على إمامٍ سلَفِيٍّ، باخسًا ثمينًا، مُسْتَسْمِنًا غثيثًا، وقد قيلَ:

أُعِيذُها نَظَراتٍ منكَ صدِقَةً   ***  أنْ تَحْسَبَ الشَّحْمَ في مَنْ شَحْمُه وَرَمُ!

أمَّا مَن عَلِمَ أنَّ العِلم آيةٌ مُحكَمة أو سنَّة قائمةٌ، عَلِمَ أنَّ الفقيهَ كلَّ الفقيهِ ذلك الذي فتح الله عليه فانتزعَ الأحكامَ للمسائلِ المعروضة عليه من نصوصِ الكتابِ والسنَّة وآثارِ الصحابة وُرَّاثِ عِلمِ النبوة! فذلك هو العِلم؛ على ما قيل:

العِلْمُ قال اللهُ قال رَسُولُه  ***  قال الصَّحابَةُ هم أُولُو العِرْفانِ
ما العلمُ نَصْبُكَ للخِلافِ سفاهةً  ***  بين الرَّسولِ وبينَ رأيِ فُلانِ!

من أسبابِ تفضيلِ علومِ السَّلَف:
وقد خُصَّ الصحابةُ بتلك المنزلة؛ لِمَا لهم من الخصوصِيَّة بصاحب الرِّسالة عليه الصَّلاة والسلامُ زمانًا ومكانًا، أرأيتَ لو أنَّ حادثةً وقعت في حَيِّكَ لبعضِ صَحْبِك، أترى عِلْمَك بها كَعِلْم من نشأ بعدها بخَمْسَةِ عقود؟! فكيف إذا مرَّتْ أجيالٌ في إثرها أجيال! فكذلك حَرِيٌّ بمن عاصر نزولَ الوحيِ وشَهِد بيانَه أن يُدْرِكَ مِن مَنازِعِه، ويفهم من مقاصِده، ما لا يبلُغه مَن بعده.

ولئن كان العامِّيُّ يُدْرِكُ مِن كلام أبيه أو من له خصوصيَّةٌ بتوجيه الكلامِ إليه مِن قرابته ما لا يُدرِكُه غيرُه! فالصحابةُ رضوانُ الله عليهم أَوْلى بفهم خطابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم من غيرهم؛ فهو معهودٌ لهم، متوجِّه إليهم، بل كانت أحوالُ كثيرٍ منهم وأعمالُهم هي مُناسباتِ نزولِ الوَحْيَينِ، وكان واقعُهم بالجملة هو مُتَعَلَّقَ الخطابِ بالرِّسالة الأوَّل؛ والمُلابِسُ للشَّأنِ المباشرُ له أو القريبُ منه أَوْلى بفَهْم الخطابِ المُتَعَلِّق به من البعيدِ النائي.

وزيادةً على ذلك فقد نتج عن اختصاصِهم بالنبيِّ الكريم ذي الشَّمائل والفضائل، عليه أفضَلُ الصَّلاة والتسليم، حبٌّ له وتعظيمٌ، أثَّر مزيدَ تشبُّهٍ به، وتطَلُّبٍ لدِينِه، ومعرفةٍ به، وإدراكٍ لمَنازِعِه، وفَهْمٍ لمقاصده، وهم في ذلك دَرَجاتٌ، وحَسْبُك أنَّ بَعْضَهم ربما نظر في وَجْهِه صلى الله عليه وسلم فعَلِمَ مرادَه دون أن يتكَلَّم! كما فَعَلَتْ عائشةُ رضي الله عنها لمَّا دخل عبدُ الرحمن أخوها على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في مَرَضِ مَوْتِه وبِيَدِه سواكٌ، فما كان منه صلى الله عليه وسلم إلَّا أنْ نَظَرَ إليه فعَرَفَتْ مرادَه[1]! ولمَّا وضعت القرام عَرَفَت الكراهيةَ في وَجْهِه (صحيح البخاري [2105]، ومسلم [2107])، ولمَّا لَبِسَ عليٌّ الحُلَّةَ السِّيَرَاءَ نَظَر فعَرَفَ الغَضَب في وجْهِه عليه الصلاة والسلام (صحيح مسلم [2071])، وقال أبو سعيدٍ: "كانَ إذا كَرِهَ شيئًا عَرَفْناه في وَجْهِه" (صحيح مسلم [2320]، البخاري [3562])، ولأبي بكرٍ وعُمَرَ وابنِ مسعودٍ وغيرِهم رضي الله عنهم في ذلك قَصصٌ، والأخبارُ في معرفتهم السُّرورَ والغَضَبَ على وَجْهِه كثيرةٌ[2].

ثم اجتمعَتْ إلى ما تقدَّم رغبةٌ وديانةٌ زادتا مِن حرصهم على تَفَهُّمِ كلامِ صاحب الرسالة والاقتداءِ به، وسلوكِ سبيلِه، يسافر أحدُهم لأجل ذلك القَصْد، ويترك أعمالَه، كما قال جابرٌ رضي الله عنه في حَجَّةِ الوداع: "فقَدِمَ المدينةَ بَشَرٌ كثير، كلُّهم يلتمس أن يأتمَّ برسولِ الله صلى الله عليه وسلَّم ويعمَلَ مِثْلَ عمَلِه" (صحيح مسلم [1218])، وفيه خبرُ خروجِ أسماءَ، وظاهِرُهُ أنَّ المخاضَ قد ضَرَبَها أو كاد، فلم تُبالِ أنْ وَلَدْت بذي الحُلَيْفةِ!

وفوق ذلك كلِّه امتاز الصحابةُ رضوان الله عليهم عن غيرهم بمعرفةِ لسانِ نَبِيِّهم عليه الصلاة والسلام، وعوائِده، وسجاياه، وما عُرِفوا به من صفاءِ الأذهانِ وفراغِ القلوبِ من صوارفِ المدينة.

ولِمَا سَبَقَ وغَيْرِه يكاد يبلغُ الفَرْقُ بين فُهُومِهم وفهوم من جاءوا بعدَهم الفَرْقَ بين حَقِّ اليقينِ الذي لابَسْتَهُ، وعِلْمٍ نَمَى إليك مِن وراءِ الحُجُبِ بعد تعاقُبِ القُرون! فلا غَرْوَ أنْ كان أصحابُ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم هم أعمَقَ هذه الأمَّةِ عِلْمًا وأقَلَّها تكَلُّفًا، ثم مَن جاء بعدهم ولابَسَهم فأخذ عنهم، ثم مَن تلاهم، وهُلَمَّ جرًّا إلى آخِرِ الزَّمان؛ حيث يَظهر الجهلُ ويُقبَض العِلمُ من صدور العلماء شيئًا فشيئًا؛ فما من جيلٍ إلَّا وهو دون الذي قبله علمًا في الجملة  -وإن تخلَّلَتْ كلَّ مائةِ عامٍ وَثَبَاتُ تجديدٍ وتصحيحٍ- حتى يرتفِعَ العِلْمُ برُمَّتِه قبُيلَ قيامِ الساعة! وتلك خَصيصَةٌ لعلمِ الشَّريعةِ -أعني اضمحلالَه مع تقدُّمِ الزَّمَن وإن لم تكن العَلاقة خَطِّيَّةً كما يُعَبِّر الرياضيون- على خلافِ أكثرِ العلوم؛ فمعهودُها أنْ تكتملَ أُسُسُها وتَسْتَتِمَّ مبانيها ويُحْكَم بناؤُها مع تعاقُبِ الدهور، وبهذه المناسبة فإنَّ أهلَ علوم الدنيا مع مبادئها الفطريَّة عادةً ما يُعَظِّمون مبتدئيها فيشيدونَ بِبَطليموس وفيثاغورث وجالينوس ومالتوس -على سبيل المثال- مع أنَّ كثيرًا مِن عُلُومِهم تَجاوَزَها الزَّمَنُ بحقٍّ، بل تجاوزَ بَعْضَ مقرَّراتِ فيزيائيِّينَ وإحيائيين واجتماعيِّين في العصر الحاضر! ثم يهزأ جَهَلَةٌ أغبياءُ بِكُتُبٍ شرعيَّة يُسَمُّونها بالصفراءِ! وكأنَّ كُتُبَ مُعَظَّمِهم أرسطو التي خطَّها قَبل ميلادِ المسيح -عليه السلام- بثلاثمائة عام كانت إلكترونيَّةً!

وعَوْدًا إلى المقصود: يُعلَمُ ممَّا تقدَّم أنَّ تَفضيلَ عِلمِ السَّلَف غيرُ مقتصِرٍ على ما أجمعوا عليه -فالإجماعُ حُجَّةٌ مُطْلقًا في عصورِهم وغيرِها- بل يشمل ذلك التفضيلُ ما قاله آحادُهم، ما لم يخالِفْ فيه صريحَ نصٍّ ربما غاب عنه، أو قولَ قِرْنٍ ربما شَهِدَ ما لم يشهَدْه، فرأيُهُم خيرٌ مِن رَأْيِنا لِمَا أُشيرَ إليه من خصوصِيَّتِهم بالملابَسَة لتَنَزُّلِ الرسالة، وإذا كان الأصلُ في فتوى المفتي المتأهِّلِ حَمْلَها على العِلْم، فحَمْلُ فتوى الواحِدِ منهم -وهم خيرُ هذه الأُمَّةِ- على ذلك أَوْلَى.

وليس البحثُ في هذا المقام عن الحُجِّيَّة، ولكنه تفضيلٌ لِما نَمَى إلينا من آرائهم على آرائنا في الجملة، مع أنَّ كثيرًا من العُلماءِ جَعَل قَوْلَ الصَّحابيِّ -بما تقدَّمَ من تقييدٍ- حُجَّةً يُقَدِّمها على القياسِ ما لم يُعْرَفْ له مخالِفٌ، سواءٌ بلغ رُتبةً ما يسمَّى بالإجماعِ السُّكوتيِّ، أو لم يَبْلُغْها، وله فيما تقدَّمَ ذِكْرُه حُجَّة ظاهرة، وقد ذهب إلى هذا أحمدُ والشافعيُّ في القديم ومالكٌ في المشهور على نزاعٍ في ذلك، وأمَّا إن كان قولُه مما يُشتَهَر مثلُه، ويتقاضى شأنُه حديثًا عنه، ومع ذلك لم يُعْرَفْ له مخالِفٌ فتلك رتبةٌ أعلى عند كثيرٍ من المحققين، حُجَّةٌ في معنى الإجماع.

ويُعلَم مما تقدَّم أيضًا أنَّ فَضْلَ عِلْم السف غيرُ مقتَصِر على العقيدةِ في الله تعالى، بل مُتَعَدٍّ إلى تفسير كتابه، والدرايةِ بآثار النبوة، والمعرفةِ بشرائعِ الإسلام، وأحكامِ الحلال والحرام.

معيارُ تفاضُلِ العلماء
إذا تقرَّرَ ما تقدَّم "فالعِلْمُ النافِعُ من العلوم كلِّها: ضبْطُ نصوصِ الكتاب والسُّنة، وفهمُ معانيها، والتقيُّدُ في ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم في معاني القرآن والحديثِ، وفيما ورَدَ عنهم من الكلام في مسائلِ الحلال والحرام، والزُهْد، والرقائق، والمعارف، وغير ذلك، والاجتهادُ على تمييزِ صحيحِه مِن سَقِيمِه أولًا، ثم الاجتهادُ على الوقوف في معانيه وتفهُّمه ثانيًا، وفي ذلك كفايةٌ لمن عَقَل، وشُغلٌ لِمَن بالعِلْم النافع عُنِيَ واشتَغَل"[3].

وبهذا المعيار -أعني العِلْمَ بالآثار وقُرْبَ النَّزْع منها- كان يستدلُّ العلماءُ على العالِم، كما استدلَّ عبد الوهاب الورَّاق رحمه الله- وكان من خواصِّ الإمام أحمدَ ثقةً متألِّهًا كبيرَ القدر، حيث قال: "ما رأيتُ مثل أحمدَ بنِ حنبل!".
قالوا: "وأيُّ شيءٍ بان لك مِن فَضْلِه وعِلْمِه على سائر من رأيتَ؟".
قال: "رجلٌ سُئِلَ عن ستينَ ألفَ مسألةٍ، فأجابَ فيها بأنْ قال: حدَّثَنا وأخْبَرَنا ورُوِّينَا!".
قال السَّفَّارينيُّ بعد أنْ ذَكَره: "قلتُ: وهذه.. لا يُعلَمُ أحدٌ من أئمَّةِ الدُّنْيا فَعَلَها! وقد سُئِلَ كثيرٌ من الأئمة عن مِعشارِ عُشْرِ ذلك فأحجم عن الجوابِ عن أكثرها" [4]! وإلى هذا أشارَ الإمامُ الصرصري في لاميَّتِه بقوله (غذاء الألباب شرح منظومة الآداب [1/231]):

حوى ألفَ ألفٍ من أحاديثَ أُسْنِدَتْ *** وأثبَتَها حِفظًا بقلبٍ محَصِّلِ
أجابَ على ستينَ ألفَ قضيَّةٍ  ***  بأَخْبَرَنا لا من صحائف نُقَّلِ

وما كنتُ أظنُّ أن يغدوَ هذا الذي استدلَّ به عبدالوهاب على عُلُوِّ كَعْب أحمدَ يومًا معيارًا عند مُتَفَقِّهٍ لِضَعَةٍ في العلم أو سَطْحِيَّةٍ -كما يُقال- أو كما قال بعضُهُم منتقدًا فِقْهَ بعض أعلام العَصر الذين أُثِرَ عنهم الاقتباسُ من مشكاة النبوة والسَّيرُ على هَدْي السلف: "فِقْهٌ بسيط، مُهْمِلٌ للتعليل، يأخذ أو موافِقٌ لفِقْه الحنابلة"! وللهِ ما أعْظَمَ الأمرَ الذي اعتنَفَ هذا! ولعل قائلَه لم يعرفْ معيارَ العِلم بالشريعة عند السَّلَف، ومنهم الأئمة الذين وَصَفوا أحمدَ بالفقه ورفعوا من شأنه؛ من أمثالِ الإمام الشافعي وغيره، فوقع في ضَرْبٍ من الإزراء بالفقه الراسخِ قديمٍ، إذ وَصْفُ مثلِ العِلْم المشار إليه بمثل ما وَصَف شِنشَنَةٌ قديمة نَعْرِفُها مِن أَخْزَمَ! لم يكن يخفى ما يكتَنِفُها من الجهل عند العقلاء، وقد نقل الذهبيُّ في السِّيَرِ عن ابن عقيل قوله: "مِن عجيبِ ما سَمِعتُه عن هؤلاءِ الأحداثِ الجُهَّال، أنهم يقولون: أحمدُ ليس بفقيهٍ، لكنَّه مُحدِّثٌ.

قال: "وهذا غايةُ الجهل؛ لأنَّ له اختياراتٍ بناها على الأحاديثِ بناءً لا يعرِفُه أكثرُهم، وربما زاد على أكابرهم" (سير أعلام النبلاء [11/321])، وكأني بهؤلاء الجُهلاء قد حَسِبوا الفِقْه تشقيقًا في الكلام وتكثيرًا في المقَدِّمات، وتَفَيْهقًا بعباراتٍ! يتحذلقُ أصحابُها في بناء أصولٍ على فروع، أو فروعٍ على أصول مذهبيَّة، أو تخريج فروعٍ على مثلها، وما دَرَوا أنَّ النَّزْعَ مِن السُّنَّةِ أخذٌ بالأصل الأصيل، واستمساكٌ بالحبل المتين، والحُجَّة الظاهرة، وهذا ما كان يفهمه ويعظِّم شأنَ صاحبه العاميُّ ذو الفطرة السليمة في العصور الأولى، دَعِ العالمَ!

يُذكْرُ أنَّ أعرابيًّا سأل سفيانَ بن عُيَيْنَة عن مسألة فأفتاه عنها، فقال له: "أعَنْ قُدوةٍ؟".
قال سفيان: "نعم! عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم".
فقال: "استسْمَنْتَ القُدوةَ، فاءَ الله لك بالرُّشْد" (انظر الخبر في غريب الحديث للخطابي [2/81]، والكفاية في علم الرواية [1/404]).

"وقد شهِدَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم لأهل اليمن بالإيمانِ والفِقْه، وأهلُ اليَمَنِ أقلُّ الناسِ كلامًا وتوسُّعًا في العلوم، لكنَّ عِلْمَهم عِلْمٌ نافعٌ في قلوبهم، ويُعَبِّرونَ بألسِنَتهم عن القَدْرِ المحتاجِ إليه من ذلك، وهذا هو الفِقْه والعِلْم النافعُ"[5].

تعويلُ العلماء على النَّزْع القريب من الأخبار! وتحذيرُهم من مخالَفَتِها
ولا بدَّ أن يُعلَم هنا أنَّ مَن جَنَح إلى الرأي من الفقهاء إنما بَذَلَ جُهْدَه لموافقة الدليلِ من السُّنة أو الكتاب، فذلك مَقْصِدهم، وكلُّهم إن تأتَّى له النَّحْتُ من المعْدِن، والأخذُ عن الأصل، اختصر الطريقَ فلم يعوِّل على غيره! بل إنْ خالَفَ النصَّ عنده رأيٌ، قال: اضربوا به عُرْضَ الحائط! وإن خالفه قياسٌ، قالوا: فاسِدُ الاعتبار! وأما ما يذكرُه بعضُ متأخري الفقهاء من أنَّ مذهبَ مالكٍ تقديمُ القياس على خبرِ الواحد مطلقًا، ويذكرونه كذلك قولًا في مذهب أبي حنيفةَ النعمان خلافًا للجمهور، ففي نسبةِ هذه الأقوال لأولئك الأئمَّةِ نزاعٌ، والحقُّ ما قال ابن السمعاني: "هذا القولُ باطلٌ سَمِج مستقْبَحٌ عظيم! وأنا أُجِلُّ منزلةَ مالكٍ عن مثل هذا القَوْلِ ولا يُدرَى ثبوتُه منه" ( قواطع الأدلة [1/358] لأبي المظفر منصور بن محمد المشهور بابن السمعاني)، ومن العجائب أنه قد نَسَبَ لمالكٍ تقديمَ القياسِ على خبرِ الآحاد من نَسَب إليه تقديمَ قولِ الصحابيِّ على القياسِ! وأيًّا ما كان عُذْرُه، فمَنازِعُ من نسبوا إلى مالكٍ تقديمَ القياسِ على الخبر أمثلةٌ جزئيةٌ عليها مُناقشاتٌ؛ كقولهم بطهارةِ لُعابِ الكَلْب لحِلِّ صَيْده، وعارَضَهم المنازعون لهم بِمِثْلها أو أقوى منها، كأخْذِه بأحاديثِ العرايا والمصراة مع تقريرهم مخالفَتُها القياس، وقد نبَّه بعض أئمة المالكية إلى أنه إنما كان يُقدِّم القياسَ إذا وافق قاعدةَ الشريعة المستقِرَّة بالنصوص المتظاهرة عنده، ثم خالف ذلك الخبرُ الأصولَ والقواعد (كما قرره ابن العربي انظر القبس [2/812-813])، وهذا منه ترجيحٌ بالقياسِ بين النصوص، وهذا يبيِّنُ أنَّ مَسْلَكه العمليَّ موافِقٌ لأقواله في التعويل على السُّنَن، وتلك جادَّةُ الأئمة جميعًا على ما قال بعضُ الحنفية:

وَقَوْلُ أَعْلَامِ الهُدَى لَا يُعْمَلُ *** بِقَوْلِنَا بِدُونِ نَصٍّ يُقْبَلُ
فِيهِ دَلِيلُ الأَخْذِ بِالحَدِيثِ *** وَذَاكَ فِي القَدِيمِ وَالحَدِيثِ
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الإِمَامُ *** لَا يَنْبَغِي لِمَنْ لَهُ إِسْلَامُ
أَخْذًا بِأَقْوَالِيَ حَتَّى تُعْرَضَا  *** عَلَى الحَدِيثِ وَالكِتَابِ المُرْتَضَى
وَمَالِكٌ إِمَامُ دَارِ الهِجْرَةِ  *** قالَ وَقَدْ أَشَارَ نَحْوَ الحُجْرَةِ
كُلُّ كَلَامٍ مِنْهُ ذُو قَبُولِ ***  وَمِنْهُ مَرْدُودٌ سِوَى الرَّسُولِ
وَالشَّافِعِيُّ قَالَ إِنْ رَأَيْتُمُ  *** قَوْلِي مُخَالِفًا لِمَا رَوَيْتُمُ
مِنَ الحَدِيثِ فَاضْرِبُوا الجِدَارَا ***  بِقَوْلِيَ المُخَالِفِ الأَخْبَارَا
وَأَحْمَدٌ قَالَ لَهُمْ لَا تَكْتُبُوا *** مَا قُلْتُهُ بَلْ أَصْلُ ذَاكَ فَاطْلُبُوا
فَاسْمَعْ مَقَالَاتِ الهُدَاةِ الأَرْبَعَهْ *** وَاعْمَلْ بِهَا فَإِنَّ فِيهَا مَنْفَعَهْ
لِقَمْعِهَا لِكُلِّ ذِي تَعَصُّبِ *** وَالمُنْصِفُونِ يَكْتَفُونَ بِالنَّبِيْ


قال شيخ الإسلام: "ليس أحدٌ من الأئمة المقبولين عند الأمَّة قبولًا عامًّا يتعمَّد مخالفةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيءٍ من سُنَّته دقيقٍ ولا جليلٍ؛ فإنَّهم متَّفقون اتفاقًا يقينيًّا على وجوب اتِّباعِ الرسول، وعلى أنَّ كلَّ أحدٍ من الناس يؤخَذُ مِن قولِه ويُتْرَك إلَّا رسولَ الله، ولكِنْ إذا وُجِدَ لواحد منهم قولٌ قد جاء حديثٌ صحيحٌ بخلافه فلا بدَّ له من عُذْر في تركه" (مجموع فتاوى ابن قاسم [20/232]) ثم ذكر أصولَ الأعذار.

فالانتزاعُ من الأصلين مرادُ عامَّةِ الفقهاء العالِمين لا من انحطَّت رتبتُه إلى مراتبِ المُقَلِّدينَ! لكنَّ أحمد كان من ألْزَمِ الناس للمأثور عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ثم عن صحابته رضي الله عنهم، وأوسعهم إحاطةً بذلك، وغيرُه من الأئمة قد يَجنَح إلى رأيه إن لم يَقِفْ على معارضٍ له من كتابٍ أو سُنَّة، وهم في الجنوح إلى الرأي ما بين مُقلٍّ ومستكثرٍ، فأكثرُهم في ذلك الإمامُ أبو حنيفة رحمه الله، وأقلُّهم فيه عالِمُ المدينة مالكٌ رحمه الله، على أنه ربَّما قال بالرأي حيث شَهِدَت له عنده به الأصولُ، كما قال أحمد: "ما قال أحدٌ ممن قال بالرأيِ أثْبَتَ منه في الحديثِ" (مسائل أحمد من رواية ابنه أبي الفضل صالح ص[459]).

وأما أحمدُ فقد كان مُستغْنيًا عن كثير من ذلك لِسَعَةِ محفوظه من آثار النبوة، وجادَّتِه في الأخذ بأقوال من هم أقرَبُ إليها، وأولى بإصابةِ الحقِّ في المسائل المتنازَع عليها، مع قوة مَلَكَتِه في الانتزاعِ من المِشْكاة الأولى، فلا غَرْوَ إن كان قال:

دِينُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ أَخْبَارُ ***  نِعْمَ الْمَطِيَّةُ لِلْفَتَى الآثَارُ
لا تَرْغَبَنَّ عَنِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِهِ *** فَالرَّأْيُ لَيْلٌ وَالْحَدِيثُ نَهَارُ
وَلَرُبَّمَا جَهِلَ الْفَتَى أَثَرَ الْهُدَى *** وَالشَّمْسُ بَازِغَةٌ لَهَا أَنْوَارُ

وإذا تقرَّر هذا عُلِمَ أنَّ التقليلَ من شأن فقيه بقُرْبِ نَزْعِه من الكتاب والسُّنة غايةُ الجهل، يلزم مرتكِبَه الإزراءُ بكافَّة الأئمة، وإذا كان جُلُّ السلف قد شدَّدوا على من توسَّع في الرأي فخالَفَ الآثار، فكيف بهم إن أدركوا من يَغْمِز في فقه فقهاءِ السُّنن والآثار؟! ويبقى هذا أقلَّ خطرًا ممن خرج بهم اتِّباعُ قواعدِ المذاهب، والأخذ بأصولٍ أُحْدِثَت، إلى ردِّ السنن والآثار، والفتوى بخلافها، زاعمينَ أنَّ ما خالفها منسوخٌ أو مُؤَوَّل! وأسوأ منهم من يقدِّم على الآثارِ ما يراه مَصالِحَ أو ما يَعُدُّه من تلقاء نفسه مَقْصِدًا! لم يُبْصِره الصحابة ومن تلاهم! فيا متسلِّلًا بالمقاصِد لائذًا بالمصالح! نبيُّك بها أبْصَرُ! وأصحابُه بها أعلم! {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور من الآية:63]!

الفقيهُ السَّلفي، والسلفيُّ الخَلَفي فقهًا!
إنَّ العناية بالسُّنَّة وآثارِ الصحابة والتابعين روايةً ودراية سِمةُ العلماء الذين اقتفَوْا أثرَ السلف عمومًا، وأحمد بن حنبل خصوصًا، وذلك هو الفقه عند الأئمة! فأعظَمُ الخَلَف فقهًا أعظَمُهم نَزْعًا من الكتاب والسنة ثم ممن كانوا موضوعًا لوِرْدها، وسببًا في بيانِ النبي صلى الله عليه وسلم لها، من الصحابة الذين عاينوا التنزيلَ، ثم مَن خالَطَهم من التابعين، ثم من تحصَّل لهم قَدْرٌ من علومهم من الأئمة المَرْضيين، وهذا ما تميَّز به المنتسبونَ إلى السلف من المتمَذْهِبة وغيرهم في الجملة، على أنَّ في السلفيينَ خلفِيِّينَ اقتصروا على مقرَّراتِ متأخري المتَمَذْهِبة، مستمسكين بتخريجاتِ بعض أصحاب الوجوه أو الأقوال ملتزمينَ طرائِقَهم في البحث، ومنهم طائفة أخرى اقتحمت البحرَ الخِضَمَّ خائضين في لُجَّته العظمى (مجدِّفين)! غيرَ عابئين بفَهْم إمامٍ سالف، ولا بقول صحابيٍّ مخالِف، ولكلا الطائفتين سلفٌ من الخلفِيِّين تَقَدَّمهم! قال ابنُ رجب في القرن الهجري الثامن: "وفي زمانِنا يتعَيَّن كتابةُ كلامِ أئمَّة السلف المقتدى بهم إلى زَمَن الشافعي وأحمدَ وإسحاقَ وأبي عبيد، ولْيكُنِ الإنسانُ على حذر مما حدث بعدهم؛ فإنه حدث بعدهم حوادثُ كثيرة، وحدث من انتسب إلى متابعةِ السُّنة والحديث مِن الظاهرية ونحوِهم، وهو أشدُّ مخالفة لها؛ لشذوذه عن الأئمَّة وانفراده عنهم بِفَهْم يفهمه، أو يأخذ مالم يأخذْ به الأئمة مِن قَبْلِه" (بيان فضل علم السلف لابن رجب، ص[67])، وسائرٌ على هذا الغَرْز اليوم من يدعو إلى أخذ الباحث بالكتاب والسُّنة على فهمه! وكثير من أدعياء التنوير والتجديد من هذا الضَّرب! ثم يرمون بالدَّاء غيرَهم! غيرَ أنهم ما يفتأُ الهوى أن يُحَرِّكَهم فيضطربوا، فَيْنةً مجتهدين -زعموا- في فهم النصِّ خالفهم من خالف! وأخرى مُقَلِّدين متخيِّرين بعضَ رُخَص الفقهاء المناسبة للعصر! تراهم تارة معَظِّمين لقوم بدعوى تعويلهم على الكتاب والسنَّة فحسْبُ، وأخرى قادحين في آخرين، لمخالفتهم أقوال الأئمَّة!

وغيرُ خافٍ على القارئ مما تقدَّم أنه ليس معنيًّا بالفقه السلفي ما درج عليه بعضُهم من الجمود على ظواهِرِ نصوصٍ وإغفال أخرى، بَلْهَ إغفالَ مقاصدَ وقواعدَ وجُمَلٍ كليَّةٍ هي مقرراتُ مئات النصوص الشرعية الأخرى! فليس هذا أخذًا بالنصوصِ على الحقيقة، بل المَسْلَك الجامع لذلك كلِّه هو المقصود، لم يفارِقْه من اتَّبَع مذاهب الأئمة وعَوَّل في ترجيحه على النصوص، جامعًا بين فقه المذاهب مع الاختيارِ، دون اطِّراح لمذاهب الأئمة أو جمود عليها من جنس جمود من وقف عند بعض ظواهر النصوصِ! بل هو أقبح!

بسيط العبارة ليس بأعلَمَ من مُقتصِدها
إنَّ من سلكوا الطريق السلفيَّ من أهل العلم أنواعٌ، فمنهم بسيط العبارة، الذي تظهرُ ملَكَتُه، وجودةُ آلته العاملة في النصوص من إسهابِه، فيظهر للمتوسِّط كيف انتزع ومن أين أخذ وما مُدركه في الجمع أو الترجيح؟ ومنهم من سلك الجادَّة نفسَهَا لكنَّه درج فيها على هدْيِ السلف في الاقتصاد وترْك التطويل، والأول اقتضى له البَسْط مقام التعليم، ولاسيما أن طلاب العصور المتأخرة -خاصة طلاب هذا العصر- يفتقر كثيرٌ منهم لكثير من البسط حتى يفهم! وأيًّا ما كان الأليَقُ بالعصر والأرجح من الطريقتين، فمعلوم أنَّه لا يلزم أن يبيِّن فقيهُ النَّفسِ ذو الملكة أنَّ فتواه صدَرَتْ عن نَصٍّ باتٍّ أو إيماءٍ استفاده منه، أو مناسبة بين الأصل وبين حكم الفرع، أو يشرح وجه اجتهاده في تنقيح مناطِ الحكم، ولا أن يُثبت استخراجه لعِلَّة الأصل بالدوران أو الطرد أو السَّبْر! فضلًا عن أن يجيب على أسئلة النقض، والقلب، والفرق، أو غير ذلك من قوادح العلة، وإن كان يُجري ذلك إمَّا بملكة كالتي كانت عند الأوائل من الصحابة الذين لم يتكلَّموا بتلك الألقاب، وكذلك مَن بعدهم قبل استقرار اصطلاحات العلوم، ثم تلك المَلَكة ربما استقرَّت عنده بإدمان النظر في الوحيينِ، وآثار الجيل الأول، مع ممارسته لكتب الفقهاء، أو بتحريرٍ لعلوم الآلة لم يُبْدِه، وتكلُّف -لم يظهره- لطرائق البحث كما يفعل كثير من طلاب العلم المنتهين والمتوسطين في بحوثهم التخصصية.

والمقصود ليس بسيطُ العبارة بأوسع عِلمًا من المقتصِد، وإن اغترَّ بتطويل البحث وتشقيق الكلام بعضُ أصحاب الظواهر الذين لم ترسخ لهم في العلم قَدَم، فاعتمدوا في قياس الفقه معاييرَ منحرفة، وأمثال هؤلاء يلزمهم أن يقدِّموا في الفقه بعضَ أتباع المذاهب على أربابها! بل دراساتِ المعاصرين من طلابِ الجامعات على مقرَّراتِ السَّلَف الأولين! إذ لن تجد كثيرًا من تسبيب الأحكام وتفصيل مَنازِعِها وبيان مداركها وأجوبة اعتراضاتها في الفقه المنقول عن أبي بكر وعمر، وهما أعلم الصحابة في الجملة، ولا في من كَثُر النقل عنهم كأمثال عليٍّ وابن مسعود وهاتِهِ الطبقة من كبار فقهاءِ الأمة رضي الله عنهم، ولا مَن تَلَاهُم من طبقات فقهاء الصحابة وهُلَمَّ جرًّا إلى عصور الأئمة! ويلزمهم إمَّا أن يسلكوا مسلك الخَلَفِيين في تفضيل عِلْم الخَلَف فيطردوا! أو يُقِروا بأن معيار العلم القربُ من الكتاب والسنة، والدوران في فَلَك الدليل على طريقة من يصفهم بعض المُجانِفين تعريضًا بالسطحيَّة!

وهذا الاعتداء، لصاحبه من الجهلاء سَلَف! قال ابن رجب: "قد ابْتُلِينا بجَهَلة من الناس يعتقدون في بعض من توسَّع في القول من المتأخرين أنه أعلم ممن تقدم، فمنهم من يظن في شخصٍ أنه أعلم من كل مَن تقدَّم من الصحابة ومَن بَعْدَهم لكثرة بيانه ومقاله! ومنهم من يقول هو أعلم من الفقهاء المشهورين المتبوعين، وهذا يلزم منه ما قبله لأن هؤلاء الفقهاء المشهورين المتبوعين أكثرُ قولًا ممن كان قبلهم، فإذا كان مَن بَعْدَهم أعلمَ منهم لاتساع قوله كان أعلم ممن كان أقل منهم قولًا بطريق الأَوْلى، كالثوري والأوزاعي والليث وابن المبارك وطبقتهم، وممن قبلهم من التابعين والصحابة أيضًا؛ فإن هؤلاء كلَّهم أقلُّ كلامًا ممن جاء بعدهم. وهذا تنقُّصٌ عظيم بالسلف الصالح، وإساءةُ ظنٍّ بهم، ونسبته لهم إلى الجهل وقصور العلم ولا حول ولا قوة إلا بالله" (بيان فضل علم السلف لابن رجب، ص[61-62])!

وكثير مما يخالُه هؤلاء -الذين نَعَتَهم العلماء بالجهل- تحقيقًا وفِقْهًا، كثيرٌ منه داخلٌ في القَدْر المكروه من العلم عند السلف! فإنَّ "مما أنكره أئمة السلف الجدالَ والخصام والمراء في مسائل الحلال والحرام.. ولم يكن ذلك طريقةَ أئمة الإسلام، وإنما أُحْدِث ذلك بعدهم، كما أحدثه فقهاءُ العراقيين في مسائل الخلاف بين الشافعية والحنفية، وصنفوا كتب الخلاف ووسَّعوا البحث والجدال فيها، وكل ذلك مُحْدَث لا أصل له، وصار ذلك عِلْمَهم حتى شَغَلَهم ذلك عن العلم النافع... قال مالك: أدركتُ أهل هذه البلدة وإنهم ليكرهون هذا الإكثار الذي فيه الناس اليوم! يريد المسائِلَ، وكان يعيب كثرة الكلام والفُتيا ويقول: يتكلم أحدهم كأنه جمل مغتلم! يقول: هو كذا، هو كذا، بِهَدر في كلامه! وكان يكره الجواب في كثرة المسائل ويقول: قال اللهُ عز وجل: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء من الآية: 85]، فلم يأته في ذلك جواب. وقيل له: الرجل يكون عالمًا بالسنن يجادل عنها؟ قال: لا! ولكن يخبر بالسنَّة، فإن قُبِل منه وإلَّا سكت، وقال: المراء والجدال في العلم يذهب بنور العلم، وقال المِراء في العلم يُقسِّي القلب، ويُورِثُ الضغن، وكان يقول في المسائل التي يسأل عنها كثيرًا: لا أدري: وكان الإمامُ أحمد يسلك سبيله في ذلك" (بيان فضل علم السلف لابن رجب ، ص[51-54] مختصرًا، وتمام الكلام بعدها).

الاستكثار من علوم الآلة قد يكون خسارة
وفي هذا المقام يَحْسُن التنبيه على غلط بعض من تكثَّرَ بعلوم الآلة، فعظَّمَها وفخَّمَها واغترَّ بأُناس استكثروا منها فَنَوَّهَ بمسلكهم! مع أنَّ روضة سُنَّتهم التي يحرثون لا تتجاوز شبرًا في ذراعٍ! وهؤلاء مغبونون حشدوا الآلات واجتهدوا في تحصيلها طول عمرهم فبقيت معطَّلة عن نفعهم! والعاقل يطلب من الآلة ما يُعينه على حرث أرضه! ولأمثال هذه المعاني ذمَّ مَن ذَمَّ من السَّلَف التوسُّعَ في علوم مفيدة في أصلها كعِلْم النَّسَب إذا تجاوز غرضه، وأُثِرَ ذلك الذَّمُّ عن عمر رضي الله عنه، وبينما يُفَخِّم بعضُ الفضلاء اليوم من علوم العربية مثلًا، ويعيب على السَّلَفِي ضَعْف الاشتغال بها، يَضَعُها الأئمة في موضعها؛ كما قال ابن رجب في بيان فضل علم السلف، بعد أن ذكر ذمَّهم التوسُّعَ في علم النَّسَب: "وكذلك التوسُّعُ في علم العربية لغةً ونحوًا هو مما يُشْغِل عن العلم الأهَمِّ، والوقوف معه يَحْرِم علمًا نافعًا. وقد كَرِهَ القاسم بن مخيمرة علمَ النحو وقال: أوَّلُه شغل، وآخره بَغْيٌ! وأراد به التوسع فيه، ولذلك كَرِهَ أحمد التوسع في معرفة اللغة وغريبها، وأنكر على أبي عبيدة توسعه في ذلك، وقال هو يشغل عما هو أهمُّ منه. ولهذا يقال: إنَّ العربيَّة في الكلامِ كالمِلْح في الطعامِ؛ يعني أنه يؤخَذُ منها ما يُصْلِح الكلام كما يؤخَذُ من المِلْح ما يُصْلِح الطعام، وما زاد على ذلك فإنه يُفْسِده.. وأما ما أُحْدِث بعد الصحابة من العلوم التي توسَّع فيها أهلُها وسَمَّوْها علومًا وظنوا أنَّ من لم يكن عالمًا بها فهو جاهل أو ضالٌّ فكلها بدعة وهي من محدثات الأمور المنهي عنها.. ومن ذلك؛ أعني محدَثات العلوم، ما أحدثه فقهاء أهل الرأي من ضوابط وقواعد عقلية، ورد فروع الفقه إليها، وسواء أخالفت السُّنن أم وافقتها طردًا لتلك القواعد المقرَّرة، وإن كان أصلها مما تأوَّلوه على نصوص الكتاب والسنة، لكن بتأويلات يخالِفُهم غيرهم فيها، وهذا هو الذي أنكره أئمَّةُ الإسلام على من أنكروه من فقهاء أهل الرأي بالحجاز والعراق: وبالَغوا في ذمه وإنكاره. فأما الأئمة وفقهاء أهل الحديث فإنَّهم يتَّبعون الحديث الصحيح حيث كان إذا كان معمولًا به عند الصحابة ومن بعدهم، أو عند طائفة منهم" (فضل علم السلف لابن رجب، ص[40-50]، مختصرا، وانظر أثر عمر وما روي فيه مرفوعًا ص[3]).

وإذا كان التوسع في علوم الآلة على حساب علوم المقاصد مذمومًا، فالدعوة إلى مزاحمتها بالعلوم المادية للمشتغل بالعلم الشريف أشدُّ ذمًّا، ومع ذلك ربما توجَّه إليها وَعَظَّمها بعضُ المشتغلين بالشريعة، وتحسِّنُ لهم ذلك في كثير من الأحيان نفوسٌ منكسرة أمام بهارِجِ تلك العلوم وتعظيم الناس لها! أما سلفنا الصالح -رضوان الله عليهم- فقد كان لهم اعتدادٌ بعلوم الشريعة واسعتلاءٌ بها على سائر العلوم الدنيوية وإن كانت نافعة، ولك أن ترفع الرأس مُجلِّيًا ببصرك مشتافًا قَوْلَ بعض الأئمة:

كلُّ العُلُومِ سِوى القُرْآنِ مَشْغَلَةٌ *** إلَّا الحَديثَ وَعِلْمَ الفِقْهِ في الدِّينِ
العلمُ ما قد كانَ فيه قال حدَّثَنا *** وَمَا سِوى ذَاكَ وَسْوَاسُ الشَّيَاطِينِ!

ثم أَطْرِق الرأسَ ونكِّسِ البَصَرَ في غَمْز كثير من مثقَّفي العصر العلماءَ بضحالة الاطِّلاع على العلم المادي! لترى البون الواسع بين من رفع بهُدى الله رأسًا، ومن لم ير في مزاحمته بأسًا. ولست أدعو هنا للإزراء بمقام العلوم المادِّية النافعة، ولكن لمعرفة مقامها مقارنةً بمقام العِلم بالله تعالى وما أنزله، ثم لمعرفة ما في الدعوة إلى مزاحمة علوم الشريعة بها من استبدالٍ للذي هو أدنى بالذي هو خير، على ما في تلك الدعوة من مخالفة لما انتهجه أهل العصر من التخصص، وما تُنْتِجه غالبًا من أنصافٍ ضعافٍ مهازيلَ في علوم الدنيا والدين، ومن تأمَّل حال بعض من تكلَّفها من الخائضين في الشريعة وجد مع ضَعْفه في هذه افتتانَه بنظرياتٍ وفرضياتٍ كثيرٌ منها مجالُ بحث ونظرٍ وظنون عند أهلها الراسخين، ومع ذلك ربما آمن بها إيمانَه بالرسل! وجادل عنها كجدله عن عقيدته في الله تعالى! ثم قد تتكشَّف بعد حين –كما تكشف غيرها- عن حديث خرافة وأباطيل!

من يعرف مقام العالم ومن يجهله؟
ما نراه في واقعنا -ولله الحمد- هو إقرارُ جمهور طلاب العلم المتخصصين الأقوياء لأعلام السنة من كبار الراسخين بالتقدم، عالمين بأن ما يفصِّلونه في بحوثهم قد طواه كثيرٌ من شيوخهم في أجوبتهم. ومن العجائب أن يحُطَّ باحثٌ من فِقْهِ عالمٍ جليل، ويرفع من قدر مشايخ وطلاب علم يُقِرُّون لذلك العالم بالتَّقَدُّم، يتمَنَّوْن أنْ لو تمكنوا من عَرْض بحثهم عليه، ليُسَدِّدوا ويُقارِبوا! ولعل من أسباب ذلك البُعْدَ عن العلماء، معه الثقة الزائدة بالنَّفْس المجتمعة إلى شيء من سوء الظن بمن هم أهلٌ لضدِّه، فنتج عن ذلك أنْ كذَّب أقوامٌ بما لم يحيطوا بعلمه، وما أسرَعَ الناسَ لأن يعيبوا ما لا عِلْمَ لهم به! كما قالت عائشة رضي الله عنها ( صحيح مسلم [973])، أما لسانُ حال من ثافَنَ العلماء، فسمع منهم، واستخرج بالسؤالات مكنونَ ما لديهم، وعرض بحثه عليهم، فهاتفٌ بقول الأوَّل:

لا تُجْرِ ذكري في الهوى مع ذِكْرهم!  *** ليس الصَّحيحُ إذا مَشَى كالمُقْعَدِ!

ولهذا تجد هذا يُعَظِّمُ ويُثْنِي، وذلك الناقِدَ المتسَرِّعَ يحطُّ ويُزْري، وما ذاك إلَّا لانخداعه ببادرةٍ ومَظْهر، وبُعْده عن الحقيقة والجوهر، وقد قيل: العِلْم ثلاثة أشبارٍ؛ فمن نال منه شبرًا شَمَخَ بأنفه وظنَّ أنه ناله! ومن نال الشبر الثاني صَغُرَتْ إليه نفسه وعَلِمَ أنَّه لم يَنَلْه، وأمَّا الشِّبر الثالث فهيهات؛ لا يناله أحدٌ أبدًا.

هذا ولا يخفى أنَّ تفضيل كثير من أصحاب الشِّبْر! لعلم عالمٍ خَلَفِيٍّ أو سلفيٍّ على آخر، جديرٌ بأن يَغُضَّ الناظِرُ عنه طرفَه، مترنِّمًا بقول الأول:

إذا ابتدَرَ الرِّجالُ ذُرَى المعالي *** مسابقةً إلى الأَمْرِ الخَطِيرِ
تعَثَّرَ في غُبارِهِم فلانٌ!  *** فَلَا في العِير كانَ أو النَّفِيرِ

أرأيتَ إن قال لك صاحِبُ شِبْرٍ في اللسان: البُحْترِيُّ أَقْوَمُ لسانًا من أبي تمَّام، أو ملر أوسَعُ معرفةً باللغة من شكسبير! أكنتَ تعبأ به؟ أم تعلم أنَّ لأمثال هذه الموازناتِ أهلَها الراسخين، فإما ناقِلٌ عنهم بعضَ الترجيح، وإما جاهِلٌ بقَدْر نفسه، يخوض في غير شأنه! وحَسْبُ صاحب الشِّبْر بحثُ جزئياتٍ وترجيحٌ في مسائِلَ تكلَّفَ بحثَها، فلا يعدو هذا القَدْرَ! ورَحِمَ الله امرأً عَرَفَ قَدْرَ نَفْسِه، أسألُ اللهَ أن يُلْزِمَنا أقدارَنَا، وأن يُعَلِّمَنا ما ينفَعُنا، وأن يجعله حُجَّةً لنا.

وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصَحْبِه وسَلَّم.
23 رجب 1436هـ.

-----------------------------------------------

[1] (والخبر مشهور في الصحاح وغيرها انظر على سبيل المثال صحيح البخاري [4450]).
[2] (جديرة بأن تجمع في رسالة وما في معناها من فطنتهم رضي الله عنهم بأموره صلى الله عليه وسلم).
[3] (انظر بيان فضل علم السلف لابن رجب، بتحقيق محمد العجمي، ص[70-71]، بتصرف يسير).
[4] (ظاهر هذا الكلام حمله ما قال عبدالوهاب على مقامات أو مجالس متقاربات، وليس بظاهر بل هو يجمل مشاهدة عمر وصحبة دهر، وإذا أحصى مثل ذلك من صحب الأئمة وجد خيرًا كثيرًا).
[5] (بيان فضل علم السلف ص [63]، وقد بين المحقق أنه يشير إلى حديث أبي هريرة المتفق عليه: «الفقه يمان، والحكمة يمانية» انظر البخاري [4390]، ومسلم [52]).