بين المنصور وفاطمة!

منذ 2015-08-11

مع اعتقادنا بأن النصر لأولياء الله المجاهدين، إلا ويعلم الله أنه قد أحزننا ما يلاقيه إخواننا وأخواتنا الطاهرات في أرض العراق من عُبّاد الصليب.

الحمد لله رب العالمين المحمود على كل حال، والصلاة والسلام على خير الأنام وعلى آله وصحبه أجمعين.. أما بعد:

فإن الله سبحانه وتعالى يبتلي عباده المؤمنين ليُظهِر ما في نفوسهم من الخير ويرفع درجاتهم عنده، ويكفر عنهم سيئاتهم، ويكون لهم عند الله به فضلًا عظيمًا، وهذه الشدائد التي تعتري المسلم، وتعتري المسلمين هي خير لهم في الحقيقة «عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (أخرجه مسلم).

وعندما تنزل الشدائد بالمسلمين فإن الله سبحانه وتعالى ينزل من المعونة على قدر البلاء كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن المعونة تأتي من الله على قدر المؤونة وإن الصبر يأتي من الله على قدر البلاء» (رواه البزار، والهيثمي في المجمع)، وفي روايةٍ: «وإن الصبر يأتي من الله على قدر المصيبة».

وتدور على المسلمين رحى الحروب وكيد الأعداء ويتجمع عليهم معسكر الشر ويكون في ذلك شدة ومصائب تنزل، ولكن هذه الشدائد لا تخلو من فوائد ومن ذلك انتظار الفرج وترقب انكشاف الغمة من الله تعالى لأنه ليس لها من دون الله كاشفة؛ قال الله عزوجل: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا . إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح:5-6].

وهذا الترقب والانتظار لا بد أن يكون مصحوبًا من المسلمين ببذل الأسباب لكشف البلية، وأخذ ما يمكن أخذه لدفع المصيبة وتخفيف آثارها. ولكن ينبغي ألا يغيب عن بال المسلمين أن انتظار الفرج عباده بل عبادة عظيمة، وباب أجر عظيم من الله عز وجل.

ومع اعتقادنا بأن النصر لأولياء الله المجاهدين، إلا ويعلم الله أنه قد أحزننا ما يلاقيه إخواننا وأخواتنا الطاهرات في أرض العراق من عُبّاد الصليب.

قد بلغنا خبر أخواتنا في معتقل العار والخزي معتقل (أبو غريب) من خلال رسالة أختنا المكلومة الطاهرة الشريفة العزيزة فاطمة -تقبلها الله في الشهداءـ، ومما زاد النفس ألمًا والقلب حسرةً وكمدًا، والعين دمعًا، ذلك الخذلان الغريب، والصمت الرهيب الذي يعيشه أهل الإسلام، وكأن الأمر لا يعنيهم، وكأن الخطب في غير أهلهم، نحن أصحاب الجسد الواحد، الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد، ما أعلم هل الحدود الوهمية التي وضعها المستعمِر، أصبحت تُفرِّق بين المسلمين؟!

فالمسلم الذي بيننا وبينه حدود وهمية، تجعلنا لا نُفكِّر فيه ولا نتألم لحاله، ولا نشاركه في همومه وآلامه، لأن من كان خارج هذه الحدود فهو خارج عن كل الروابط الإسلامية، والإيمانية، أم أن الغفلة التي نعيشها والران الذي على القلوب، قد جعلنا ننسى إخواننا وأخواتنا في شتى المعمورة، أم أنه حب الدنيا وكراهية الموت؟! لا أخال إلا أنها كله قد اجتمعت، فأعمت وأصمت، ثم أهلكت.

إن إخوة الإسلام هي أعظم الروابط وأوثق العرى، فهي أعظم من رابط النسب والقربى، قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات:10].

بل أي رابط غير رابط الإيمان يكون حسرةً ووبالًا على صاحبه قال الله تعالى: {الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف:67].

بل إن من أعظم صفات المؤمنين الحب في الله والبغض في الله قال تعالى: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَان وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة:22].

فمهما نأت بنا الديار، فيبقى المسلم أخو المسلم، وأرحم الناس به..

وصدق من قال:
بالشَّامِ أَهْلِي وبَغْدَادُ الْهَوَى وَأَنَا *** بِالرَّقْمَتَيْنَ وبِالفِسْطَاطِ إِخْوَانِي

وأينما ذُكِرَ اسمُ اللهِ فِي بَلَدٍ *** عددتُ ذَاكَ الحِمَى مِنْ صُلْبِ أَوْطَانِي

فنحن أهل الحق أمة واحدة، وسنظل أمة واحدة، نتراحم ونتعاطف ونتناصر في أي مكانٍ سكنَّا وفي أي زمان كُنّا، وإن ما أصاب إخواننا وأخواتنا في سجن الظلم والعدوان (سجن أبو غريب) قد آلمنا أشد الألم، لكن نقول لهم الله، ولكِ الله أنتي يا فاطمة، ولأخوتكِ، وأسأله أن يرحم حالكم ويجبر كسركم، ويستر عِرضكم، ويُهين عدوكم، ويخذل خاذلكم، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «ما من امرئٍ يخذل امرئٍ مسلمًا في موضع تنتهك فيه حرمته، وينتقص فيه من عِرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئٍ ينصر مسلمًا في موضع ينتقص فيه من عِرضه وينتهك من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب نصرته» (أخرجه أبو داود، والبيهقي في السنن، والهيثمي في المجمع من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما).

وأخرج الإمام أحمد من حديث أبي أمامة بن سهل عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أُذلّ عنده مؤمن فلم ينصره وهو يقدِر على أن ينصره أذلّه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة».

يعلم الله ما نعيشه من حسرةٍ وكمد على حال أخواتنا في أرض العراق، وما يلاقينه على أيدي الكلاب المسعورة، وأهل الدعارة الموبوءة، خريجي البارآت والخمارات، -دعاة الحرية والديمقراطية زورًا-.

وهذا ما نعرفه عنهم، وليس بمستغربٍ على هؤلاء الأرجاس، لكن الذي جعل القلب يذوب كمدًا، وحسرةً وألمًا هذا الخذلان الغريب العجيب من المسلمين عامة، ومن أهل الحل والعقد خاصة.

إن مما آلمنا ذلك الصمت الرهيب من أصحاب الإعلام، وأهل التصريحات، وأهل الدعايات، والصحافات، الذي لا يهمهم إلا تقديس الأشخاص، ومديح أهل الهيئات، والتدليس والكذب.

والأدهى من هذا وأمر تغيب تلك الحقائق عن الأمة، ومقابلة تلك الصيحات والآلام والحسرات والعبرات بتجاهلٍ سمج غريب.

أين أنتِ يا فاطمة من المنصور، وأين أنت يا منصور من فاطمة؟! عندما عاد من بعض غزواته، فلقيته امرأة، وقالت له: يا منصور، استمع ندائي، أنت في طيب عيش وأنا في بكائي. فسألها عن مصيبتها التي عمتها وغمتها، فذكرت له أن لها ابنًا أسيرًا في بلادٍ سمّتها، وأنها لا يهنأ عيشها لفقده، ولا يخبو ضرام قلقها من وقده، وأنشد لسان حالها ذلك الملك المعلى: (أيا ويح الشجيّ من الخليّ) "فرحب المنصور بها، وأظهر الرقة بسببها، وخرج من القابلة إلى تلك المدينة التي فيها ابنها، وجاس أقطارها وتخلَّلها حتى دوخها، إذ أناخ عليه بكلكله وذلَّلها، وأعراها من حماتها، وببنود الإسلام المنصورة ظلَّلها، وخلص جميع ما فيه من الأسرى، وجلبت عوامله إلى قلوب الكفرة كسرًا، وانقلبت عيون الأعداء حسرى" (نفح الطيب: [1/597]؛ نقلًا عن كتاب: صلاح الأمة في علو الهمة: [6/214]).

وانظر إلى علو همته في نجدة أسيرة مسلمة في كنيسة صليبية، قال صاحب نفح الطيب: "تمرّس ابن أبي عامر ببلاد الشرك أعظم تمرس، ومحا من طواغيتها تعجرُف وتغطرس، وغادرهم صرعى البقاع، وتركهم أذلَّ من وتدٍ بقاع، ووالى على بلادهم الوقائع، وسدَّد إلى أكبادهم سهام الفجائع، وأغص بالحِمَامِ أرواحهم، ونغّص بتلك الآلام بكورهم ورواحهم..

ومن أوضح الأمور هنالك، وأفصح الأخبار في ذلك؛ أن أحد رسله كان كثير الانتياب لذلك الجناب فسار في بعض مسيرته إلى (غُرْسية) صاحب البشكنس، فوالى في إكرامه، وتناهى في بِرّه واحترامه، فطالت مدته، فلا مُتنزَّه إلا مرَّ عليه متفرجًا، فحلَّ في ذلك أكثر الكنائس، فبينا هو يتجول في ساحاتها، ويُجيل العين في مساحتها، إذ عرضت له امرأة قديمة الأسر، قويمة على طول الكسر، فكلمته، وعرفته بنفسها، وأعلمته، وقالت له: أيرضى المنصور أن ينسى بتنعُّمهِ بؤسها، ويتمتع بلبوس العافية وقد نَضَّت لبوسها؟!

وزعمت أن لها سنين بتلك الكنيسة محبوسة، وبكل ذلٍّ وصغار مُلَبسة، وناشدته الله في نهاية قصتها، وإبراء غُصَّتها، واستحلفته بأغلظ الأيمان، وأخذت عليه في ذلك أوكد مواثيق الرحمن، فلما وصل إلى المنصور عرَّفه بما يجب تعريفه به وإعلامه، وهو مصغ إلى كلامه، فلما فرغ قال له المنصور: هل وقفت على أمرٍ أنكرتَه، أم لم تقف على غير ما ذكرته؟

فأعلمه بقصة المرأة، فعتبه ولامه، على أن لم يبدأ بها كلامه، ثم أخذ للجهاد من فوره... وأصبح غازيًا على سرْجه، حتى وافى ابن شانجة في جَمْعه، فأخذت مهابته ببصره وسمعه، فبادر بكتاب إليه يتعرف ما الجليَّة، ويحلف له بأعظم ألِيَّة، أنه ما جنى ذنبًا، ولا جفا عن مضجع الطاعة جنبًا، فعنَّف رسله، وقال لهم: كان قد عاقدني ألا يبقي ببلاده مأسورة، ولا أسيرًا، ولو حملَته في حواصلها النسور، وقد بلغني بعدُ بقاء فلانة المسلمة في تلك الكنيسة، والله لا أنتهي عن أرضه حتى أكسحها، فأرسل إليه المرأة في اثنتين معها، وأقسم أنه ما أبصرهن ولا سمع بهنّ، وأعلمه بأن الكنيسة التي أشار بعِلمها، قد بالغ في هدمها، تحقيقًا لقوله، وتضرّع إليه في الأخذ فيه بطوله، فاسحيا منه وصرف الجيش عنه، وأوصل المرأة بنفسه، وألحف توحشها بأنسه، وغيَّر من حالها، وعاد بسواكب نعماه على جدبها وإمحاله، وحملها إلى قومها، وكحَّلها بما كان شرّد نوها" (نفح الطيب: [1/404]؛ نقلًا عن كتاب: صلاح الأمة في علو الهمة: [6/213]).

فلله درك يا منصور، ولكِ الله يا فاطمة، فالبون شاسع، والشُقة بعيدة.

ملكٌ مجَّردُ للجهاد بنَفسه *** فعدُوُّه أبدًا به مقهور
أعطاك جزيته وطأطأ خَدَّهُ *** حَذَرَ الصوارم والردى محذورُ

لكن السؤال أين جماعة المسلمين من نصرة أسراهم، والسعي في فكاكهم؟!

وهذا الحكم بن هشام أمير الأندلس لما سمع أن امرأة مسلمة أُخِذت سبية، فنادت: واغوثاه يا حكم، فعظُم الأمر عليه، وجمع عسكره، واستعد وحشد وسار إلى بلد الفرنج سنة ست وتسعين ومائة، وأثخن في بلادهم، وافتتح عدة حصون، وخرب البلاد ونهبها وقتل الرجال وسبى النساء، وغنم الأموال، وقصد الناحية التي كانت بها تلك المرأة، حتى خلّصها من الأسر، ثم عاد إلى قرطبة مظفرًا.

إن مما أمر به الإسلام فك الأسرى من أيدي أعدائهم، فإذا وقع أسير في يد العدو فيجب على المسلمين أن يبذلوا كل مجهود لتخليص أسيرهم إما بالقتال، فإن عجز المسلمون عن القتال، وجب عليهم الفداء بالمال، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فكوا العاني -يعني: الأسير- وأطعموا الجائع، وعودوا المريض» (أخرجه البخاري عن أبي موسى رضي الله عنه).

وجاء في صحيح البخاري: عن مطرِّف أنَّ عامرًا حدَّثهُم عن أبى جُحَيْفة رضي الله عنه قال: قلت لعلي رضي الله عنه هل عندكم شيءٌ من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ قال: "والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أعلمه إلا فِهمًا يعطيه الله رجلًا في القرآن، وما في هذه الصحيفة؟"، قلت: وما في الصحيفة؟ قال: "العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يُقتل مسلم بكافر".

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال عمر رضي الله عنه: "كل أسير كان في أيدي المشركين من المسلمين ففكاكه من بيت مال المسلمين" (أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه).

وعن حميد بن عبد الرحمن قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لأن استنفذ رجلًا من المسلمين من أيدي الكفار أحب إليَّ من جزيرة العرب" وهذا فيه انقطاع.

وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية يراسل حاكم قبرص برسالةٍ طويلة يستعطفه في الأسرى المسلمين الذين في بلاده، ويستحثه في إخراجهم من أسرهم، وإعادتهم إلى بلادهم..

وهنا أنقل مقطع يسير من تلك الرسالة القبرصية قال رحمه الله تعالى: "..ومن العجب كل العجب أن يأسر النصارى قومًا غدرًا أو غير غدرٍ ولم يقاتلوهم، والمسيح يقول: [من لطمك على خدك الأيمن فأدِر له خدك الأيسر، ومن أخذ رداءك، فأعطه قميصك]؟! وكلما كثرت الأسرى عندكم كان أعظم لغضب الله تعالى، وغضب عباده المسلمين، فكيف يمكن السكوت على أسرى المسلمين في قبرص؟! سيما وعامة هؤلاء الأسرى قوم فقراء وضعفاء، ليس لهم من يسعى فيهم..." (الفتاوى: [28/625]).

فيا عجبًا من أولئك الذين لم يُحرِّك فيهم ذُلّ إخواننا، وضياع أعراضهم وأعراض نسائهم، لم يُحرِّك فيهم ساكنًا، بل تُبح أصواتهم وهم يصرخون في كلِّ ناد، وينعق في كلّ واد، يزعم أن أحرار وحرائر العراق ليسوا بحاجةٍ إلى جهاد الأبطال ومعاملة الشجعان، فعندهم من الرجال من يردع العدو ويصون العِرض ويحقن الدم!

أسأل الله أن يبرم لهذه الأمة أمرًا رشدًا يُعز فيه أهل الطاعة ويُذل فيه أهل المعصية، ويُؤمر فيه بالمعروف ويُنهى فيه عن المنكر، كما وأسأله أن يقيم علم الجهاد، ويقمع أهل البغي والفساد والعناد والنفاق.

اللهم عليك باليهود ومن هاودهم، والنصارى ومن ناصرهم، والشيوعين ومن شايعهم، والمشركين ومن شاركهم.

اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا، وفُك أسر إخواننا وأخواتنا يا رب العالمين.
 

المصدر: الموقع الرسمي للشيخ