وصايا قبل تناول دواء القلوب - (4) لحظة التأخير القاتلة

منذ 2015-09-01

تأخير المحاولة ليس في صالحك، وتأجيل جرعة الدواء عن ميعادها يزيد المرض رسوخًا، والمقاومة انهيارًا، والنفس إلفًا لما يضرها، وبغضًا لما ينفعها، لأن التأخير يمنح الفرصة للسم بأن يسري إلى القلب ويتمكن منه.

تأخير المحاولة ليس في صالحك، وتأجيل جرعة الدواء عن ميعادها يزيد المرض رسوخًا، والمقاومة انهيارًا، والنفس إلفًا لما يضرها، وبغضًا لما ينفعها، لأن التأخير يمنح الفرصة للسم بأن يسري إلى القلب ويتمكن منه. والقلب منبع الحياة، فينشأ عن ذلك أبشع الأثر، وبتأخِّرك عن تناول الجرعة المقررة مرة من بعد مرة ستصل حتما إلى الجرعة الحرجة التي لو لم تتناولها لمات قلبك في الحال، ولا عزاء في القلوب الغافلة!

أخي.. التسويف سم الأعمال وعدو الكمال، ومن ترك المبادرة اليوم وارتمى في أحضان (سوف) وقع فريسة لأسدين عظيمين: أحدهما تراكم ظلمة المعصية على قلبه حتى تصير رينًا وطبعًا وأقفالاً يستحيل معها الشفاء، والثاني: أن يباغته الموت فتضيع فرصة للنجاة، لذا صاح فيك الصاحب شرف الدين الأنصاري:

دع التسويفَ وامضِ إِلى المعالي *** بعزمٍ من ذبابِ السيفِ أمضى
وخـذْ في الجـدِّ وارفضْ من أبـاهُ *** من الأهليـن والإِخوانِ رَفْضـا
وأصـغِ لما أشـرتُ به فإِنـي *** صحبتُكَ منه كأسَ النصـحِ مَحْضـا

أخي المريض:
لا تشغل نفسك كثيرًا بسؤال: كيف حال قلبي الآن؟ وليكن همك الأول: هل بدأت رحلة العلاج أم ليس بعد؟ فإن هذا الطريق من مشى فيه خطوة تلقَّفته أيادي الرحمة الإلهية والعناية الربانية لتوصله إلى ألذ نهاية وفي سرعة البرق.

يا من اشتكى قلبه..
أوجع الألم حرقة الندم، ومن راقه طعم الأماني فاته أسمى المعالي، ومن أقلقه خوف الهلاك هجَرَ أرجو وسوف وعسى، ومن أيقن أن الأماني تُنقِص العقل عافت نفسه كل تأخير؛ وعلم أن المرء كلما كبر صعبت عليه المحاولة، ذلك أنه ليس أشد من فطام الكبير، ومن العناء رياضة الهَرِم.

أخي طالب الشفاء:
"إحالتك الأعمال على وجود الفراغ من رعونات النفس".
هكذا قالها ابن عطاء وصدق، فإن كنت تظن أن الشيطان سيعطيك مهلة للتوبة، أو سيمنحك الفرصة لتلتقط أنفاسك، أو سيتركك فارغًا لتراجع نفسك وتتعافى، فاعلم أنك واهم، فالعجل العجل.. والبدار البدار، واذكر أن الكسل آفة أعجز المرضى، وما بسقت فروع ندم إلا من بذرة كسل، ومن ملَّ الحركة حُرِم البركة، ومن أضاع الفرصة تجرَّع الغُصة، فخاطب نفسك بقولك: إن كان لك في الشفاء نصيب فالآن وإلا فهيهات، فإن من أجَّل أمره إلى الغد لم يفلح إلى الأبد، وفي المقابل: ما حُرِم مبادِر إلا فى النادر، فهيا.. الآن!.. وفي التو واللحظة.. ليس الأمر شاقًا.. ووالله ما هي إلا سفرة قلب وأنت على الفراش.. دون أن تفارق مكانك.. كل المطلوب منك أن تُشهِد ربك على إرادة الشفاء، وأن تبرم العقد معه على شراء العفو، وتقطع تذاكر الرجوع إليه، فإن فعلت.. فاجعل دون الوفاء بعهدك الموت!

وسر عن قريب واستجـب واجتنـب (غدا) *** وشمِّر عن الساق اجتهادا بنهضةِ
وكن صارما كالسيف فالموت في (عسى) *** وإياك (مهلاً) فهي أخطر علــةِ
وجُــذَّ بســيـف العـزم (سـوف) فإن تـجُــدْ *** تجِـدْ خيـرًا فالنفس إن جُدْتَ جَدَّتِ
 

كم عمرك الآن؟!
وفي ضوء نشاطك أو كسلك، ومبادرتك أو تقاعسك، وانتباهتك أو غفلتك تستطيع أن تحدِّد عمرك الحقيقي اليوم، وأعني بذلك عمرك المحسوب بميزان الإيمان لا بذاكرة الأيام، وبحساب الكرام البررة لا بسجلات موظَّف الحي الذي تسكنه، وهو ما قال به ابن القيم: 
" فما كان من وقته لله وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوبًا في حياته وإن عاش عيش البهائم، فإذا قطع وقته في الغفلة والسهو والأماني الباطلة، وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة، فموت هذا خير له من حياته، وإذا كان العبد وهو في الصلاة ليس له من صلاته إلا ما عقل منها، فليس له من عمره إلا ما كان فيه بالله ولله ".

تزوّجت البطالة بالتواني *** فأولدها غلامًا مع غلامة
فأما الابن سمَّـوْه بفقـر *** وأما البنت سمَّوْها ندامة 

المقال السابق
(3) داوم تصل
المقال التالي
(5) اختر دواءك بنفسك