أغير الله أتخذ وليًا

منذ 2009-05-16

وولاية المسلم للرسل وللمؤمنين نابعة من هذه الولاية وهذه الولاية متبادلة بين العبد وربه، ولاء العبد لله وتولي الله لعبده؛ {اللَّهُ ولِيُّ الَذِينَ آمَنُوا} [سورة البقرة: 257].


الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وبعد: فولاية المسلم لربه هي مسألة المسائل وأصل الأصول التي تتشعب عنها التصورات، وتنطلق منها المواقف.

وتزداد الحاجة للتركيز على هذا الأصل في غمرة الخلط الحاصل اليوم في ولاءات المسلمين، وفي غيابة فقدان هذا الأصل عند من أمسكوا بشيء من الأزمة، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

وهذا مقام مسافر فيه عرض لبعض مقتضيات هذه المسألة:

1- إفراد الله بالولاية: ويدل عليه قوله تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ ولِياً فَاطِرِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ} [سورة الأنعام: 14].

ويربي القرآن المسلم على تحديد هذا الأمر بينه وبين نفسه وأمام الآخرين بوضوح وجلاء {إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ الَذِي نَزَّلَ الكِتَابَ وهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} [الأعراف: 196].

وولاية المسلم للرسل وللمؤمنين نابعة من هذه الولاية وهذه الولاية متبادلة بين العبد وربه، ولاء العبد لله وتولي الله لعبده؛ {اللَّهُ ولِيُّ الَذِينَ آمَنُوا} [سورة البقرة: 257].

إذًا فولاء المسلم لا يصح أن يتجزأ شيء لله وشيء لغير الله.

2- إفراد الله بالعبادة: {قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيَايَ ومَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ} [سورة الأنعام: 162].

والإنصهار فيها حتى يصل العبد إلى الدرجة المبينة في حديث: «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشى بها» [صحيح البخاري].

3- توحيد مصدر التلقي: عن الله وحده الذي يقول : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} ويقول محذرًا: {اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} [الأعراف:3]. فمصدر التلقي إذن هو الوحي فقط وليس القوانين الكافرة أو عادات القبائل أو أعراف المجتمعات أو بيوت الأزياء. وحق التحليل والتحريم لله وحده وليس لأحد بعده سبحانه.

4- التحاكم إلى الله وحده: القاعدة: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ}. والإستفهام القرآني قوي إنكاري {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا} [الأنعام:114] والقرآن يحدد موقف المخالفين لهذه المسألة في آية {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ} [النساء:60].فكيف إذًا صار المبدأ عند البعض الإعتراض على أحكام الله؟ وكيف إذا آل أمر الآخرين إلى أن كرهوا ما أنزل الله، فأحبط أعمالهم؟!

5- توحيد الإنتماء إلى حزب الله (أهل السنة والجماعة): قال ابن القيم رحمه الله: "ومن صفات هؤلاء الغرباء التمسك بالسنة إذا رغب عنها الناس، وترك ما أحدثوه، وإن كان هو المعروف عندهم، وتجريد التوحيد وإن أنكر ذلك إكثر الناس، وترك الإنتساب إلى أحد غير الله ورسوله: لا شيخ، ولا طريقة، ولا مذهب، ولا طائفة، بل هؤلاء الغرباء منتسبون إلى الله بالعبودية له وحده، وإلى رسوله بالإتباع لما جاء به وحده، وهؤلاء هم القابضون على الجمر حقًا، وأكثر الناس -بل كلهم- لائم لهم". وتوحيد هذا الإنتماء يفيد كثيرا في تجميع الجهود وتوجيهها؛ لرفع شأن أهل الحق وصد كيد أهل الباطل.

6- إستبدال ولاية الله بالولاءات الجاهلية: كثيرون أولئك الذين لا يزالون يمتون بصلات وولاءات لأعداء الله بشكل جزئي أو كلي، قد يأخذ صورًا مادية أو معنوية.

على هؤلاء إن أرادوا النجاة من نار جهنم أن يستدبروا أهل الباطل ويولوا وجوههم لأهل الحق، وتبني دين الله عز وجل، وأن يقوم العزم في أنفسهم على عدم وصل حبال الكفار مرة أخرى.
كانت الولاءات في الجاهلية تتعدد بتعدد القبائل والعصبيات فلما جاء الإسلام أزالها وأبدلها بولاية الله، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حريصا كل الحرص على عدم تجديد وإحياء شعارات الجاهلية وولاءاتها في نفوس المسلمين.

روى البخاري رحمه الله تعالى تحت باب: ما ينهى من دعوى الجاهلية: عن جابر رضى الله عنه قال: «غزونا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد ثاب معه ناس من المهاجرين حتى كثروا وكان من المهاجرين رجل لعّاب (يلعب بالحراب) فكسع أنصاريًا، فغضب الأنصاري غضبًا شديدًا، حتى تداعوا، وقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: ما بال دعوى أهل الجاهلية،ثم قال: ما شأنهم. فأخبر بكسعة المهاجري الأنصاري، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعوها فإنها خبيثة» [صحيح البخاري].
ونظرة تقويمية للواقع تخبرنا أن ولاء كثير من العجائز في قعر بيوتهن خير وأحب إلى الله من كثير ممن ابتليت بهم الدعوة الإسلامية والذين تنازعتهم الولاءات للجاهلية من كل جانب {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر:29].

7- محبة أولياء الله وفي مقدمتهم محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم-: في الصحيح المسند من أسباب النزول، من رواية الطبراني في الصغير عن عائشة قالت: «جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله إنك لأحب إلي من نفسي وإنك لأحب إلي من أهلي ومالي وأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين وإني إذا دخلت الجنة خشيت ألا أراك فلم يرد عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- شيئًا حتى نزل جبريل عليه السلام بهذه الآية: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا * ذَٰلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ}».

وهذا يقوي الأواصر والروابط بين أفراد المسلمين وخلاياهم في المجتمع الإسلامي الكبير، ويقضي على دخائل النفس الخبيثة التي تنحرف بالمحبة في الله إلى أغراض أخرى، وذلك إذا والى كل مسلم أخاه، بحسب حاله من الإيمان والعمل الصالح.

8- تحمل الأذى في سبيل تحقيق ولاية الله: وقد جرت سنة الله بامتحان المؤمنين {مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [ال عمران:179].

ولابد أن يلاقي المؤمن في سبيل تحقيق ولاية الله أنواعًا من الأذى المادي والمعنوي -خصوصًا في هذا العصر- وانظر ماذا جمعت هذه الآية {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [ال عمران:186].

وقدوتنا -صلى الله عليه وسلم- يعبر لنا عما لقي في هذا السبيل: «لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، وأخفت في الله، وما يخاف أحد، ولقد أتت علي ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال» [عن أنس، صحيح الجامع].
قال ابن القيم في (المدارج): "فإذا أراد المؤمن الذي قد رزقه الله بصيرة في دينه وفقهًا في سنة رسوله وفهمًا في كتابه، أراد أن يسلك هذا الصراط فليوطن نفسه على قدح الجهال وأهل البدع فيه، وطعنهم عليه وإزرائهم به وتنفير الناس عنه وتحذيرهم منه كما كان سلفهم من الكفار يفعلون مع متبوعه وإمامه صلى الله عليه وسلم".

9- الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام: وهذه الخطوة ضرورية حماية لدين المسلم واستفادة من طاقاته في المجتمع الإسلامي وحرمان الكفار من ذلك مع ما في ذلك من الأذى النفسي والتغرب عن الأوطان وفراق الأهل والعشيرة.

وفي صحيح مسلم: عن أبي موسى رضي الله عنه قال: «بلغنا مخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان لي، أنا أصغرهما، أحدهما أبو بردة، والآخر أبو رهم، إما قال: بضعًا، وإما قال: ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلاً من قومي، قال: فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وأصحابه عنده، فقال جعفر: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعثنا هاهنا، وأمرنا بالإقامة فأقيموا معنا، قال: فأقمنا معه، حتى قدمنا جميعًا، قال: فوافقنا جميعًا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين افتتح خيبر، فأسهم لنا، أو قال: أعطانا منها، وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئًا، إلا لمن شهد معه إلا لأصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه، قسم لهم معهم، قال: فكان ناس من الناس يقولون لنا - يعنى لأهل السفينة- نحن سبقناكم إلى بالهجرة، قال: فدخلت أسماء بنت عميس وهي ممن قدم معنا، على حفصة زوج النبي زائرة، وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر إليه، فدخل عمر رضي الله عنه على حفصة وأسماء عندها، فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: أسماء بن عميس، قال عمر رضي الله عنه: الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟ فقالت أسماء: نعم فقال عمر: سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله -صلى الله عليه وسلم- منكم، فغضبت وقالت كلمة: كذبت يا عمر، كلا والله، كنتم مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم وكنا في دار أو في أرض البعداء البغضاء في الحبشة، وذلك في الله وفي رسوله صلى الله عليه وسلم، وأيم الله لا أطعم طعامًا ولا أشرب شرابًا حتى أذكر ما قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن كنا نؤذى ونخاف، سأذكر ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأسأله، ووالله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد على ذلك، قال: فلما جاء النبي -صلى الله عليه وسلم- قالت: يا نبي الله إن عمر قال كذا وكذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس بأحق بي منكم وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان) قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتونني أرسالاً يسألوننى عن هذا الحديث. ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو بردة: فقالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى وإنه ليستعيد هذا الحديث مني» [صحيح مسلم].

هذا الحديث العظيم في الجانب الإيجابي وفي الجانب السلبي نجد في الحديث الصحيح : «ولكن البائس سعد بن خولة. يرثي له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن مات بمكة» [صحيح البخاري] نقرأ الحديث ونحن نتوجع ونتألم عندما نرى آلاف الطاقات الإسلامية تعمل في تقوية أنظمة الكفار وأجهزتهم ونتساءل أين تسخير الطاقات والمواهب لخدمة هذا الدين.
أليس الولاء لله يمنع من تقوية الكفار ومناصرتهم والإقامة بين أظهرهم.

10- رفض موالاة الكفار أو التحالف معهم: لا يجتمع حب الله وحب أعداء الله في قلب مسلم أبدًا، وما حلاّ في قلب إلا تدافعا حتى يخرج أحدهم صاحبه: أتحب أعداء الحبيب وتدعي حبا له ما ذاك في إمكان وتحقيق الولاية يقتضي بغض الكفار وعدم توليهم : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا} [النساء:144].

وتتضح خطورة هذا الأمر في قوله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة:51].

قال العلامة صديق حسن خان في كتابه العبرة مما جاء في الغزوة والشهادة والهجرة، ص 243: "وأما القوم الذين في بلاد المسلمين ويدعون أنهم من رعية النصارى ويرضون بذلك ويفرحون به وأنهم يتخذون لسفنهم بيارق وهي التي تسمى الرايات مثل رايات النصارى إعلامًا منهم بأنهم من رعاياهم فهؤلاء قوم أشربوا حب النصارى في قلوبهم... وقصروا نظرهم على عمارة الدنيا وجمعها... وأن النصارى أقوم لحفظها ورعايتها. فإن كان القوم المذكورون جهالاً يعتقدون رفعة دين الإسلام وعلوه على جميع الأديان وأن أحكامه أقوم الأحكام وليس في قلوبهم مع ذلك تعظيم للكفر وأربابه (ما أصعب هذه الشروط!) فهم باقون على أحكام الإسلام لكنهم فساق مرتكبون لخطب كبير يجب تعزيرهم عليه وتأديبهم وتنكيلهم، وإن كانوا علماء بأحكام الإسلام، ومع ذلك صدر منهم ما ذكر فيستتابوا فإن رجعوا عن ذلك وتابوا إلى الله، وإلا فهم مارقون... فإن اعتقدوا تعظيم الكفر ارتدوا وجرى عليهم أحكام المرتد" اهـ.

وانظر للتقريع في هذه الآية : {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} [النساء:138-139].

إن هذه المواقف القلبية لبعض المسلمين تجاه الكفار تناقض ولاية الله. إلى هؤلاء نسوق هذا النص لفقهائنا: في (الروضة النواوية) في باب الردة: ولو قال معلم الصبيان أن اليهود خير من المسلمين بكثير لأنهم يقضون حقوق معلمي صبيانهم كَفَرَ. انتهي.

إذن لابد من بغض الكفار وعداوتهم ولكي تتحقق ولاية الله لا بد من:

11- مفاصلة الكفار واتخاذ المواقف منهم: إذا كانت ولاية المؤمن تقتضي موالاة أحبابه ومعاداة أعدائه فعليه لا تجوز موادة الكافر ولو كان أخًا شقيقًا ونحب أخا الإسلام ولو كان حبشيًا أو روميًا أو فارسيًا أو قوقازيًا... وفقه الصحابة لمسألة المفاصلة عظيم فهمًا وتطبيقًا.

قال ابن حجر رحمه الله في ترجمة عامر بن عبد الله الجراح، وهو أبو عبيدة في (الإصابة): "نزلت فيه {لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة:22] الآية، وهو فيما أخرج الطبراني بسند جيد عن عبد الله بن شوذب قال: جعل والد أبي عبيدة يتصدى لأبي عبيدة يوم بدر فيحيد عنه، فلما أكثر، قصده فقتله فنزلت"، وألفاظ القصة تغني عن التعليق عليها.

ولم تقتصر المفاصلة واتخاذ المواقف من الكفار على مسألة القتال فقط، ففي حديث إسلام ثمامة سيد اليمامة في (صحيح البخاري): «ثم دخل المسجد فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان من دين أبغض علي من دينك فأصبح دينك أحب الدين إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد إلي»، (ثم ذهب ليعتمر في مكة فقال لكفار قريش): «لا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم» [صحيح البخاري].

الله أكبر، كم في هذا الموقف من عجب... رجل يسلم لتوه فيفهم أن ولايته لله تفرض عليه أن يفاصل الكفار ويعبر عن عدائهم وهو بين أظهرهم ويصارحهم بموقفه منهم في وجوههم.

اللهم مِنّ علينا بولايتك وتولنا برحمتك وارزقنا حب أوليائك وبغض أعدائك، والحمد لله أولاً وآخرًا.


الشيخ/ محمد صالح المنجد
مجلة البيان العدد22،23


المصدر: مجلة البيان

محمد صالح المنجد

أحد طلبة العلم والدعاة المتميزين بالسعودية. وهو من تلاميذ العالم الإمام عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه.