يوسف من البئر إلى الملك - [07] يوسف في السجن - الجزء الثاني

منذ 2015-11-16

{وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} [يوسف:42] وكم في السجن من كآبة وضيق وظلم وظلام يجعل السجين يشتاق للخروج، وكأنه يشتاق للعافية بعد المرض بل للحياة بعد الموت، وكلما خرج من السجن أحد بعفو أو قضاء مدة؛ اشتد هذا الشوق والحنين إلى الخروج.

تدبير الله أحكم

{وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} [يوسف:42]

وكم في السجن من كآبة وضيق وظلم وظلام يجعل السجين يشتاق للخروج، وكأنه يشتاق للعافية بعد المرض بل للحياة بعد الموت، وكلما خرج من السجن أحد بعفو أو قضاء مدة؛ اشتد هذا الشوق والحنين إلى الخروج.

فإذا كان هذا الخارج من ندماء الملك الذي يسقيه خمرًا وهو الذي عليه نعمة يرُبُّها عليه يوسف، فلتكن فرصة ينتهزها عليه السلام {اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} [يوسف: 42] ويخرج الساقي من السجن وينتظر يوسف نتيجة مسعاه وتدبيره ويلبث في السجن بضع سنين.

ويفاجأ عليه السلام بتدبير الله الذي حقق له ما كان يرجو وزيادة:

-  لقد كان مقتضى تدبير يوسف لنفسه أن يخرج بالتماس منه، ويكون المنُّ لمن أخرجه أو كان سببًا في إخراجه.

-  وكان تدبير الله له أن يخرج مطلوبًا لا طالبًا، ومنُّ الله على عبده عزٌ، ومنُّ العبد على العبد تأباه عزة المؤمن، فقد بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه ألا يسألوا الناس شيئًا.

-  وخرج يوسف عليه السلام مبرأ صادقًا أمينًا، بشهادة قميصه وشهادة النسوة وشهادة امرأة العزيز {الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} [يوسف:51]، وشهادة العزيز{إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} [يوسف:54]، وعبرة أولى الألباب تقول: "القدر لايجري حسب تدبيرك، بل أكثر ما يكون ما لا تدبير لك فيه، وأقل مايكون ما أنت له مدبر، والعاقل لايبني على غير قرار" {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق:3]

ربما دبرت أمرًا ظننت أنه لك، فكان عليك.

ربما كمنت المنن في المحن، والمحن في المنن.

علمك بأنك ملك الله وليس لك تدبير ماهو لغيرك، فما ليس لك ملكه ليس لك تدبيره.

علمك بأنك في ضيافة الله لأن الدنيا دار الله، وأنت نازل عليه، ومن حق الضيف ألا يعول همًا مع رب المنزل.

{اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} [يوسف:42]

وقد يعني ذلك معاودة إثارة القضيه حتى لاتنسى، حيث إن السجن في ذلك العهد لم يكن مضبوطًا بسجل فيه أسماء المساجين وأسباب سجنهم والمدة المسجون إليها، ولا كان من السجانين ولا ممن فوقهم من يتعهد أسباب السجن ويتفقد المساجين ليرفع إلى الملك في يوم من الأسبوع أو العام، وذلك كما قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: "وقد يعني ذلك فتح قنوات التفاهم مع الحاكم، حتى كان هذا الحاكم هو الذي سجنه على براءته لأنه ماذا يعني انغلاق الطرفين إلا تجمد الأوضاع والأحوال، وفتح الباب للوشايات وكل طرف يصدق مايصل إليه عن الطرف الآخر من قيل وقال، ويبني على ذلك قرارته، وتزداد الفجوات وتتراكم الانسدادات وتصل الأمور إلى ماقاله الله سبحانه وتعالى في شأن المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم:{ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ} [فصلت:4]

وكم رسَّبت في نفوسنا سنوات التحقيقات والتعذيب، والإهانة وغسيل المخ، والمحاكمات الظالمة، التي كان فيها وكلاء النيابة وممثلو الادعاء والقضاء أعداء لنا، كم رسَّبت فينا علاقة وحيدة هي العداء المتجدد والعميق الذي يزيد رصيده كل يوم، بل كل ساعة وكم انتظرنا ساعة الخلاص من السجن الحربي حتى نتنفس الصعداء في السجون المدنية، لنعامل فيها معاملة السجناء المدنين، فإذا بنا نلقى من المعاملة ماجعلنا نتساءل عن سر عدم المساواة بيننا وبين عتاة المجرمين والقتلة وأصحاب التأبيدات فلم تكن هناك إجابة إلا أننا في نظر إدارة السجن أكثر إجرامًا من هؤلاء.

{ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} [ يوسف:42]

ينتظر موعود الساقي الذي ربما شرب مع ربه، فنسى ذكر يوسف عليه السلام عنده، وفي يوم طال انتظاره، يأتي إلى السجن وفد من القصر الملكي يطلب مقابلة يوسف عليه السلام في مهمة ملكية، يقوم بها الساقي مرسلًا من قبل الملك إلى يوسف عليه السلام ولماذا الساقي دون غيره؟ لأنه يعرف المكان والشخص، حيث إن السجون لم تكن بالنظام الذي يسهل معه الاستدلال على أي مسجون، وهل هذه أول بادرة من قبل النظام الملكي ترد على مبادرة يوسف عليه السلام، يفتح قنوات الحوار الذي بدأ قبل بضع سنين من قبل يوسف عليه السلام حيث قال للذي نجا {اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ}  وبماذا يستقبل يوسف عليه السلام هذه المبادرة؟

أيستقبلها على خلفية الشعور بعدم الانتماء لهذا المجتمع، وهو العبراني أو الكنعاني؟ أيستقبلها على خلفية المعاناة التي بدأ بها خادمًا مملوكا في بيت العزيز، حيث الفتنة والإغراء ومنه إلى السجن حيث الظلم والظلام والحرمان من الحرية والحياة، وقبل ذلك معركة كيد إخوته له التي أسلمته إلى الجُب.

أحسن إلى من ظلمك

{يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ} [يوسف:46]

بلا مقدمة يعتذر فيها الساقي عن التأخير، كل هذه المدة وبلا استفسار أو سؤال من يوسف عليه السلام، عمن رأى الرؤيا؟ ولا عما تم بشأن عجز المؤولين عن تأويلها؟ ولا طلب الخرج معه إلى الملك، ليؤولها له بنفسه، شفاهة دون نقل قد يخطئ فيه ناقلة، بل حتى لم يكتف بالتأويل، ولكنه تحرى محاسن التأويل على غرار من يتحرى محاسن الفتوى، فجعل التأويل في ثنايا حل المشكلة الاقتصادية التي تشير إليها الرؤيا، قال: {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا} [يوسف:47] وماذا لو أن يوسف عليه السلام اكتفى بتأويل الرؤيا بأن السبع السمان والسبع الخضر هن سنوات الخصب والوفرة، وأن السبع العجاف اليابسات هن سنوات القحط ونقص الثمرات وهذا هو مطلوب الملك، وعليه بعد ذلك أن يحل هذه المشكلة.

وقد يظن الملك أن الحل يتجه إلى المشكلة السكانية وأن الانفجار السكاني هو السبب في التهام الخصب والوفرة، وعليه فإن تنظيم النسل واجب قومي تتعاون في التوعية به وزارات الصحة والإعلام والتعليم، ويُعتبر الزواج المبكر مشكلة، فلابد من وضع العراقيل في طريق الزواج حتى لا يستطيع ذوو الدخل المحدود الزواج قبل سن 35 سنة وتتحول المشكلة الاقتصادية إلى مشكلة أخلاقية تلجأ إلى علاقات الحرام كالمخادنة والزواج العرفي وزواج المسيار.

ويوفر يوسف عليه السلام على الملك التفكير في علاج المشكلة فيتجه بالحل إلى جهة ترشيد الإنفاق والادخار من سنين الرخاء والوفرة إلى سنين القحط، لنأخذ من السعة للضيق فلا سعة تطغى، ولا ضيق ينسى {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا . إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا} [الإسراء:29-30].

وما حاجة الملك إلى يوسف عليه السلام بعد أن وصله تأويل الرؤيا ومعها الحل ليقول {ائْتُونِي بِهِ} [يوسف:50]، هل يريده للأمر الذي أراده ممن قال لهم {يأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} [يوسف:43] فيلحق بالملأ الذين هم أهل مشورته؛ تقديرًا لعلمه بتأويل الأحاديث وخبرته الاقتصاديه؟ وسواء كان هذا أو ذاك فإن: {ائْتُونِي بِهِ} أمر ملكي بإحضار مسجون من سجنه إلى الحضرة الملكية، وهو شرف يتمناه أصحاب القصور لأصحاب الزنازين وأصحاب المناصب العالية، لا المساجين االذين لا يملكون حريتهم.

هل يمكن أن يفهم الأمر الملكي عند من يحمله إلا أنه أمر للتنفيذ فعليه أن يأتي بيوسف عليه السلام إلى الملك وكذا المسؤول عن السجن لا يستطيع أن يمتنع عن تنفيذ الأمر الملكي، فإذا انتهى الأمر إلى أن يرجع رسول الملك بأمر من يوسف عليه السلام {ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} [يوسف:50] ينفذه الملك {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ} [يوسف:51] وينقلب الأمر من مسجون مأمور إلى مسجون آمر، ومن ملك آمر إلى ملك مأمور، ينفذ ما طلبه المسجون دونما مؤاخذة أو حساب للمأمورين الذين لم يأتوا بيوسف عليه السلام إلى الملك.

هل يمكن أن يتصور أحد من السابقين أو اللاحقين على أي بقعة من أرض الله، أو أن يسمع أو يرى ما كان من شأن يوسف عليه السلام هذا مع الملك ولولا أن القرآن هو الذي قص علينا هذا ما كان هناك سبيل إلى تخيله، إن أحدًا من المساجين في أي زمان أو مكان لا يتصور أن تصل علاقته في السجن إلى أكثر من (شاويش) العنبر، أو العسكري الحارس، أما أن تصل العلاقة مباشرة بين السجين وموفد الملك ليقول له {ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ} [يوسف:50]  فهذا ما يحتاج إلى تدبر طويل وعميق.

إن يوسف عليه السلام واتته فرصة الاتصال بالملك عن طريق الساقي، فطلب إليه أن يذكره عند ربه فلبث في السجن بضع سنين حتى أتاه الساقي يستفتيه في رؤيا الملك، وها قد جاءه رسول الملك، أليست هذه فرصة أجدر أن تنتهز قبل أن تفوت؟ ألا يحتمل أن يرجع الساقي إلى الملك فيسأله عما سأل عنه يوسف فيجدد ذلك ذكريات يجب أن تنسى فلا تذكر؟

وليبق يوسف في سجنه وتبق الفضيحة مسجونة فيموت الحديث عنها، أو أن يستكثر الملك ألا ينفذ أمره كما أراد ويعتبر ذلك إهانة لسلطانه وقد يسبق منطق السلطة والقوة منطق الحكمة والعقل على غرار { لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [النمل:21].

 كل هذا  لم يشغل بال يوسف عليه السلام والله أعلم بقدر ما شغل باله قبل وبعد، أما قبل فحين هدد {وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ} [يوسف:32]، فكان رده {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} [يوسف:33] وأما بعد فحينما جاءه رسول الملك ليأتيه به، كان رده {ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} [يوسف:50] لتنطق النسوة {حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ} [يوسف:51] ولتقول امرأة العزيز {الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ . ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ} [ يوسف:51-52].

إن قول يوسف عليه السلام {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} [يوسف:33] تعنى اختبارا بين الاستقامة والانحراف فإذا وقع السجن صار الاختبار بين الصدق والكذب {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت:3] وكل وقت يمر، بل كل يوم يمر يستطع يوسف عليه السلام وكل من هو في محنة يوسف، أن يطمئن على صدقه بأن يبعد على نفسه ما عاهد ربه عليه فيتأكد صدقه يوما بعد يوم، ومن هنا يمكن أن ندرك الفرق بين خطاب وخطاب، خطاب الفتى أول ما دخل السجن مع يوسف {نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف:36] أم حين جاءه برؤيا الملك بعد سني السجن كان خطابه {يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا} [يوسف:46] والصديق لفظ جامع لمعاني الكمال واستقامة السلوك في طاعة الله تعالى، ويقول الأصفهاني في مفردات القرآن " الصديقون هم دون الأنبياء".

 

د. محمد عبد المعطي الجزار.

المقال السابق
[06] يوسف في السجن - الجزء الأول
المقال التالي
[08] يوسف في السجن - الجزء الثالث