فقهاء الشريعة في مواجهة الاستبداد - المتغلب بلا مستند شرعي

منذ 2015-12-23

نظرا لبعد الأمة فترة طويلة عن حكم الشورى، ومنعها حقها في اختيار ولاة أمورها، حتى أنها قبل تغيب شريعتها عن الحكم، وقعت زمنا تحت الحكم الجبري كما أخبر بذلك الصادق المصدوق ﷺ. فكان أول ما تغير من شأن الشريعة والإسلام سلب حق الأمة وحريتها في اختيار من يلي شأنها؛ فعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ : «لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة .... أولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة» (رواه أحمد وغيره وصححه غير واحد).

ومن ثم استلمت الأمة لحالة القهر، حتى صار البعض اليوم يبحث في الأدلة وأقوال من سبق من العلماء المعتبرين ليشرع لولاية المتغلب القاهر للأمة وكأنها الأصل المعتبر الذي لا ينبغي تعديه. ولم يتفطنوا إلى أن تمرير ولاية المتغلب على وجه الضرورة، يقتضى تحريم تلك الولاية أصالة.

ثم اختلط عليهم الأمر، فأتوا بالآثار الواردة بالسمع والطاعة وجعلوها في حق العاصي المتغلب، وزعموا أن السنة تأمر بهذا. وإنما هي آثار تأمر بطاعة ولي الأمر الذي جاء على الوجه الذي بينته الشريعة، فالشريعة لا تأمر بمتابعة العاصي الباغي وطاعته. 

والبعض تهور وبلغ به الضلال مداه فأجرى أوامر الشريعة بالسمع والطاعة لولاة الأمور في حق الكافر الأصلي، وبعضهم أنكر قوله ﷺ : «ما أقام فيكم كتاب الله» ، وادعى أن الحكم بالشريعة ليس شرطا في صحة الولاية.
والأمر كما قال ابن الوزير اليماني أن من يقول بولاية المتغلب من الابتداء يحتاج إلى دليل.

فلما ضاق عليهم الأمر؛ استدلوا بما ورد عن العرباض بن سارية قال : قال رسول الله ﷺ : «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي» .... الحديث.

على اعتبار أن لفظة : تأمر يفهم منها التسلط والقهر والغلبة، كما أن العبد لا يولى شأن الأمة بالاختيار ابتداء، فمن ثم لن يكون هذا إلا بغلبتها وقهرها.

إلا أن تلك اللفظة شاذة (ضعيفة)؛ والمحفوظ (الصحيح الثابت) هو : (أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة ولو كان عبدا حبشيا، أو : وإن عبدا حبشيا، أو إن أمر عليكم عبدا حبشيا) وكلها بمعنى : استعمل أو عين من قبل الإمام ، لا أنه تسلط وقهر الناس.

يؤكد هذا المعنى ما رواه البخاري (7142) وأحمد من حديث أنس بلفظ : «اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي، كأن رأسه زبيبة» .

وكذلك حديث أم الحصين عند مسلم : «إن أمر عليكم عبد حبشي فاسمعوا له وأطيعوا ما قادكم بكتاب الله»  بصيغة البناء للمجهول، وهو ما يقتضى أن هناك من عينه، لا أنه تسلق الأمر بالقوة. ورواه مسلم أيضا بلفظ : (لو استعمل عليكم عبد...)الحديث.

فالأمر هنا بالسمع والطاعة إذا استعمل الإمام من كان بهذه الصفة وعدم التمرد عليه. لا لتجويز التغلب والخضوع له.

قال الحافظ : استعمل بضم المثناة على البناء للمجهول أي جعل عاملا بأن أمر إمارة عامة على البلد مثلا أو ولي فيها ولاية خاصة كالإمامة في الصلاة أو جباية الخراج أو مباشرة الحرب. 

قال الخطابي في معالم السنن (4/ 300): قوله وإن عبداً حبشياً يريد به طاعة من ولاه الإمام عليكم وإن كان عبداً حبشياً،... وقد يضرب المثل في الشيء بما لا يكاد يصح منه الوجود.

وعود على بدء؛ وهو البحث في بيان شذوذ لفظة : (تأمر ) الواردة في حديث العرباض رضي الله عنه.
وبيان ذلك إجمالا :

حديث العرباض رواه عنه ستة من التابعين،  خمسة منهم لم تأت في روايتهم لفظة : (تأمر)، وإنما روى بألفاظ : (وإن كان عبدا حبشيا) ونحوها مما ذكرناه آنفا.

والأخير وهو عبد الرحمن بن عمرو السلمي فرواه عنه اثنان ضمرة بن حبيب، خالد بن معدان، الأول رواه كرواية الخمسة الآخرين، وأما الثاني : (خالد) فرواه عنه اثنان أيضا بحير بن سعد وجاءت روايته كرواية المجموع، وأما الثاني فهو ثور بن يزيد، فرواه عنه جمع منهم أبو عاصم النبيل كراوية المجموع أيضا بدون اللفظة التي يستدل بها دعاة التغلب؛ ورواه عن أبي عاصم النبيل جمع منهم العباس بن محمد الدوري وهو الوحيد الذي قال فيه : (أوصيكم بالسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي)، أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (10/ 195) ونص على أنه لفظ الدوري. ودونه لم تأت هذه اللفظة.

ولذلك فإن الشيخ الألباني في الإرواء بعد أن تقصى العديد من طرق الحديث قال: لم أر في جميع الطرق لفظ : (وإن تأمر). وكلهم قالوا : " وإن عبدا حبشيا". 

غير أنا وجدناها عند البيهقي، تفرد بها العباس بن محمد؛ وهو ما يجعلها لفظة شاذة حسب ما تقتضيه القواعد الحديثية. بل إن نفس رواية العباس بن محمد هذه التي أخرجها البيهقي عن الحاكم، رواها الحاكم في المستدرك بلفظ : (وإن أمر عليكم) بصيغة البناء ؛ فالله أعلم.

ولهذا لم يعتبر أهل العلم شرعية لمتغلب، وإنما تعاملوا معه من باب الضرورة أو ما يعرف في العلوم السياسية اليوم بسلطة الأمر الواقع. وحديث العرباض نفسه يشير إلى ذلك، وهو ما سنعرض له في مقال تالي؛ إن شاء الله تعالى.

 
المقال التالي
ولاية المتغلب شريعة الفرس والروم