فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج

منذ 2009-11-14

أمر الله تعالى باتخاذ الزاد، وقد نزلت في طائفة من العرب كانت تجيء إلى الحج بلا زاد، ويقولون: نحن المتوكلون، كيف نحج بيت الله ولا يطعمنا؟



بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله؛ وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:

فقد ذكر الله في كتابه من فرائض الحج وسننه وأركانه ومستحباته وآدابه ما يدل على عنايته تعالى بهذه العبارات ألعظيمه والشعيرة الجليلة؛ إذ بسط في تفاصيل ذلك وبينه أتم بيان.

ومن ذلك قوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [سورة البقره: 197]؛ فقد بين الله في هذه الايه أشهر الحج التي يصحُّ الإحرام بالحج فيها؛ وهي شوال وذو القعدة وعشرة من ذي الحجة على الصحيح من أقوال أهل العلم.


وكان كثير من الصحابة والتابعين يستحبون أن تكون هذه الأشهر خالصة للحج، ولذلك كرهوا العمرة فيها، يروى ذلك عن عمر وعثمان وابن مسعود والقاسم وابن سيرين وغيرهم.

وذكر تعالى أن من نوى الحج فقد أوجبه على نفسه، ولذا يلزم التقيد بقيود الحج والالتزام بأحكام وفق ما جاء في الكتاب والسنة ففي قوله تعالى: {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} [سورة البقرة: 197]، قال جرير رحمه الله: "أجمعوا على المراد من الفرض ها هنا: الإيجاب والإلزام".

وقال الشافعي وأحمد: "تكفي النية في الإحرام بالحج".


{فَلَا رَفَثَ} [سورة البقرة: 197].
أي من أحرم بالحج أو العمرة فعليه أن يجتنب الرفث، وهو: الجماع لقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ} [سورة البقرة: 187]، ومقدمات الجماع ودواعيه من المباشرة والضم والتقليل ونحو ذلك.

والإفحاش إلى المرأة بالكلام في شأن الجماع كأن يقول لها: "إذا أحللت أصبتك وفعلت بك كذا وكذا".

فالرفث على ذلك: "اسم جامع لكل لغو، وفجر من الكلام، ومغازلة النساء، ومداعبتهن والتحدث في شأن الجماع".

قال الشيخ ابن عثيمن رضي الله تعالى عنه: "والجماع أشد محظورات الإحرام تأثيرا على الحج، وله حالان:

الأول: أن يكون قبل التحلل الأول -أي قبل رمي جمرات العقبة والحلق وطواف الإفاضه يوم النحر-فيترتب عليه شيئان:

أ- وجوب الفدية، وهي بدنة أو بقرة تجزي في الأضحية، يذبحها ويفرقها كلها على الفقراء، ولا يأكل منها شيئا.

ب- فساد الحج الذي حصل فيه الجماع، لكن يلزم إتمامه وقضاؤه من السنة القادمة بدون تأخير.

ولا يفسد النسك في باقي المحظورات.

الثاني: أن يكون الجماع بعد التحلل الأول، أى بعد رمي جمرة العقبة والحلق وقبل طواف الإفاضة، فالحج صحيح، لكن يلزمه شيئان -على المشهور من المذهب-:

أن يخرج إلى الحل، أي: إلى ما وراء حدود الحرم، فيجدد إحرامه، ويلبس إزارًا ورداء، ليطوف للإفاضة محرما.

{وَلَا فُسُوقَ}
وإذا كان الفسوق منهياً عنه على الدوام فإن النهي عنه في الحج يكون اشد وأعظم.

والفسوق هو الخروج عن الطاعة, وتعدي حدود الله تعالى, وقد اختلف في المراد به في الآية على أقوال:

الأول: التنابز بالألقاب, لقوله سبحانه وتعالى: {وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ} [سورة الحجرات: 11].

الثاني: السباب, لقوله صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق, وقتاله كفر» [رواه البخاري ومسلم].

الثالث: الإيذاء والإفحاش, لقوله سبحانه وتعالى: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} [سورة البقرة: 282].

الرابع: والذبح للأصنام, فإن أهل الجاهلية كانوا في حجهم يذبحون لأجل الأصنام، وقد قال الله تعالي: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [سورة الأنعام: 121]، وقوله: {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [سورة الأنعام: 145].

الخامس: وهو الصحيح أن الفسوق في الآية يشمل جميع المعاصي، قال ابن عمر رضي الله عنهما: "الفسوق: ما أصيب من معاصي الله صيدا أو غيره"، وكان يقول: "هو إتيان معاصي الله في الحرم".


قال ابن كثير: "والذين قالوا الفسوق ها هنا هو جميع المعاصي الصواب معهم، كما نهى تعالى عن الظلم في الأشهر الحرم، وإن كان في جميع السنة منهيًا عنه، إلا أنه في الأشهر الحرم آكد، ولهذا قال: {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} [سورة التوبة: 36]، وقال في الحرم: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [سورة الحج: 25].

وقد ثبت في البخاري من حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم: «من حج لله، فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه» [رواه البخاري].

{وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [سورة البقرة: 197].
والجدال في الحج هو المخاصمة والتنازع في مناسك الحج بما لا نفع فيه مما يورث الضغائن والأحقاد، فإن الله تعالى بين هذه المناسك وأوضحها؛ فلا معنى بعد ذلك للخصومات والمراء، وقد ورد أن قريشًا إذا اجتمعوا بمنى قال بعضهم: "حجنا أتم"، وقال آخرون: "بل حجنا أتم"، وورد أنهم كانوا يتمارون في أيام الحج، فيقول بعضهم: "الحج اليوم"، فنهاهم الله عن ذلك.

وروى عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله تعالى عنه قالا: "الجدال في الحج :أن تمارى صاحبك حتى تغضبه"، وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنه: "معناه :السباب والمنازعة". وعن عكرمة رضي الله تعالى عنه: "الجدال: أن تغضب عليك مسلما".

{وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ}
لما نهاهم عن إتيان القبيح قولا وفعلا، حثهم على فعل الجميل، وأخبرهم أنه عالم، وسيجزيهم عليه أفضل الجزاء يوم القيامة، فقال: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} ، قال القرطبي: "هذا تحريض وحث على حسن الكلام مكان الفحش، وفعل البر والتقوى في الأخلاق مكان الفسوق والجدال".

{وَتَزَوَّدُوا}
أمر الله تعالى باتخاذ الزاد، وقد نزلت في طائفة من العرب كانت تجيء إلى الحج بلا زاد، ويقولون: نحن المتوكلون، كيف نحج بيت الله ولا يطعمنا؟، فكانوا يبقون عالة على الناس فنهوا عن ذلك، وأمروا باتخاذ الزاد من الدقيق والسويق والكعك.

{فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ}
لما أمرهم باتخاذ الزاد الدنيوي الذي هو قوام البدن، أرشدهم إلى الزاد الأخروي الذي هو قوام القلب، وبين لهم أن هذا هو خير الزاد وأنفعه كما قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ} [سورة الأعراف: 26].


وفي هذه تنبيه على إن هذه الدار ليست بدار قرار كما قيل:

إذا أنت ترحل بزاد من التقى *** ولا لاقيت بعد الموت من قدر تزودا
ندمت على ألا تكون *** كمثله وإنك لم ترصد كما كان أرصدا



تخويف وتحذير لأصحاب العقول والأفهام من عقاب الله وعذابه ونكاله، وخص هؤلاء من قامت حجة الله عليهم وهم أشد الناس معرفة بالله عز وجل وبما أعد لأوليائه من النعيم المقيم؛ ولأعدائه من العذاب الأليم.
{وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}
المصدر: دار الوطن