ردٌّ لطيف على الصحفي فهد الأحمدي في فهم (أوهن البيوت)

منذ 2016-01-23

إن هذا القول المعاصر يدَّعي أن بيت العنكبوت هو بيت الأنثى، وأنها تفترس ذكرها وأولادها، وهذا موطن قوة فيها، وإنما الوهن هو الذكر، فكيف يستقيم وصف بيت الأنثى القوية بالوهن؟!

اطلعت على مقالة للأستاذ فهد الأحمدي فيها تفسير لقوله تعالى: {كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ[العنكبوت:41] يقول: 
"يعتقد معظمنا خطأ أن "شبكة العنكبوت" هي "بيت العنكبوت" الذي يعيش ويستقر فيه، ولكن الحقيقة هي أن العنكبوت يعيش في كل مكان وبالتالي قد يكون بيته داخل الجحور أو الشقوق والصدوع أو تحت الماء والصخور أو حتى في أعالي الجبال والأشجار أما شبكة العنكبوت التي نراها كثيرا في زوايا الجدران والمواقع المظلمة فهي مجرد مصيدة للفرائس تبنيها العنكبوت في موقع لا يبتعد عن بيتها كثيرًا.

وهذه الحقيقة قد تمنحنا فهما أفضل لحقيقة البيت الذي ورد ذكره في قوله تعالى {كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ[العنكبوت:41]. فهذه الآية تشير صراحة إلى وهن بيت العنكبوت وأنه يأتي كأكثر البيوت ضعفاً وهشاشة، ولكن ما نعرفه الآن أن العنكبوت قد يعيش داخل مواقع حصينة وصدوع صلبة أو على عمق كبير من سطح الأرض، وحتى في حال الإصرار على أن البيت المقصود هو شبكته الحريرية نشير الى أن خيط العنكبوت أقوى من خيوط الفولاذ وجميع المعادن المعروفة من حيث مادته النقية وسماكته المجهرية.

فالخيوط الحريرية التي يفرزها العنكبوت لو جمعت في سماكة الأصبع لاستطاعت حمل طائرة ضخمة بكامل ركابها. فرغم أن خيط العنكبوت يبدو ضعيفاً وواهيًا إلا أنه مقارنة بسماكته التي تقل 400 مرة عن شعرة الانسان على درجة عالية من القوة والمرونة لدرجة أن الجيش الأمريكي يصنع منها ملابس مضادة للانفجارات. فهذا الخيط المصنوع من سائل بروتيني يتصلب عند ملامسته للهواء يمكنه التمدد إلى خمسة أضعاف طوله قبل أن ينقطع.

ضف لهذا أنه مقارنة بوزنه وحجمه أقوى من الفولاذ بـ 20 مرة والألمنيوم بـ 29 مرة وتبلغ قوة احتماله 300.000 رطلاً للبوصة المربعة، وهو ما دعا العلماء لتسميته بـ "الفولاذ الحيوي" أو "الفولاذ البيولوجي" أو "البيوصلب".

وكل هذه الحقائق تستطيع اكتشافها بنفسك حيث يمكنك بسهولة إزاحة شبكة العنكبوت بسبب وزنها الخفيف ولكن يستحيل عليك قطعها أو تمزيقها أو تغيير شكلها الهندسي!

السؤال هو: كيف نوفق إذا بين "وهن البيت" في الآية الكريمة مقابل عيشه في مواقع منيعة وصلبة، ناهيك عن "قوة المادة" التي يبني منها شبكته؟!

 قبل الإجابة على هذا السؤال لاحظ أن كلمة العنكبوت وردت في الآية الكريمة بصيغة التأنيث لا التذكير (اتخذت بيتاً). فالعلماء لم يكتشفوا إلا مؤخرا أن أنثى العنكبوت هي من تتخذ البيت للسكن والتفريخ وهي من تفرز الخيوط الحريرية وتغزل شبكة الصيد للإيقاع بالفريسة.

وفي المقابل يقتصر دور الذكر على "المسيار" والارتماء عند قدمي الأنثى كي (تأكله) بعد انتهائه من تلقيحها.. وهذا المصير المخيف يوحي بأن المقصود في الآية الكريمة هو وهن البيت من الناحية الأسرية والأخلاقية، لا المادية والإنشائية.. فحتى بالمقارنة مع عالم الحشرات يعد بيت العنكبوت من "أوهن البيوت" من حيث الروابط الأسرية والمبادئ الأخلاقية وسيادة الخيانة والغدر والقسوة؛ فالأنثى تأكل الذكر بعد التلقيح وتأكل أبناءها بعد خروجهم من البيض كما يأكل الاخوة بعضهم البعض كلما سنحت لهم الفرصة!!

والتفريق بين وهن البيت كوصف مجازي وقوة المادة التي يبنى داخلها -ولا أقول: منها- يثبته استعمال الآية الكريمة لكلمة "بيت" يتم اتخاذه، وليس "خيوطا" أو "شبكة" يتم صنعها عمدًا.

أضف لهذا أن وهن البيت في الآية الكريمة جاء في سياق ضرب المثل بمن يتخذ من دون الله أولياء حيث الصلات واهية والروابط متقطعة والغدر وارد في أي لحظة {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّه أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ[العنكبوت:41]!

.. ومن هذا كله يتضح أن "أوهن البيوت" معنى مجازي يفوق في قوته أي مادة عرفها أو صنعها الانسان!". انتهى  
(الخميس 7 رمضان 1433).

وقد كتبت معلقًا على ذلك، فأقول: 
لا أزال أتعجب من حالنا نحن المعاصرين، ومن حرصنا على الجديد في تفسير المعاني، وكأن الله ادَّخر لنا من المعاني مالم يصل إليه السابقون، ولن يلحقنا به اللاحقون.

ومن هذا تفسير (بيت العنكبوت) بهذا التفسير الذي ينقله الأستاذ المفيد فهد الأحمدي، وليس هو ببدع في هذا الفهم المغلوط، بل هو مسبوق إليه ببعض المعاصرين الذين ذهبوا إلى هذا الرأي الغريب العجيب.

وصاحب الرأي يظهر أنه لا يعرف (أصول علم التفسير)، ولا (المنهج الصحيح في التفسير)، لا يعرف متى يجوز له الاجتهاد، ومتى يلزمه الوقوف على ما قاله السابقون.

كما لا يعرف كيف يضيف ما يصلح إضافته من الأقوال الحادثة بضوابط العلم المعروفة، دون أن يخطِّئ السابقين في فهمهم.

وذلك ما لم يحصل مع كل أسى في مقالة الأستاذ فهد حفظه الله ووفقه.

وسأرتب التنبيه على الخطأ في هذا المقال في عدد من النقاط:

النقطة الأولى: إن الله خاطب الصحابة بلغتهم العربية التي يعرفونها، وأي تخطئة لهم من هذه الجهة فهي دليل على خطأ المخطِّئ لهم:

هذا التفسير الذي ذكره في معنى (وهن بيت العنكبوت)، مع تخطئة ما تعارف عليه الناس قديمًا وحديثًا من معنى هذا الوهن يحمل مشكلات علمية كبيرة، وأذكر منها:
أنه يلزم -من هذين التفسيرين- احتمالان:
الأول: إما أن يكون قول السابقين صوابًا، وهذا القول خطأ.
الثاني: وإما أن يكون هذا القول صوابًا، وقول السابقين خطأ.

وهذا الاحتمال الثاني هو ما ذهب إليه الأستاذ الفاضل بعبارته (يعتقد معظمنا أن شبكة العنكبوت هي بيت العنكبوت الذي يعيش ويستقر فيه).

وينتج عن ذلك:
1 ـ أن الله خاطب الصحابة أهل اللغة العربية بما لا يعرفون معناه، فخاطبه بألفاظ عربية ذات رموز لا يعرفونها، ففسروه على غير مراد الله، ثم فهَّموا التابعين هذا المراد الخطأ، ثم تسلسل هذا الخطأ من الصحابة إلى يومنا هذا.

2 ـ وهذا يعني أن الأمة كانت على ضلال في فيهم مراد ربها في قوله: {أَوْهَنَ الْبُيُوتِ}، فهل يا ترى يُصحِّح الأستاذ هذا؟!

3 ـ لو افترضنا صحَّة القولين معًا فإن من قواعد التفسير أن يُحمل كلام الله على المتبادر من دلالة ألفاظه، وليس على الأقلِّ منها أو الأنكر أو الأخفى ؛ إلا إذا وُجِد قرينة تدل على أنه يراد به غير الظاهر والمتبادر للذهن في (بيت العنكبوت) هو نسجه، وعلى هذا سار المفسرون من الصحابة ومن بعدهم إلى يومنا هذا.

وأما كون دلالة أوهن البيوت مأخوذة من حيث الروابط الأسرية والمبادئ الأخلاقية وسيادة الخيانة والغدر والقسوة؛ فالأنثى تأكل الذكر بعد التلقيح وتأكل أبناءها بعد خروجهم من البيض كما يأكل الاخوة بعضهم البعض كلما سنحت لهم الفرصة ، وهذا ما سمَّاه غيره بـ(الوهن الاجتماعي)  فإن هذا إذا صحَّ، فإنه بعيد خفيٌّ.

وفي هذه الحالة يُقدَّم الظاهر الذي ذهبت إليه الأمة على هذا الخفيِّ الأنكر في دلالته على مراد الله.

النقطة الثانية: ليس كل ما صحَّ ثبوته من المكتشفات المعاصرة تصحُّ دلالة القرآن عليه:

وذلك أنه لو ثبت (الوهن الاجتماعي) المذكور في المكتشفات المعاصرة، فإنه لا يلزم أن يكون هو المراد بالوهن في الآية.
فإن قلت: فما يذكرونه من ثبوت قوة خيوط العنكبوت وأنه أقوى من خيوط الفولاذ وجميع المعادن المعروفة، فكيف الحال معه؟

فالجواب: إن الحال يرتبط بالمشاهدة، وليس بغيرها، والمشاهدة تثبت أنك بقشَّة صغيرة تستطيع أن تفسد بيت العنكبوت، وأي وهن أشد من هذا، وهل يخفى هذا الوهن على كل إنسان كائن من كان؟!

أما إثبات أن خيوط العنكبوت أقوى من الفولاذ فذلك مما لا يدركه كل واحد، بل قد لا يصدقه كثير من العقلاء، وهم يرون بالمشاهدة وهن بيت العنكبوت المنسوج من خيوط.

وإذا كان الأمر كذلك، فما بالنا نذهب بالقرآن إلى هذه التأويلات المتعسفة، والأمور المستغربة، ونترك ما سارت عليه الأمة جيلاً بعد جيل؟!

ثمَّ إن وجه الشبه في اتخاذ الأصنام باتخاذ العنكبوت بيتًا، إنما هو الضعف في كليهما: ضعف الأصنام في نصرة عابديها ، كما يضعف بيت العنكبوت (خيوطه) في حمايته من الأذى.

وهذا المعنى ظاهر لكل الناس، ولا يحتاج إلى مزيد علم وبيان، أما القول الآخر فيحتاج إلى إثباته مقدمات علمية، وتجارب يجريها المدَّعون لذلك تُثبت ما قالوه، ثم بعد صدق قولهم، يلزم من ذلك صحَّة دلالة الآية عليه، وهذا مما يجهله كثير ممن يتعاطون مثل هذه التفسيرات المعاصرة.

والخلاصة: أنه لا يلزم من صدق المسألة المعاصرة في ذاته صحَّةُ دلالة القرآن عليها، فهما جهتان منفكَّتان.

النقطة الثالثة: أيهما أحقُّ بوصف الوهن -على هذا القول المعاصر- الأنثى أم الذكر من العنكبوت؟

إن هذا القول المعاصر يدَّعي أن بيت العنكبوت هو بيت الأنثى، وأنها تفترس ذكرها وأولادها، وهذا موطن قوة فيها، وإنما الوهن هو الذكر، فكيف يستقيم وصف بيت الأنثى القوية بالوهن؟!

كيف وهي التي تبقى على قيد الحياة عزيزة غير آبهة بما حصل من موت ذكرها، ولا موت أولادها؟!

وما دامت هذه سنة الله فيها -كما يقول البحث المعاصر- فكيف ندَّعي أن هذا وهنًا؟!

بمن نقيسه؟!

إن كان الأمر كما يقولون، فليس في الأمر أي وهن اجتماعي إلا إذا قلنا إنَّ هذا نقصًا حقيقيًا.

وليس الأمر كذلك؛ لأن هذه سنة الله في العنكبوت، وهذا إن كان نقصًا في غيرها، فهو كمال فيها تستقيم به حياتها التي قدَّر الله لها هذا القَدَر وهداه له ، كما قال تعالى: {وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ} [الأعلى:3].

تنبيه:
العنكبوت في اللغة وردت بالتذكير والتأنيث -وهو الأكثر- في هذا اللفظ، ولا دلالة في الآية على أن المراد أنثى العنكبوت دون ذكرها، وإنما المراد جنس العنكبوت.

فإن قلت: تأنيث (اتخذت).

فالجواب: إن هذه دلالة محتملة، قد يراد بها الأنثى فقط، وقد يراد بها جنس الحشرة أي أنثى وذكر.

وأخيرًا:
أسأل الله أن يفتح عليَّ وعلى الأستاذ فهد، بل وعلى المسلمين من فهم كتابه الفهم الصحيح السليم، وأن يعمر قلوبنا بذكره وطاعته وتلاوة كتابه وتدبره.

مساعد بن سليمان الطيار

دكتور في علوم القرآن بكلية المعلمين في الرياض