من أولويات المسير

منذ 2016-02-02

تزكية النفوس قد عنت عند الصالحين تطهيرها ونماءها، فتطهيرها بإخلاص سبيلها لربها وحده لاشريك له، ونماؤها بطاعاتها وعبادتها وصلاحها بتطبيق ما تعلمته بكل تجرد وبذل، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى . وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 14:15].

النفس البشرية، ذلك العالم الواسع العميق، القابع في داخل كل واحد منا، سريع الهيجان والثورة، سهل الافتتان، قليل الصبر والحلم، حريص على الدنيا، مسارع إلى الزينة والتجمل، ساع إلى الاتصاف بما ليس فيه، معرض عما ينفعه في أخراه. تلكم صفاتها إن تركت حسبما شاءت، فقد تهلك صاحبها، وتورده موارد الهلكة، وتهوى به في هوة الفشل السحيق. ولا حل لها، ولا طريق لإصلاحها إلا باتباع منهج ربها، وسلوك سبيل العلاج الذي وصفه لها خالقها {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك:14].

وانظر إلى سؤال الخليل عليه السلام وهو يقول {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة:129]، وقد استجاب سبحانه فقال: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [البقرة:151]، وقال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [آل عمران:164]. وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [الجمعة:2]، وقال الله تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا . فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا . قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس:7-10].

وتزكية النفوس قد عنت عند الصالحين تطهيرها ونماءها، فتطهيرها بإخلاص سبيلها لربها وحده لاشريك له، ونماؤها بطاعاتها وعبادتها وصلاحها بتطبيق ما تعلمته بكل تجرد وبذل، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى . وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى:14-15].

يقول ابن القيم: "والمقصود أن زكاة القلب موقوفة على طهارته، كما أن زكاة البدن موقوفة على استفراغه من أخلاطه الرديئة الفاسدة، قال تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور:21]، وقال أيضًا: "قال الله: {وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ . الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [فصلت:6-7] قال أكثر المفسرين من السلف ومن بعدهم: هي التوحيد: شهادة أن لا إله إلا الله، والإيمان الذي به يزكو القلب فإنه يتضمن نفي إلهية ما سوى الحق من القلب وذلك طهارته وإثبات إلهيته سبحانه وهو أصل كل زكاة ونماء فإن التذكي وإن كان أصله النماء والزيادة والبركة فإنه إنما يحصل بإزالة الشر".

وقال قتادة في تفسير قوله تعالى {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} [الشمس:9]: "قد أفلح من عمل خيرًا زكاها بطاعة الله عز وجل". وقال أيضًا: "قد أفلح من زكى نفسه بعمل صالح". قال الحسن: "قد أفلح من زكى نفسه فأصلحها وحملها على طاعة الله تعالى، وقد خاب من أهلكها وحملها على معصية الله تعالى". وقال ابن قتيبة: "يريد أفلح من زكى نفسه أن نماها وأعلاها بالطاعة والبر والصدقة واصطناع المعروف".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بقلم: د. خالد رُوشه