كلمة حان وقتـها عن الاقتصاد الإسـلامي

منذ 2010-06-15

من عجائب مايـُرى في المنام، أنـَّه قبل نحــو عــام رأى من لاتكـذب رؤيـاه، بوش المـُدْبــِر، وقد قطعت رجلاه ويداه، فعبـّرها من أُوتي من علم التعبير حظـَّا، أنَّ انهيـاراً كبيـراً في الاقتصاد الأمريكي واقـع، ما له من دافع.


من عجائب مايـُرى في المنام، أنـَّه قبل نحــو عــام رأى من لاتكـذب رؤيـاه، بوش المـُدْبــِر، وقد قطعت رجلاه ويداه، فعبـّرها من أُوتي من علم التعبير حظـَّا، أنَّ انهيـاراً كبيـراً في الاقتصاد الأمريكي واقـع، ما له من دافع.

 
والآن .. وقــد سقط قارون العصر، الرأسمالية الليبرالية الغربية الربوية المتخذة المـادَّة ندّا لله تعالى.
 
فهل نحـن قـد عرضنا النظام الاقتصادي الإسلامي، بما يليق بعظمـته، لإنقاذ البشرية من تيه التخبـّط الذي ورثته من المناهج الوضعية التي بان خواؤها، وثبت فشـلها.

أولاً ينبغي أن يعلم أن ما يطلق عليه (البنوك الإسلامية)، ليست هي النظام الاقتصادي الإسلامي، كما أنَّ عدَّهـا مؤسسات تمثّلـه بحـقِّ، يحتـاج إلى كثير من النظر قبل إطلاقــه .
 

والأقــرب أنَّ إطلاق اسم مصارف غير ربوية عليها، أولى من تسميتها مصارف إسلامية، وذلك لأنهــا لم تحقق ـ فيما أعلم ـ مقاصد الاقتصاد الإسلامي كما ينبغي أن يراها الناس، وهـي تحتاج إلى كثير من النقد الصارم، البريء من أيّ مجاملة، لتتقدم نحو التطوير المطلوب، لتتأهَّـل لتمثيـل مشروع الخلاص الإسلامي العالمي في جانبه الاقتصادي.
 
 
ولعـلَّ أعظـم فشل وقعت فيها، أنها لـم تستطع أن تتخلص من العلاقة بنظام مالـي عالمـي ربوي فاسـد، ولم تحقق الإستقلال الاقتصادي للأمّـة .
 
وهذا هو أعظـم أهداف الاقتصاد الإسلامي، أعني أن يحقق هذا النظـام لأمة الإسلام استقلالا اقتصاديا تامَّـا، يقطع بالكلية هيمنة المال الغربي ومؤسساته على النظام المالي العالمي، وعلى المال الإسلامي من باب أولى، ويعيـد النظـر في كلَّ ما بني منذ مؤتمر بريتن وودز 1944م، ويوجـد بديلا إسلاميا كاملا عن كلِّ من البنك الدولي، ومؤسسة النقد الدولي، بل حتى منظمة التجارة العالمية .
 
وبهذا ينـزع من يد العالم الغربي القدرة على تهديد العالم الإسلامي بسلاح المقاطعة الاقتصادية، ويلغي ذلك إلى الأبـد.
 
 
ومعلـوم أنَّ هذا السلاح الغربي هـو من أعظـم السيـوف المسلَّطـة على أمتنا، بسبب هيمنة الاقتصاد العالمي الذي كانت أمريكا تقوده قبل أن يسقط قارون العصر.

ولسنا نبدي خافيا، ولانفضح ســراً، إذا قلنا أن من تسمي نفسها البنوك الإسلامية، تسـرع إلى الخضوع للقرارات الأمريكية الظالمـة، حتى إلى درجـة تجميد حسابات المؤسسات الخيرية الإسلامية، بل بعضها سبق البنوك الربوية في هذه المسارعة !!
 
وهي بذلك بدل أن تحقق هدف القضاء على الفقر في بلاد الإسلام، وهو ثاني أعظم أهداف الاقتصاد الإسلامي، تعاونت مع الغرب بقيادة أمريكا الصليبية، لزيادة معاناة فقراء المسلمين، ومنع وصـول التبرعات لأيتام المسلمين، وضعفاءهم !
 
 
وقد يعتذر معتذر هنا بأنَّ ذلك بسبب كونها تابـعة للنظام السياسي الخاضع أصلا للإرادة الأمريكية، ولعمري إن هذا لمن أعظـم عيوب هذه المؤسسات، فكيف يمكنـها أن توجد الربط المطلـوب منها، بين اقتصاد الأمة، وأهداف رسالتها ـ وهو ثالث أعظم أهداف النظام الاقتصادي الإسلامي ـ إذا كانت هي تابعـة للنظام السياسي العربي الذي يقوض أهداف الأمـة، ويهدم رسالتها !!
 
هذا وكلُّ من يشهد عن قرب تعاملات هذه البنوك ـ التي فضلنا تسميتها غير ربوية على تسميتها إسلامية ـ يرى بوضوح أنهـا لاتزال تبتعد عن :
استثمـار مال الأمة فيما يعود عليها بالنفع، ويقضي على مشكلات الفقر، إلى تضخيم ارتباطهـا بالبنوك الغربية، ومؤسساتها .
 
 
وعن تحويل المساهمين لشركاء لا مقترضين، إلى زيادة عدد المدينين للبنك في صورة بيوع مرابحة شكلية، وتورق غير شرعي، واستصناع صوري ..إلـخ

وعن الظهور بصورة الحرب على الربا وعلى الحيل عليه، إلى اختراع معاملات ظاهرهـا بيع، وباطنها القرض بفائدة، حتى أصبح ما يسمَّـى ثقافة ( بطاقات الإئتمان ) أسعد ما تكون في بعض هذه البنـوك!
 
حتى لـقد أسس بعضهـا شركات تأمين، تابعة لها، شملــت عقودها حتى الديون المؤجـلة على الزبون، وحتى لو سدد ديونه كاملة، لم ترجع إليه أقساط التأمين على دينه !!
 

وعـن الإسهام في نشر ثقافة الإحسان، وتنمية المال بالصدقة، وربط الرزق بالإيمان، إلى الظهور بمظهر الجشع، والرغبة الجامحة في الربح السريع .
ولهذا نرى بوضوح أن المشاريع الخيرية التي تؤسساها وترعاها البنوك التي تسمى نفسها إسلامية قليلة جــداً، وأحيانا معدومة تمامــاً، وقد ظهرت في عيون الناظريـن في صورة التاجر الذي لايهمه سوى إرتفاع هامش الربح، مستغلاً كلّ ما يمكنه إستغلاله من حاجة الناس، أو رغباتهـم.
 
أما رحمة المعسريــن، وإسقاط الديون عمـَّـن وقعت عليهم الكوارث، فهيـهات أن يحـدث ذلك ! بينما تفعله بعض البنوك الربوية، إن كان الدين يسيراً، فوا أسـفاه !!
 
 
ومن عجائب جشع هذه البنـوك التي تسمي نفسها إسلاميـّة، أنَّ أحـدهـا، لم يدع قــولاً شاذَّا يبيح معاملة مصرفيـّة تصبُّ عليـه الأربـاح، إلاَّ اتَّبعــه، ولم يتجاوز خلافـاً على مسألة في بيــع، إلاّ أخذ بالقول المرجـوح الضعيف إذا كان يمكّنـه من الحصول على الربـح !
 
فلما جاءت مسألة (ضع وتعجــّل) ـ أي أعجـِّل لك الدين وضع عـنِّي بعضه ـ وفيها أصح قولــي الفقهاء جواز أن يسقط الدائن بعض الدين، إذا تعجـّل المدين الدفع قبل الأجـل، تمسَّك البنك بقول من يحرِّم ذلك، لأنَّ المصلحة هـنا صارت في خانة الزبـون، وأصبـح التيسير لصالحــه!
 
ومعلوم أن من أعظـم أسباب تدهور مسيرة هذه البنوك، أنهـا لاتسمع النقد الصريح الذي يقوِّمها، وليس ثمـة احتساب من علماء مستقلين على معاملاتهـا، فحتـَّى الهيئات الشرعية التي تفتي لها، هـم ـ كلجان الإفتاء الرسميـة التابعة للأنظمة السياسية التي تفتـي بهواهـا ـ يتقاضون رواتـب عالية، ومكافآت مجزية، من نفـس البنـك، فأنـَّـى لهم أن يوقفـوا هذه البنـوك عن ابتعادهـا عن أهداف الإقتصـاد الإسلامي !!
 

ولن أقسـو بالنقد إنْ قلت إنـه قـد أصبح كلُّ همِّهم أن يبقى البنك منافسا للبنوك الربوية، من حيث الملاءة، والسمعة المالية ـ التي أحيانا تكون وهميـَّة ـ في البورصات، وأن تكون الفتاوى متساوقة مع هذا الهـدف الأسمى لاغيـر !
 
هذا ولايعني هذا النقد الصريح للبنوك غير الربوية، أنها لـم تعـد ضرورية، بل هي خطوة في إتجاه صحيح، ومن هنـا فالذين يحاولـون إزالة الفرق بينها، وبين البنوك الربوية، التي تعلن الحرب على الله تعالى، وديـنه، وتبيح الربا جهارا نهارا، كاذبون مفترون .
 

ولا يزعم أنه لا فرق بين البنوك التي تحرِّم الربا، والبنوك الربوية المعروفـة، إلاَّ جاهـل، أو ضالُّ خبيث الطويـِّة، يقصد من ذلك محاربة أي خطوة يقصد بها الناس الإقتراب من شريعة الله تعالى، ومـن تمثّلها في حياتهـم.
وإنما المقصود بهذا المقال التنبيه إلى أنه من الخطورة بمكان، أن نهلّل لهذه البنوك، ونضفي الشرعية الكاملة على جميع تعاملاتـها، لمجرد إعلانها أنها إسلامية، وخوفـنا من استغلال البنوك الربوية لنقدنا ضدها.

بينما نحن نرى أنَّ معالم الاقتصاد الإسلامي،كما يليق بعظمة شريعتنا، وطهرها، ونقاءها من ملوِّثات الرأسمالية الغربية الربوية، غير ممثـّلة بعـدُ في هذه البنوك غير الربوية .
وهي حتـَّى يكون لهـا إسهامات واضحة في حلِّ مشكلات الفقـر، وإصلاح حال الفقراء في العالم الإسلامي، واستقلال مشرِّف عن الهيمنة الغربيـَّة، وربط راقي بين المال والعقيدة الإيمانية، وبين الاقتصاد وأهداف الأمـة، وحتَّى تتخلـَّص من عقدة تحوِّلهـا إلى دائن كبيـر، بدل شريك يثري ويحرك الاقتصاد في المجـتمع .

حتـَّى إذا حصـل ذلك يمكننا باطمئنان أن نقول إن هذه المؤسسات المصرفية غير الربوية، يصلـح أن تكون مثالا، يستعمله الخبراء الاقتصاديون الإسلاميون في التبشير بالنظام الاقتصادي الإسلامي العالمي، أما الآن فينبغي أن يكون التمثيل بها حـذراً، وأن يُقدم النظام الاقتصادي الإسلامي الكامـل على أنه مشروع ينتظـر التطبيق .
 
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى أله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
المصدر: موقع الشيخ حامد العلي

حامد بن عبد الله العلي

أستاذ للثقافة الإسلامية في كلية التربية الأساسية في الكويت،وخطيب مسجد ضاحية الصباحية