العشر والثمرة الطيبة

منذ 2016-06-19

فهذه ليال تأتي مرة واحدة في العام.. وليست للنوم ولا للراحة!! فهي خاتمة السباق نحو المغفرة والعتق.

ها قد شارف الشهر الكريم على الانتهاء.. ولكن من رحمة الله بنا أن جعل لنا في نهايته أفضل أيامه.. حتى يلحق الجميع بالركب! فالسباق مازال مفتوحًا لمن يريد أغتنام تلك الأيام..

كان هذا حال النبي صلى الله عليه وسلم عند دخولها

عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا دخل العشرُ شدَّ مِئْزَرَهُ، وأحيا ليلهُ، وأيقظَ أهلهُ»  (صحيح البخاري [2024]).

- يشد المئزر أي يجتهد ويجد في العبادة، وتحدثنا أمنا عائشة رضي الله عنها وتقول «كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يجتهدُ في العشرِ الأواخرِ، ما لا يجتهدُ في غيرِه» (مسلم، صحيح مسلم، برقم: [1175]).

- أحيا ليله: أي قام ليله.

- أيقظ أهله: وهذا يدل على عظم تلك الليالي.. على الرجل أن يُوقظ أهل بيته ليصلوا ويقيموا الليل.

فهذه ليال تأتي مرة واحدة في العام.. وليست للنوم ولا للراحة!! فهي خاتمة السباق نحو المغفرة والعتق.

وهناك أيضًا أمرٌ آخر خاص في تلك الليالي.. هي الليلة المباركة.. ليلة القدر! الثمرة الطيبة لمن اجتهد واحتسب في صيام وقيام الشهر.

هذه الليلة لها خصائص تجعلها مختلفة عن أي ليلة أخرى في الليال العشر.. {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ} [القدر:2]!

وعن أنس بن مالك رضي الله  عنه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ هذا الشَّهرَ قَد حضرَكُم وفيهِ ليلةٌ خيرٌ مِن ألفِ شَهْرٍ من حُرِمَها فقد حُرِمَ الخيرَ كُلَّهُ ولا يُحرَمُ خيرَها إلَّا محرومٌ»" (صحيح ابن ماجه [1341]، خلاصة حكم المحدث - الألباني - : حسن صحيح).. محروم من حرم خيرها.. فهي خير من ألف شهر.. هي ليلة واحدة من أدركها بحقها كانت أفضل له من عبادة ألف شهر!

هذه الليلة.. خصها الله بالفضل العظيم

- ففيها نزل القرآن العظيم! فأي فضل خُصت به! {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر:1].

- فيها تتنزل الملائكة وسيدنا جبريل أمين الوحي يشهدوا تلك اللية مع أهل الأرض {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ} [القدر:4] وهذا يدل على البركة والرحمة التي تسود في تلك الليلة.

- لا يقربها الشيطان وهي سلام حتى مطلع فجرها من شروره {سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر:5].

- هي الليلة التي يكتب فيها أرزاق وأقدار العباد {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان:4]، يقول ابن جزي في تفسيرها: "معنى {يُفْرَقُ}: يفصل ويخلص، والأمر الحكيم: أرزاق العباد وآجالهم، وجميع أمورهم في ذلك العام؛ نسخ من اللوح المحفوظ في ليلة القدر ليتمثل الملائكة ذلك بطول السنة القابلة".

- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن قام ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبِه»" (صحيح البخاري [1901]).

فكيف لنا أن نستعد لتلك الأليال العشر العظيمة؟ وكيف لنا أن ندرك ليلة القدر؟

أبدأ من الآن.. وأجعل كل ليلة كأنها ليلة القدر!

الكثير للأسف يظن أن نصيب من اجتهد كمن لم يجتهد طول الشهر! وأنه سيبلغ الثمرة مثله! فلا كان له حال مع دعاء أو قيام.. ويقرأ الشيء اليسير من القرآن.. ولا هو اجتهد في نهار رمضان لأنه صائم لا يستطيع فعل شيء.. ويشغل يومه بالتلفاز والملهيات.. ويظن أنه إن صلى التراويح في جماعة في الليالي الوترية أو ليلة 27 هكذا حاز فضل الشهر!

إن كان هذا حالك.. أو قريب منه، فاجمع عليك قلبك.. وجدد توبتك التي دخلت بها رمضان.. واجتهد فيما بقى من أيام.. يقول ابن رجب: " ألا وإن شهركم قد أخذ في النقص، فزيدوا أنتم في العمل"!

فلنجتهد!

من العبادات التي يجب أن يشغل من أراد قيام تلك الليلة بحقها التالي:

1. اجمع عليك قلبك.. وجدد توبتك!

استشعر فضل تلك الليالي وفضل ليلة القدر.. وأعلم أنك في أيام رحمات لن تتكرر إلا في العام المقبل.. ومن منا يدري من منا سيكون من أهل تلك الدنيا.. فاجتهد اجتهاد مودع!

2. القيام!

لا يخفى على أحد فضل الليل على النهار.. فليلة القدر "ليلة" .. يتنزل الله عزوجل في الثلث الأخير من "الليل".. كما وردت الأحاديث في فضل قيام تلك اليالي وأيضًا ليلة القدر، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن قام ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبِه»" (صحيح البخاري [1901])، وعنه رضي الله عنه أيضًا: "كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُرغِّبُ في قيامِ رمضانَ من غيرِ أن يأمرَهم فيه بعزيمةٍ . فيقول: «من قام رمضانَ إيمانًا واحتسابًا ، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبِه فتُوُفِّيَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والأمرُ على ذلك»" (صحيح مسلم [759]).  

3. الدعاء

ويستحب الدعاء بـ "اللهمَّ إنَّك عفوٌ تُحبُّ العفو فاعْفُ عني" (الصحيح الجامع [4423]).

4. الاجتهاد في العبادة

كما بينا لقول أمنا عائشة رضي الله عنها تقول "كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يجتهدُ في العشرِ الأواخرِ، ما لا يجتهدُ في غيرِه" (صحيح مسلم [1175]).

5. الاعتكاف

والاعتكاف.. هو البعد عن الدنيا بزينتها وحلالها والتفرغ للعبادة. والاعتكاف في العشر كان يداوم عليه النبي صلى الله عليه وسلم، حتى تعجب الإمام الزهري من حال المسلمين لتركهم إياه وقال: "عجبًا للمسلمين! تركوا الاعتكاف مع أن النبي صلى الله عليه وسلم ما تركه منذ قدم المدينة حتى قبضه الله عز وجل".

متى نلتمس ليلة القدر؟

عن عبد الله بن عباس قال: أن النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «التمِسوها في العشرِ الأواخرِ من رمضانَ، ليلةَ القدرِ، في تاسِعةٍ تَبقى، في سابِعةٍ تَبقى، في خامِسةٍ تَبقى»" (صحيح البخاري [2021]).

وإن كان هناك مشكلة في احتساب الأيام.. فمن الممكن أن تكون الأيام اتي نحسبها وتريها هي ليست كذلك! لذلك فالأفضل أن نجتهد في العشر كلهم لعلنا نبلغها.. فتلك ليلة عظيمة!

بلغنا الله وإياكم قيامها بحقها وكتبنا من عتقاء هذا الشهر الكريم.

سارة خليفة

طبيبة مصرية، تخرجت في كلية الطب جامعة القاهرة، وتعمل في أسرة التحرير بموقع طريق الإسلام.