ما وراء مظاهرات أقباط مصر

منذ 2010-07-24

'أنا القبطي الفرعوني صاحب الأرض، أنا القبطي الشامخ صاحب هذا الوطن الذي سُلِبَ مني منذ الغزو الإسلامي وإلى الآن، وسيرحل قريباً كما رحل من أسبانيا، فلم تعد النعرة الإسلامية لها جاذبيتها الآن'.<br /> هذا قول أديب في مجلة صوت مصر الحر الصادرة في أمريكا.


'أنا القبطي الفرعوني صاحب الأرض، أنا القبطي الشامخ صاحب هذا الوطن الذي سُلِبَ مني منذ الغزو الإسلامي وإلى الآن، وسيرحل قريباً كما رحل من أسبانيا، فلم تعد النعرة الإسلامية لها جاذبيتها الآن في جو أصبح الغرب المتحضر يفهم أن العرب جرب'.
هذا قول أديب مجلي في مجلة صوت مصر الحر الصادرة في الولايات المتحدة يعبر بها عن الشعور السائد لدى الأقباط في مصر منذ عدة عقود لتنفجر على شكل موجات غضب مفتعلة كل فترة من الزمن و التي كانت من موجاتها المظاهرات التي تم تنظيمها في ساحة الكاتدرائية المرقصية في ميدان العباسية بالقاهرة بعد فرار أختنا وفاء قسطنطين زوجة أحد القسس بدينها الإسلامي الذي اعتنقته عن طيب خاطر و إيمان بالله الواحد القهار .

و إذا كانت جميع المصادر الصحفية و الإعلامية قد أجمعت على أن هذه السيدة قد أسلمت باختيارها و لم يخطفها أو يغويها أحد من المسلمين كما زعم الأقباط يبقى السؤال المحير لماذا إذن ثار الأقباط ؟
للإجابة على هذا السؤال لابد من تتبع منهج تحليلي يراعي ثلاثة أمور أهمها :
الأقباط أنفسهم و مخططاتهم
الدور الخارجي في هذه الأزمة
موقف الحكومة المصرية


 مخططات الأقباط في مصر :
لا شك أن هدف الأقباط الذي طالما يحلمون به هو حكم مصر لأنهم يعتبرون أنفسهم هم أهل البلد الأصليين مع الإحاطة بأنهم لم يحكموا مصرا طوال تاريخهم و تقول جريدة صوت الأقباط: 'إنه علينا أن نعمل بكل جهدنا وطاقتنا وأموالنا وذكائنا وأن نطرد الشر ونقاوم كل سهامه الشريرة، وأن نستأصل الاستعمار الإسلامي من جذوره في مصر.. كل مصر؛ فأمة الأقباط ليست لبني إسماعيل فيها جذور، وإذا كان المستعمر المسلم قد فقد كرامته وحياءه فوجب عليه أن يرحل بإرادته عن مصر ويترك أصحاب الأرض الأقباط في حالهم؛ لذا وجب علينا نحن الأقباط الذين هاجرنا بعيداً عن عبودية الإسلام أن نعمل جاهدين على طرد المستعمر المسلم قبل أن يبيد المسيحيين ويطردهم من ديارهم؛ فإن كان طرد الاستعمار الإسلامي قد يأخذ أجيالاً ولكنه في الإمكان طرده؛ فقد حدث في أسبانيا بعد استعمار إسلامي لقرون طويلة، وحدث في الفلبين وبعض جزر اليونان، ولن يخرج الاستعمار الإسلامي من مصر إلا بالقوة'
هذه هي أهدافهم كما ترد على ألسنتهم و إذا كان أقباط المهجر أي الذين يعيشون في خارج مصر يرددون هذا الكلام بحرية حيث لا تحسب عليهم هذه التصريحات فإن أقباط الداخل أكثر حرصا و ابتعادا عن الصراحة و الوضوح .

و بتولي شنودة رئاسة الكنيسة المصرية في عام 1971 تطور الدور القبطي سواء في الداخل و الخارج و اتخذا أبعادا جديدة و بتتبع هذا الدور في الثلاثة و الثلاثين عاما الماضية وجد أن شنودة قد استطاع جعل الكنيسة أشبه بتنظيم جماعي له قيادة وتسلسل هرمي و أصبح الكهنة و القساوسة هم رؤوس هذا التنظيم الذي تغلغل في أماكن وتجمعات النصارى في كل حي و قرية و مدينة مصرية حيث يعيش النصارى و كما صرح شنودة نفسه عندما سأله أحد الصحفيين في حديث لصحيفة الأهرام سؤالا يتعلق بمؤامرة قبطية مزعومة بإقامة دولة للأقباط تمتد من أسيوط و حتى الإسكندرية مرورا بوادي النطرون فأجاب شنودة أن هذا يجعل الأقباط مركزين في منطقة واحدة و ليس هذا هدفنا فنحن منتشرون في جميع أنحاء الدولة و في جميع المدن على حد قوله و ما يقوله شنودة صحيح على حد كبير فالأقباط و تنظيمهم الكنسي حريص على التواجد في جميع المدن و ما من تجمع للنصارى في مكان حتى و لو كان فردين إلا و حرصت الكنيسة على تواجدها مع هذين الفردين و في المدن الجديدة تحرص الكنيسة على التواجد و بناء الكنائس و بالتدريج سيطر هذا التنظيم على الساحة السياسية القبطية التي كانت تعج في السابق بالشيوعيين و الناصريين و الوفديين وغيرها من التوجهات السياسية و أصبح ولاء غالبية الأقباط للكنيسة و بطبيعة الحال فإن هذا الوضع التنظيمي الصارم يتبعه سلبيات خاصة بكثرة الانشقاقات على الكنيسة .


و كانت هذه الخطوة الأولى للأقباط لتنفيذ مخططاتهم و جاءت الخطوة الثانية متمثلة في بناء هيكل ما يسمى بأقباط المهجر و كانت أول كنيسة قبطية قد تأسست في الولايات المتحدة هي كنيسة مار مرقص في جيرسي سيتي، وكان ذلك في عام 1964م، وفي عام 1968م سجلت ثاني كنيسة قبطية للمهاجرين في نيويورك، وتبعتها كنيسة في المدينة نفسها عام 1970م، وبعد أن تولى الأنبا شنودة كرسي البابوية توالت الكنائس في جميع بلاد المهجر حتى إنها بلغت 46 كنيسة في أمريكا، و 38 في أوروبا، و 15 في كندا و 23 في أستراليا وغيرها من البلدان. والمرء يندهش وتتملكه الحيرة من كثرة عدد الكنائس في المهجر خاصة بعد تولي الأنبا شنودة شؤون بطريركية الأقباط في مصر، ويزداد الاندهاش حينما يعلم أن بعض البلدان العربية توجد فيها كنائس قبطية؛ حيث يقول الأنبا شنودة: 'لنا كنائس في أبي ظبي، ودبي، والبحرين، ومسقط، وبغداد، والأردن، والكويت، ولبنان، والقدس، وليبيا، والسودان'.
ولكن ما الدور المنوط بهذه الكنائس؟ يقول الأنبا شنودة: 'ولاهتمامي بشؤون المهجر أنشأت مكتباً في المقر البابوي بالقاهرة لشؤون المهجر يتلقى أخبار كنائس المهجر والرسائل و الفاكسات ، ويعد ملفاً لكل كنيسة ولكل موضوع...'، ويضيف قائلاً: 'نحن لا نعمل لليوم ولكن نعمل للمستقبل، ونرى أن تمتد الرعاية لكل قبطي في الخارج مهما يكن في أماكن بعيدة'.

ويقول في حديث آخر عندما سئل عن الأسباب التي أدت إلى تمدد الكنيسة خارج الحدود؛ فأجاب مباشرة: 'ربطهم انتمائياً إلى الكنيسة'، ويقول في موضع آخر: 'الجنسية شيء والولاء شيء آخر... والأطفال في الصلوات يذَكَّرون باستمرار بالكنيسة وآبائها ورئاستها وقوانين الكنيسة'.


ولكل كنيسة من كنائس المهجر مجلة فضلاً عن توزيع كنائس المهجر لمجلة الكنيسة مترجمة باللغة الإنجليزية، وبخلاف ذلك تقوم كنائس المهجر بالتحرك على محاور أخرى لربط أقباط الخارج بها مثل: إنشاء مراكز قبطية تعتبر بيوتاً للخلوة وتلقى فيها المحاضرات، إقامة كليات لاهوت كالتي في سيدني بأستراليا وجيرسي سيتي بالولايات المتحدة، ترجمة الكتب الدينية بلغات أبناء المهجر.
هل الرعاية هي غاية الكنيسة المصرية أم أن هناك دوراً لهذه الكنائس الخارجية يخطط له شنودة؟ لقد ظهر فيما بعد هذا الدور؛ فعندما تبدأ كنائس مصر إضراباً وصياماً تساندها كنائس المهجر؛ وبذلك يكون الصوت مدوياً في أرجاء المعمورة وليس قاصراً أو منزوياً في دولة، ويقول شنودة متحدثاً عن زيارة الرئيس مبارك إلى الولايات المتحدة التي جاءت في أعقاب حوادث قرية الكشح المصرية وما تبعها كالعادة من اتهام الحكومة المصرية باضطهاد الأقباط: 'لقد أمرتُ كهنة الكنائس هناك يقصد بالخارج بالخروج لاستقبال الرئيس'، والذي يأمر بالخروج قادر على إصداره أوامر بالمقاطعة في الوقت الذي يريد.

وفي ظروف بدت غامضة لبعض الناس ظهرت منظمات الأقباط في المهجر، وعند التحري عن توقيتها بدت وكأنها متصلة مع غيرها من الصدامات القبطية في مصر و تعددت هذه المنظمات بدءً بالهيئة القبطية و المنظمة الكندية المصرية لحقوق الإنسان كما تتواجد أيضاً عدة هيئات وتجمعات صغيرة بعضها يصدر نشرات دورية وغير دورية مثل نشرة الرسالة التي تصدرها جمعية الدراسات القبطية في نيو جيرسي منذ عام 1982م وتعرِّف نفسها بأنها صوت الشعب القبطي الصارخ من أجل الكنيسة وتقاليدها، ويرأس تحريرها [رودلف يني] من بنسلفانيا، وهناك المؤسسة القبطية ويرأس مجلس إدارتها [عصمت زقلمة]، والفيدرالية القبطية ويمثلها [منير بشاي]، والاتحاد القبطي ويمثله الدكتور [محب ميخائيل] و [رفيق ميخائيل]، وأخيراً أعلن في أمريكا عن تأسيس منظمة التحرير القبطية.
و هكذا تكون الجناح الضاغط للكنيسة المصرية في الخارج و تحققت الخطوة الثانية لشنودة نحو تحقيق أهدافه في مصر .
 
ثم جاءت الخطوة الثالثة باستغلال الظروف الداخلية و الخارجية المساعدة فأمريكا نصبت نفسها و وضعت نصب أعينها تغيير الخارطة السياسية للشرق الأوسط فيما اصطلح على تسميته بالشرق الأوسط الكبير و الحكومة المصرية تعيش في أضعف فتراتها لعوامل عديدة و بدا لكثير من المراقبين أن هذه الحكومة باتت في طور الاستجابة لكثير من الضغوط التي تمارس عليها و من هنا تنتهز الكنيسة القبطية هذا الوضع الداخلي و الخارجي المواتي لتقوم كل فترة بإظهار العضلات و الحصول على مزيد من المكاسب التي كان من آخرها حقها في تسلم القبطي أو القبطية التي تدخل الإسلام لثنيه أو لثنيها حتى و لو بالقوة عن دينها .


الخميس 4 ذي القعدة 1425هـ - 16 ديسمبر 2004 م

 

المصدر: حسن الرشيدي - موقع مفكرة الإسلام