خطيئة ابن خلدون

منذ 2016-07-19

عكف المستشرقون على قراءة التراث الإسلامي وعمدوا إلى إخراج النماذج الشاذة منه، وكان الهدف العام هو تقديم قراءة للإسلام تتوافق مع السياق العلماني الناشيء في أوروبا؛ فكان مما أخرجوه ابن خلدون.

يعد عالم الاجتماع العراقي الشهير الدكتور علي الوردي أحد أهم وأشهر من اهتموا بمخرجات ابن خلدون. ومما كتب الدكتور علي الوردي عن ابن خلدون كتابًا بعنوان "منطق ابن خلدون"، وفي مقدمته عقد مقارنة بين المفكر الإيطالي سيء السمعة ميكافيلي وابن خلدون، وذكر أن آراء ابن خلدون كانت أشدَّ انحرافًا عن شرعة الأخلاق والأديان من آراء ميكافيلي، ولكن الناس لم ينتبهوا لها، وذلك لأن ابن خلدون كتب بأسلوب دبلوماسي غطي به الآراء المنحرفة بغطاء برّاق.
 ومعلوم أن الناس أهملوا ابن خلدون بعد وفاته لقرونٍ عدة، فلم يلق اهتمامًا ممن حوله ولا من الذين جاءوا من بعده، كما كان الحال مع الأئمة الأعلام كالإمام مالك والشافعي وأحمد بن حنبل والبخاري وابن تيمية وابن القيم. فكيف، ولماذا، زاع صيت ابن خلدون اليوم، وهو على ما وصف علي الوردي من الانحراف الشديد؟!

 

عكف المستشرقون على قراءة التراث الإسلامي وعمدوا إلى إخراج النماذج الشاذة منه، وكان الهدف العام هو تقديم قراءة للإسلام تتوافق مع السياق العلماني الناشيء في أوروبا؛ فكان مما أخرجوه ابن خلدون. اهتم به الغربيون لشيءٍ رئيسي أحدثه في الفكر الإسلامي، وهو القول بأن البيئة هي التي تشكل سلوك الإنسان... بمعنى أن البيئة هي المؤثر الأكبر في شخصية الإنسان، في أفكاره ومزاجه ولون بشرته.. وكل شيء. ويترتب على ذلك أشياء من أهمها: الاستسلام للقيم السائدة في البيئة التي نعيش فيها، وهي قيم العلمانية التي احتلت بلاد المسلمين. بمعنى أن أفكار ابن خلدون عن هيمنة البيئة وتحكمها قدمت تبريرًا للاستسلام لواقع تغريب الشريعة.. قدمت تبريرًا لهيمنة العلمانية. وليس هذا فقط بل قدمت دعمًا لأمهات الأفكار المنحرفة الوافدة إلينا من عند الغرب، مثل فكرة التطور في المجال الثقافي والعلمي والتي تعني أن البشرية تسير في خط مستقيم وأن ما عليه الناس الآن في تفاعلاتهم الاجتماعية هو الرشد، يقولون الديمقراطية الغربية حالة من الرشد البشري، هذا وهي تفعل بهم وبنا ما لا يخفى على  أحدهم، ويتفرقون حول هذه الفكرة ليجملوها ويمرروها على المسلمين، فبعضهم يحاول أسلمتها وبعضهم يحاول مد الجسور بينها وبين الإسلام، وبعضهم يمررها بدعوى الإضطرار ، وكلهم قادمون من عند ابن خلدون .. من القول بأن السائد في البيئة لا يمكن دفعه.

ومن أخبث التطبيقات على فكرة ابن خلدون هذه القول بأن البعثة المحمدية بنت بيئتها، وأن ما جاء به الرسول، صلى الله عليه وسلم، تطور للبيئة، وهو محور رئيسي عند الرافضين لرسالة الله للبشر بمحمدٍ، صلى الله عليه وسلم، وقد ناقشت هذا بشيءٍ من التفصيل في مقالٍ بعنوان "فجائية الدعوة أكثر ما يؤرق المخالفين"؛  وقدَّم ابن خلدون تطبيقًا خاصًا للفكرة، فيما يتعلق بالبعثة المحمدية، وذلك في تفسيره لنشوء الدولة، والقول بتوحش العرب كسببٍ مباشر لإقامة دولة، وهذا الكلام مردود كله، ويمرره قومنا لأنه يناسب هواهم فيما نكابده من أحداث، وإن شاء الله أقدم مناقشة منفصلة لهذه الفكرة في مقالٍ مستقل. 

 

وعند التأمل في هذه الأفكار نجد أن الواقع (البيئة، أو المجتمع) نقطة انطلاق للتشخيص، للتعرف على المناط كي نأتي له بالحكم الصحيح إذا كان المقام افتاء، أو نبحث له عن الدواء إذا كان المقام دعوة وإصلاح، ولكن الواقع (البيئة أو المجتمع) –أبدًا- لا يكون مصدرًا للقيم الحاكمة. بمعنى أن القيم هي التي تصوغ الواقع وليس العكس. فكل مجتمع عبارة عن تطبيق لمنظومة قيم، أيًا كان وصفها. وإذا وجدت منظومةٌ ما من القيم  من يغرسها في قلوب الناس ويرعاها حتى تتحول إلى سلوك وعادات فإنها ولابد تعيد صياغة الواقع/ البيئة من جديد؛ تمامًا كما تبدد ظلام الجاهلية بما أرسل الله به محمدًا، صلى الله عليه وسلم. تغير واقع الناس كليةً، على عكس ما يزعم ابن خلدون والمتأثرين به.

 

وفي واقعنا المعاصر نموذج شديد الوضوح يشهد على خطأ القول بـحتمية البيئة... يشهد على خطأ القول بأن البيئة تفرض السائد فيها من مفاهيم على الجميع. هذا النموذج هو تمكن الإباحية (الجنسانية كما يسميها مشيل فوكو في كتابه تاريخ الجنسانية)، من المجتمعات الغربية وظهورها في المجتمعات الإسلامية حتى كادت تتمكن منا كما تمكنت من غيرنا. فقد كانت المجتمعات الغربية إلى وقت قريب محافظة لا تعرف التعري والرذيلة. كانت إلى وقتٍ قريب لا تعرف غير الحجاب وقرار النساء في البيت، حتى دبت فيها منظومة الإباحية، ووجدت من يؤمن بها ويدعو إليها ويدافع عنها، فمكن لها في واقع الناس.

وكما تمكنت منظومةُ أفكار (أيدلوجيا) الإباحية من المجتمعات الغربية والجنوبية تتمكن اليوم من مجتمعاتنا، فهذه أفكار تغير واقع، ثم يأتي المؤمنون بخطيئة ابن خلدون يقولون بحتمية الواقع، وكأن هذا الواقع لم يتم صياغته من خلال مفاهيم حملها قلة من الناس تمردوا على واقعهم وعالجوه بمنظومتهم الفكرية الجديدة حتى أعادوا تشكيله، ولا زالوا يفعلون.
 

ومما جعل الأمر يلتبس على بعضهم أن أغلب الناس تبع، يخضعون للواقع في كل شيء .. أغلب الناس مع ما ذاع وانتشر، في عقائدهم وفي خاصة أمرهم. يرددون ما يتردد، ويلبسون ما يلبس وإن كان محرمًا، ويأكلون ويشربون ما يؤكل وما يشرب وإن كان مما لا يضر ولا ينفع. فالواقع هو المؤثر على هؤلاء، وهم الكثرة الكاثرة من حيث العدد، ولكن الواقع الذي يسوق هؤلاء حيث يشاء هو هو بنفسه تبع لفئة قليلة تؤمن بفكرة وتُخضع لها الواقع، وإنهم في كل زمانٍ ومكان .. صالحون أو مفسدون.

 

ألا إن ابن خلدون قد جاء على فترة من العز..بعد أن كُسر المسلمون في الأندلس ودخل النصارى عليهم في المغرب واحتلوا أطراف العالم الإسلامي وهاجموا قلبه،  فراح ـ بقصد أو بدون قصد- يقول بسيادة الواقع. والواقع فقط يسود على الهمج ويأخذهم حيث شاء، والواقع ذاته بيد فئة من الناس.. أولئك الذين يحرسون القيم ويستنبتونها.