خطب مختارة - [100] السنة شرفها وحال الناس معها

منذ 2016-08-04

لقد أرسل الله الرسل مبشرين ومنذرين، ومحذرين ومرغبين، ومعلمين ومرشدين، حتى تقوم الحجةُ على الناس أجمعين، ورسولُنا صلى الله عليه وسلم وضَّح معالم الشريعة، وبيَّن أحكام الملة، وأمرنا بلزوم السنة، في أصول الدين وفروعه. ولم يُقبض النبي صلى الله عليه وسلم حتى تركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فالحجة قد قامت؛ والمحجة قد بانت والحدود قد حُدَّت؛ والشريعة قد كملت.

الخطبة الأولى

عباد الله، لقد أرسل الله الرسل مبشرين ومنذرين، ومحذرين ومرغبين، ومعلمين ومرشدين، حتى تقوم الحجةُ على الناس أجمعين، ورسولُنا صلى الله عليه وسلم وضَّح معالم الشريعة، وبيَّن أحكام الملة، وأمرنا بلزوم السنة، في أصول الدين وفروعه. ولم يُقبض النبي صلى الله عليه وسلم حتى تركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فالحجة قد قامت؛ والمحجة قد بانت والحدود قد حُدَّت؛ والشريعة قد كملت؛{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، فالدين قد كمل والنعمة قد تمت، والرسول قد بلغ البلاغ المبين، وعلى أمته الإذعان والتسليم؛ {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153] فالسبيلُ القويمُ والصراطُ المستقيمُ إنما يكون باتباع سنة سيد المرسلين، والهدايةُ والنجاةُ إنما تكون في اقتفاء أثره؛ والاهتداء بهدية، {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ۚ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور: 54]

السنة شعار المفلحين، وآية الصادقين، وعلامة حب رب العالمين: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران: 31]

السنة لشرفها وصى النبي صلى الله عليه وسلم في آخر أيامه بالتمسك بها، والتشبث بعراها ، فعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بوجهه فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب فقال رجل: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا فقال: «أوصيكم بتقوى الله ؛ والسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا ، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا ؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» [صحيح أبي داود: 4607]

السنة تعبّدَ بنقلها المتعلمون وتقرب بحفظها أهل العلم الراسخون، وقبل ذلك أمر بالتمسك بها رب العالمين فقال في كتابه المبين {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [آل عمران: 132]

سنةُ نبينا صلى الله عليه وسلم عرف فضلَها الصالحون؛ وشمّر لها المخلصون؛ وعَمِل بها المؤمنون؛ فكانت سبب فلاحهم وفوزهم، {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور: 52]، قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله: "السنة سفينة نوح، من ركب فيها نجا، ومن تخلف عنها غرق، بل تطبيق السنة والعمل بها سبب لحفظ الإسلام، وبيضة المسلمين، وأن يعبد الله في الأرض" ا.هـ

السنة تاركها متوعد بالعذاب الأليم، مطرود عن حوض الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، قال تعالى :{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْأَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63]، وروى الشيخان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:   «أنا فرطُكم على الحوض وُلَيُرْفَعَن لي رجال ثم ليُخْتَلَجُنّ دوني فأقول : أي رب أصحابي ، فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك » [صحيح البخاري: 6576] وفي رواية فأقول: «سحقا لمن بدل بعدي»

إخوة الإسلام، إنَّ كلَّ عمل خلاف السنة يبعد عن الله، ويتبرأ من صاحبه رسولُ الله، قال عليه الصلاة والسلام: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» [صحيح مسلم: 1401]. ويقول سفيان الثوري: "لا يستقيم قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة"

فالسنّة – عباد الله - هي الجِنَّة الحصينة لمن تدرّعها، والشِّرْعة المعنية لمن تشرعها، درعها صاف، وظلها ضاف، وبيانها واف، وبرهانها شاف.

السنّة حافظها محفوظ، والمقتدي بها على صراط مستقيم، والمهتدي بمعالمها صائر إلى محل النعيم المقيم «كل أمتي يد خلون الجنة إلا من آبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى » [صحيح البخاري: 7820]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال: 24]. بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة.

الخطبة الثانية

عباد الله، لقد كانت هذه الأمة مرحومةً في أول عهدها، جمعها الله على الهدى، وحماها من اتباع الهوى، ولم يكن جيل صحابة رسوله صلى الله عليه وسلم يعرفون غير محبته وطاعته وتوقيره، واتباع النور الذي أُنزل معه، يتعلمونه ويعملون به ويدعون إليه في كل شؤونهم دقيقها وجليلها، صغيرها وكبيرها، وكلما ابتعد الناس عن زمن الوحي ضعفت السنة في قلوبهم ونقص الإيمان في أفئدتهم، فخير القرن قرنُه صلى الله عليه وسلم المائة سنة الأولى، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ولئن كان الصحابة رضوان الله عليهم قد أنكروا محدثاتٍ ظهرت في وقتهم، وبكوا على سُننٍ ماتت في حياتهم، فما بالك بمن جاء بعدهم.

إخوة الإيمان، لما بعد الزمان وطال بالناس العهد؛ وضعف الإيمان وكثر الخبث والنفاق وقلّ الورع؛ تجرأ كثير من الناس على القول والكلام، فقال كلٌ بهواه، وتكلم بما لا يرضاه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. وفي هذا الزمانِ زمانُ الفتن التي يرقق بعضُها بعضا رأينا العجائب والعظائم، رأينا أمورا لا يسع أحدٌ السكوتَ عنها بحال. فمن ذلك السخرية والاستهزاء بالسنة النبوية، ومعارضتها بالعقول والآراء، والرغبات والعادات، متناسين قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم» [صحيح البخاري:6478] .

فاحرصوا عباد الله على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلموها واعملوا بها، استضيئوا بنورها في حوالك الشبهات، وتزينوا بها عند انتشار الشهوات، فهي زينة العمل الصالح وبهاؤه، وسناؤه وجماله. والمتمسكون بها أكمل الناس عملا،وأقربهم صوابا، وتذكروا قول نبيكم صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا كتاب الله وسنتي» [منزلة السنة: 13]. وكونوا دعاة إلى سنته؛ لتحضوا ببركة دعائه الذي قال فيه: «نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها» [حلية الأولياء: 5/122]

اللهم وفقنا للتمسك بسنة نبينا، والدعوة إليها. اللهم وفقنا للمحبة الصادقة لنبينا صلى الله عليه وسلم. اللهم أوردنا حوضه واسقنا من يده الشريفة شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبدًا.

المقال السابق
[99] السعداء والأشقياء بعد رمضان
المقال التالي
[101] الشعوذة في الفضائيات