خطب مختارة - [112] الصيام أحكام وآداب

منذ 2016-08-07

فنقف في هذه الخطبة مع شيء من أحكام الصيام وآدابه؛ حتى نكون على علم وبصيرة بهذه العبادة العظيمة.

الخطبة الأولى

أما بعد: فنقف في هذه الخطبة مع شيء من أحكام الصيام وآدابه؛ حتى نكون على علم وبصيرة بهذه العبادة العظيمة.

إخوة الإيمان، يعرف الصيام بأنه: التعبد لله تعالى بترك المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وصيام رمضان أحد أركان الإسلام العظيمة، فهو واجب على كل مسلم بالغ عاقل. أما الصغير الذي لم يبلغ فلا يجب عليه الصوم؛ لكن يؤمر به ليعتاده. وأما المريض مرضًا طارئًا يُنتظر برؤه فإنه يفطر إن شقّ عليه الصوم أو كان الصوم يضره أو يؤخر شفاءه؛ وعليه أن يقضى بعد شفائه. وأما المجنون فلا يجب عليه الصوم ولا يجب الإطعام عنه؛ لفقده العقل الذي هو مناط التكليف؛ ومثله المعتوه والكبير المخرف اللذَين لا تمييز لهما. أما العاجز عن الصوم لسبب دائم كالكبر والمرض الذي لا يرجى شفاؤه فليس عليه صوم؛ وإنما يطعم عن كل يوم مسكينًا نصفَ صاع وهو قرابة كيلو ونص .

والمرأة الحامل وكذلك المرضع إذا شق عليهما الصوم من أجل الحمل أو الرضاع ، أو خافتا على ولديهما، تفطران وتقضيان الصوم إذا سهل عليهما وزال الخوف. والحائض والنفساء لا تصومان حالَ الحيضِ والنُّفاس، وتقضيان فيما بعد. وأما المسافر فإن شاء صام؛ وإن شاء أفطر وقضى ما أفطره، سواءً كان سفره طارئًا أم دائمًا، وسواء وجد مشقة في الصيام حال السفر أم لا، على أن الأفضلَ الفطرُ للمسافر عند المشقة، أما مع عدم المشقة فالأفضل للمسافر الصوم.

ومن أحكام الصيام وجوب تبييتُ النية في صوم الفريضة قبل طلوع الفجر، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يبيِّت الصيام قبل الفجر فلا صيام له» [صحيح النسائي: 2331]، والنية محلها القلب. ويكفى لشهر رمضان نية واحدة لا تنقطع.

ووقت الصوم: كما قال الله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِالْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187]. والأصل أن بداية أذان الفجر والمغرب يُعتمد عليهما في طرفي الصيام. ويُستحب ويَتأكد السُّحور: قال صلى الله عليه وسلم: « فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلةُ السَّحَر» [صحيح مسلم: 1096]، وقال صلى الله عليه وسلم: «نِعْمَ سَّحورُ المؤمنِ التمر» [سنن أبي داود: 2345]. وكان من هديه صلى الله عليه وسلم تأخير السُّحور إلى قبيل الفجر بقدر قراءة خمسين آية، أي قبل آذان الفجر بربع ساعةٍ تقريبا.

ويجب على الصائم أن يجتنبَ أيَّ قولٍ محرم أو فعل محرم؛ قال صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله عز وجل حاجة أن يدع طعامه وشرابه» [صحيح أبي داود: 2362].

* وكذلك يجتنب الصائمُ اللغوَ والرفث: قال صلى الله عليه وسلم: « ليس الصيام من الأكل والشراب ، وإنما الصيام من اللغو والرفث ، فإن سابَّـك أحد أو جَهِل عليك فقل : إني صائم» [صحيح الجامع: 5376].

ومن أحكام الصيام أنه يباحَ للصائم أن يصبح جنبًا: فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم: «كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم» [صحيح البخاري: 1925]، بمعنى أنه يكون جنبًا قبل آذان الفجر؛ فإذا أذّن المؤذنُ أمسك لصيامه واغتسل من الجنابة ثم صلى سنة الفجر ثم خرج ليصليَ بالناس الفريضة.

* وكذلك مما يباح للصائم ويبقى على تأكيده السواك: قال صلى الله عليه وسلم: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وُضوء» [الترغيب والترهيب: 1/133].

ومما لا حرج على الصائم فيه المضمضة والاستنشاق، فقد كان صلى الله عليه وسلم يتمضمض ويستنشق وهو صائم، وإنما منع الصائمَ من المبالغة فيهما، قال صلى الله عليه وسلم: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا» [صحيح أبي داود: 142].

ومما لا حرج على الصائم فيه تحليل الدم وضرب الإبر والحقن العلاجية التي لا يقصد بها التغذية: فإنها ليست من المفطرات، لأنها ليست مغذية ولا تصل إلى الجوف يعني البطن.

ومما لا حرج على الصائم فيه قلع السنِّ، وعليه أن يمج الدم الذي ينـزل بسبب ذل .

ومما لا حرج على الصائم فيه الكحل وقطرتا العين والأذن.

ومما يشرع للصائم تعجيلُ الفطر؛ فهذه سنة النبي صلى الله عليه وسلم وفيها مخالفةٌ لليهود والنصارى، قال صلى الله عليه وسلم: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر» [صحيح البخاري: 1957]. ومن السنة الفطرُ بعد أذان المغرب وقبل الصلاة، والسنة أن يفطر على رطب؛ فإن لم يكن فعلى تمر؛ فإن لم يكن فعلى ماء، فعن أنس رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم يكن رطبات فتمرات، فإن لم يكن تمرات حسا حسوات من ماء» [السلسلة الصحيحة: 2840]. ويشرع الدعاء عند الفطر، قال صلى الله عليه وسلم: « للصائم عند فطره دعوةٌ لا ترد». ومن دعائه صلى الله عليه وسلم عند إفطاره: «ذهب الظمأ وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله» [سنن أبي داود: 2357].

نسأل الله أن يرزقنا الفقه في ديننا، والقبول في صيامنا. أقول ما سمعتم وأستغفر الله.

الخطبة الثانية

إخوة الإيمان، ومن الأحكام الهامة في هذا الصيام معرفة ما يفسد هذا الصيام من المفطرات: * وأول هذه المفطرات الأكل والشرب عمدًا: سواء كان نافعًا أم ضارًا، أما إذا فعل ذلك ناسيًا أو مخطئًا أو مكرهًا فلا شيء عليه؛ قال صلى الله عليه وسلم: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه ، فإنما أطعمه الله وسقاه» [صحيح مسلم: 1155]. ويلحق بالأكل والشرب في الحكم  ما قام مقام الأكل والشرب كالحقن والإبر المغذية والتي تقوم بتغذية المريض فتكون بديلا عن الأكل والشرب.

* ومن مفسدات الصوم الجماع: وذلك بمجرد الإيلاج، وإذا وقع في نهار رمضان من صائم يجب عليه الصوم فإن عليه مع القضاء كفارةٌ مغلظة؛ وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا.

* ومن مفسدات الصوم إنزال المني يقظة؛ ومن فعل ذلك فعليه التوبة والقضاء، وأما الإنزال بالاحتلام فلا يفطر لأنه بغير اختيار الصائم.

* ومن مفسدات الصوم تعمد القيء: وهو إخراج ما في المعدة عن طريق الفم؛ فإن قاء من غير قصد لم يفطر، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء فليقض» [صحيح ابن حبان: 3518]

* ومن مفسدات الصوم للمرأة: الحيض والنفاس؛ فإذا خرج دم الحيضِ أو النفاسِ من المرأة في جزء من النهار سواء في أوله أو آخره أفطرت وقضت.

* ومن مفسدات الصوم المختلف فيها والاحتياط تركها حال الصيام الحجامة؛ وذلك للاختلاف في حديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» [السنن الكبرى للبيهقي: 4/265]، ويلحق بأمر الحجامة التبرع بالدم؛ وحقن الدم.

ومما يحسن التنبيه عليه أن هذه المفطرات جلُّها مباح في غير وقت الصيام، فإذا كانت تمنع وقت الصيام؛ فمن باب أولى أن يمتنع الصائم عن الأمور المحرمة أصلا؛ حتى يحقق بذلك حكمة الصيام العظمى وهي تقوى الله.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]

اللهم وفقنا للصيام كما تحب وترضى، اللهم ارزقنا القبول والتقوى. اللهم وفقنا للصيام والقيام إيمانا واحتسابا. اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم.

 

المقال السابق
[111] الصور الإباحية وخطورة تناقلها
المقال التالي
[113] الطلاق