خطب مختارة - [113] الطلاق

منذ 2016-08-07

كلمةٌ من الكلمات؛ روعت قلوب الأبناء والبنات؛ وأبكت عيون الأزواج والزوجات، كلمةٌ صغيرة، ولكنها جليلةٌ عظيمة خطيرة، إنها كلمة الطلاق والتي تعني الوداع والفراق.

الخطبة الأولى

أما بعد: فيا عباد الله، اتقوا الله حق التقوى واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واعلموا أن أجسادنا على النار لا تقوى، وأكثروا من ذكر الموت والبلى وقرب المصير إلى الله جل وعلا.

عباد الله: كلمةٌ من الكلمات؛ روعت قلوب الأبناء والبنات؛ وأبكت عيون الأزواج والزوجات، كلمةٌ صغيرة، ولكنها جليلةٌ عظيمة خطيرة، إنها كلمة الطلاق والتي تعني الوداع والفراق، وربما يعني الطلاق الجحيم والألم الذي لا يطاق، فكم هدم من بيوت للمسلمين، وكم فرّق من شملٍ للبنات والبنين، كم قطّع من أواصر للأرحام والمحبين والأقربين، يا لها من ساعةٍ حزينةٍ عصيبةٍ أليمة، يوم سَمِعَتِ المرأة طلاقَها، فكفكفت دموعها وودعت بيت زوجها والذي كان بيتًا لها، ووقفت على بابه؛ لتلقي آخر النظرات على بيتٍ مليءٍ بالذكريات.

إخوة الإيمان، إن الزواج نعمةٌ من نعم الله، ومنةٌ من أجَلِّ مِنن الله، جعله الله آية شاهدةً بوحدانيته، دالةً على عظمته وألوهيته، لكنه إنما يكون نعمةً حقيقية إذا ترسّم كلا الزوجين هدي الكتاب والسنة، وسارا على طريق الشريعة والملّة، عندها تضرب السعادة أطنابها في رحاب ذلك البيت المسلم المبارك، ولكن ما إن يتنكبَ الزوجان أو يتنكب واحدٌ منهما عن صراط الله حتى تُفتح أبوابُ المشاكل، عندها تَعْظُم الخلافات والنـزاعات، ويدخل الزوج إلى بيته حزينًا كسيرًا، وتخرج المرأة من بيتها حزينةً أليمةً مهانةً ذليلةً، عندها يعظم الشقاق ويعظم الخلاف والنـزاع، فيفرح الأعداء والحسّاد ويشمتون، ويتفرّق شمل الأسرة، وتقطّع أواصر المحبة.

عباد الله ، كَثر الطلاق اليوم حينما فقدنا زوجًا يرعى الذمم، حينما فقدنا الأخلاق والشيم، زوجٌ ينال زوجته اليوم فيأخذها من بيت أبيها عزيزةً كريمةً ضاحكة مسرورة، ويردها بعد مدّة حزينة باكية مطلقة ذليلة.

كثر الطلاق اليوم حينما استخف الأزواج بالحقوق والواجبات، وضيّعوا الأمانات والمسئوليات، سهرٌ إلى ساعات متأخرةٍ، وضياعٌ لحقوق الزوجات والأبناء والبنات، الأمر الذي يُضحك الغريب ويبكي القريب، كيف لا وهو يؤنس الغريب ويوحش الحبيب ؟!

كثر الطلاق اليوم حينما فقدنا زوجًا يغفر الزلّة ويستر العورة والهنّة، حينما فقدنا زوجًا يخاف الله ويرعى حدود الله ويحفظ العهودَ والأيامَ التي خلت والذكرياتِ الجميلةَ التي مضت.

كثر الطلاق اليوم حينما فقدنا الصالحاتِ القانتات الحافظات للغيب بما حفظ الله، حينما أصبحت المرأة طليقة اللسان طليقة العَنان؛ تخرج متى شاءت، وتدخل متى أرادت، خرّاجة ولاجة إلى الأسواق وإلى المنتديات واللقاءات؛ مع تضييع حقوقِ الأزواج والبنات، يا لها من مصيبةٍ عظيمةٍ.

كثر الطلاق اليوم حينما تدخّل الآباء والأمهات في شؤون الأزواج والزوجات، الأب يتابع ابنه في كل صغير وكبير، وفي كل جليل وحقير، والأم تتدخل في شؤون بنتِها في كل صغير وكبير وجليل وحقير حتى ينتهيَ الأمر إلى الطلاق والفراق. ألم يعلما أن لعنة الله على من أفسد زوجةً على زوجها أو أفسد زوجًا على زوجته.

كثر الطلاق اليوم حينما كثر النمّامون، وكثر الحسّاد الواشون  المفرّقون.

كثر الطلاق اليوم – عباد الله – لما كثرت المسكرات والمخدرات فذهبت العقول وزالت الأفهام، وتدنّت الأخلاق، وأصبح صرح الأسرة في جحيم وألمٍ لا يطاق.

كثر الطلاق اليوم لما كثرت النعم وبطر الناسُ الفضلَ من الله، وأصبح الغني يتزوج اليوم ولا يبالي بطرًا أن يطلق في الغد القريب، ولم يعلم أن الله سائله، وأن الله محاسبه، وأن الله موقفه بين يديه في يوم لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون.

فإلى الله المشتكى أن يصلح أحوال مجتمعاتنا.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

الخطبة الثانية

نوجه رسالة إلى من يريد الطلاق؛ فنقول: يا من يريد الطلاق؛ إن الطلاق فراق عظيم؛ وربما جحيمٌ لا يطاق، الطلاق يبدد شمل البنات والبنين، ويقطّع أواصر الأرحام والأقربين.

إن الطلاقَ مصيبةٌ عظيمةٌ، فيا من يريد الطلاق اصبر فإن الصبر جميلٌ، وعواقبه حميدةٌ من الله العظيم الجليل.

يا من يريد الطلاق إن كانت زوجتك ساءتك اليوم فقد سرّتك أيامًا، وإن كانت أحزنتك هذا العام فقد سرّتك أعوامًا. يا من يريد الطلاق انظر إلى عواقبه الأليمة ونهاياته العظيمة، انظر لعواقبه على الأبناء والبنات، انظر إلى عواقبه على الذرية الضعيفة، فكم بُدد شملُها، وتفرّق قلبُها بسبب ما جناه الطلاق عليها.

يا من يريد الطلاق: صبرٌ جميلٌ فإن كانت المرأة ساءتك فلعل الله أن يخرج منها ذريةً صالحةً تقرَّ بها عينُك، قال ابن عباس في قوله تعالى: {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19]. قال: هو الولد الصالح . المرأة تكون عند زوجٍ تؤذيه وتسبّه وتُهينه وتؤلمه، فيصبر لوجه الله ويحتسب أجره عند الله ويعلم أن معه الله، فما هي إلا أعوامٌ حتى يُقِرَّ الله عينَه بذريةٍ صالحةٍ، وما يدريك فلعل هذه المرأة التي تكون عليك اليوم جحيمًا لعلها أن تكون بعد أيام سلامًا ونعيمًا، وما يدريك فلعلّها تحفظك في آخر عمرك، صبر فإن مع العسر يسرًا.

يا معاشر الأزواج تريثوا فيما أنتم قادمون عليه. إذا أردت الطلاق فاستشر العلماء، وراجع الحكماء، والتمس أهل الفضل والصلحاء، واسألهم عمّا أنت فيه وخذ كلمة منهم تثبتك، ونصيحةً تقوّيك.

إذا أردت الطلاق فاستخر الله وأنزل حوائجك بالله، فإن استقر أمرك على الطلاق؛ حيث صار حلا لابد منه فخذ بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم في ذلك؛ وهي أن تكون طلقة واحدة فقط، وتكون المرأة في طهر لم تجامعها فيه، أو تطلقها وهي حامل، ولا تطلّقها وهي حائضٌ؛ فطلاق المرأة وهي حائض أو في طهر جامعتها فيه حرام ويقع، والمرأة المطلقة طلاقًا رجعيا لا يجوز أن تَخرج أو تُخرج من بيت زوجها، {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق: 1]

اللهم اصلحنا واصلح أزواجنا وذرياتنا وخذ بنواصينا جميعا إلى ما تحب وترضى. ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين

  • 1
  • 0
  • 3,691
المقال السابق
[112] الصيام أحكام وآداب
المقال التالي
[114] الظواهر والكوارث الكونية.. لماذا الهروب من الحقيقة؟!

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً