دليل المسلم الجديد - (29) فقه الطهارة

منذ 2016-08-16

شرح ميسر للقواعد الشرعية التي تتعلق بفقه الطهارة.

سنن الفطرة
روى البخاري [5889]، ومسلم [257] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الفِطْرَةُ خَمْسٌ، أَوْ خَمْسٌ مِنَ الفِطْرَةِ: الخِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَنَتْفُ الإِبْطِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ».

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "وَيَتَعَلَّق بِهَذِهِ الْخِصَال (يعني: خصال الفطرة) مَصَالِح دِينِيَّة وَدُنْيَوِيَّة، تُدْرَك بِالتَّتَبُّعِ، مِنْهَا: تَحْسِين الْهَيْئَة، وَتَنْظِيف الْبَدَن جُمْلَة وَتَفْصِيلًا، وَالِاحْتِيَاط لِلطَّهَارَتَيْنِ، وَالْإِحْسَان إِلَى الْمُخَالَط وَالْمُقَارَن بِكَفٍّ مَا يَتَأَذَّى بِهِ مِنْ رَائِحَة كَرِيهَة، وَمُخَالَفَة شِعَار الْكُفَّار مِنْ الْمَجُوس وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى وَعُبَّاد الْأَوْثَان، وَامْتِثَال أَمْر الشَّارِع، وَالْمُحَافَظَة عَلَى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْل الله تَعَالَى: {وَصُوَّركُمْ فَأَحْسَنَ صُوَركُمْ} لِمَا فِي الْمُحَافَظَة عَلَى هَذِهِ الْخِصَال مِنْ مُنَاسَبَة ذَلِكَ، وَكَأَنَّهُ قِيلَ قَدْ حَسُنَتْ صُوَركُمْ فَلَا تُشَوِّهُوهَا بِمَا يُقَبِّحهَا، أَوْ حَافِظُوا عَلَى مَا يَسْتَمِرّ بِهِ حُسْنهَا، وَفِي الْمُحَافَظَة عَلَيْهَا مُحَافَظَة عَلَى الْمُرُوءَة وَعَلَى التَّآلُف الْمَطْلُوب، لِأَنَّ الْإِنْسَان إِذَا بَدَا فِي الْهَيْئَة الْجَمِيلَة كَانَ أَدْعَى لِانْبِسَاطِ النَّفْس إِلَيْهِ، فَيُقْبَل قَوْله، وَيُحْمَد رَأْيه، وَالْعَكْس بِالْعَكْسِ " انتهى من (فتح الباري).

الختان
لقد ألف ابن القيم رحمه الله تعالى كتاباً قيماً في أحكام المولود سماه: (تحفة المودود في أحكام المولود)، وقد عقد في هذا الكتاب باباً واسعاً تكلم فيه عن الختان وأحكامه، وهذا ملخص منه، مع بعض الزيادات عن غيره من أهل العلم.
1. معنى الختان:
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "الختان: اسم لفعل الخاتن، وهو مصدر كالنزال والقتال، ويسمى به موضع الختن أيضا ومنه الحديث:  «إذا التقى الختانان وجب الغسل»، ويسمى في حق الأنثى خفضا يقال: ختنت الغلام ختنًا، وخفضت الجارية خفضًا، ويسمى في الذكر إعذارًا أيضًا، وغير المعذور يسمى أغلف وأقلف" (تحفة المولود: [1 / 152]).

2. الختان سنة  نبي الله إبراهيم والأنبياء من بعده عليهم الصلاة والسلام:
روى البخاري [6298] ومسلم [2370] عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ عليه السلام بَعْدَ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَاخْتَتَنَ بِالْقَدُومِ». و (الْقَدُوم) هو آلة النجار. وقيل: هو مكان بالشام.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "وَالرَّاجِح أَنَّ الْمُرَاد فِي الْحَدِيث الآلَة، فَقَدْ رَوَى أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن رَبَاح قَالَ: أُمِرَ إِبْرَاهِيم بِالْخِتَانِ، فَاخْتَتَنَ بِقَدُّوم فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ أَنْ عَجِلْت قَبْل أَنْ نَأْمُرك بِآلَتِهِ، فَقَالَ: يَا رَبّ كَرِهْت أَنْ أُؤَخِّر أَمْرك" اهـ.

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: "والختان كان من الخصال التي ابتلى الله سبحانه بها إبراهيم خليله عليه الصلاة والسلام فأتمهن وأكملهن فجعله إماماً للناس، وقد روي أنه أول من اختتن كما تقدم، والذي في الصحيح اختتن إبراهيم وهو ابن ثمانين سنة، واستمر الختان بعده في الرسل وأتباعهم حتى في المسيح فإنه اختتن والنصارى تقر بذلك ولا تجحده كما تقر بأنه حرَّم لحم الخنزير" (تحفة المودود:ص 158 – 159).

هذا، وقد اختلف العلماء رحمهم الله سبحانه في حكم الختان:
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: "وأقرب الأقوال: أنه واجب في حق الرجال، سنة في حق النساء، ووجه التفريق بينهما: أنه في حق الرجال فيه مصلحة تعود إلى شرط من شروط الصلاة وهي الطهارة، لأنه إذا بقيت هذه الجلدة: فإن البول إذا خرج من ثقب الحشفة بقي وتجمع، وصار سبباً في الاحتراق والالتهاب كلما تحرك، أو عصر هذه الجلدة خرج البول وتنجس بذلك .

وأما في حق المرأة: فغاية فائدته: أنه يقلل من غلمتها، أي : شهوتها، وهذا طلب كمال، وليس من باب إزالة الأذى" (الشرح الممتع: [1 / 133، 134]).

وهذا هو مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى. قال ابن قدامة في (المغني: [1/115]): "فأما الختان فواجب على الرجال، ومَكْرُمَة في حق النساء، وليس بواجب عليهن" اهـ.

3. موضعه:
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "قال أبو البركات في كتابه (الغاية): ويؤخذ في ختان الرجل جلدة الحشفة، وإن اقتصر على أخذ أكثرها جاز ويستحب لخافضة الجارية أن لا تحيف، وحكي عن عمر أنه قال للخاتنة: أبقي منه إذا خفضت، وقال الخلال في (جامعه): ذكر ما يقطع في الختان: أخبرني محمد بن الحسين أن الفضل بن زياد حدثهم قال: سئل أحمد: كم يقطع في الختانة؟ قال: حتى تبدو الحشفة". والحشفة: رأس الذكر، كما في (لسان العرب:9/47).

وقال ابن الصباغ في (الشامل): "الواجب على الرجل أن يقطع الجلدة التي على الحشفة حتى تنكشف جميعها، وأما المرأة فتقطع الجلدة التي كعرف الديك في أعلى الفرج بين الشفرين وإذا قطعت يبقى أصلها كالنواة".

وقال النووي رحمه الله تعالى: "والصحيح المشهور أنه يجب قطع جميع ما يغطي الحشفة" اهـ (المجموع [1 / 351]).

وقال الجويني: "القدر المستحق من النساء: ما ينطلق عليه الاسم، قال: في الحديث ما يدل على الأمر بالإقلال، قال: «أَشِمِّي ولا تَنْهَكي»، أي: اتركي الموضع أشم والأشم المرتفع" (تحفة المودود: 190 – 192).

والحاصل أنه في ختان الذكر تقطع جميع الجلدة التي تغطي الحشفة، وفي ختان الأنثى يُقطع جزءٌ من الجلدة التي كعرف الديك في أعلى الفرج.

4- الحكمة من مشروعية الختان
أما للرجل فلأنه لا يتمكن من الطهارة من البول إلا بالختان، لأن قطرات من البول تتجمع تحت الجلدة فلا يُؤمن أن تسيل فتنجس ثيابه وبدنه. ولذلك كان عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يشدد في شأن الختان. قال الإمام أحمد: "وكان ابن عباس يشدد في أمره، ورُوي عنه أنه لا حج له ولا صلاة. يعني: إذا لم يختتن" اهـ (المغني:1/115).

وأما حكمة الختان بالنسبة للمرأة فتعديل شهوتها حتى تكون وسطاً.

وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن المرأة : هل تختتن أم لا؟
فأجاب: "الحمد لله، نعم ، تختتن، وختانها أن تقطع أعلى الجلدة التي كعرف الديك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للخافضة وهي الخاتنة: «أشمي ولا تنهكي ، فإنه أبهى للوجه ، وأحظى لها عند الزوج» يعني: لا تبالغي في القطع، وذلك أن المقصود بختان الرجل تطهيره من النجاسة المحتقنة في القُلْفَة، والمقصود من ختان المرأة تعديل شهوتها فإنها إذا كانت قلفاء [يعني: غير مختتنة] كانت مغتلمة شديدة الشهوة. ولهذا يقال في المشاتمة: يا بن القلفاء فإن القلفاء تتطلع إلى الرجال أكثر. ولهذا يوجد من الفواحش في نساء التتر ونساء الإفرنج ما لا يوجد في نساء المسلمين. وإذا حصلت المبالغة في الختان ضعفت الشهوة فلا يكمل مقصود الرجل، فإذا قطع من غير مبالغة حصل المقصود باعتدال" والله أعلم اهـ (مجموع الفتاوى: [21/114]).

5- ويجوز دفع المال للختَّان.
قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: "ويجوز الاستئجار على الختان، والمداواة، لا نعلم فيه خلافا؛ ولأنه فعل يحتاج إليه، مأذون فيه شرعا، فجاز الاستئجار عليه، كسائر الأفعال المباحة" (المغني: [5 / 314]).

والختان مشروع في حق الذكر والأنثى، والصحيح أن ختان الذكور واجب وأنه من شعائر الإسلام، وأن ختان النساء مستحب غير واجب.

وقد جاء في السنة ما يدل على مشروعية الختان للنساء فقد كان في المدينة امرأة تختن فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تنهكي؛ فإن ذلك أحظى للمرأة وأحب إلى البعل» (رواه أبو داود [5271] وصححه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود). ولم يشرع الختان للإناث عبثًا، بل له من الحكم والفوائد الشيء العظيم.

وفي ذكر بعض هذه الفوائد يقول الدكتور حامد الغوابي:
- " .... تتراكم مفرزات الشفرين الصغيرين عند القلفاء وتتزنخ ويكون لها رائحة كريهة وقد يؤدي إلى إلتهاب المهبل أو الإحليل، وقد رأيت حالات مرضية كثيرة سببها عدم إجراء الختان عند المصابات.
- الختان يقلل الحساسية المفرطة للبظر الذي قد يكون شديد النمو بحيث يبلغ طوله 3 سنتيمترات عند انتصابه وهذا مزعج جدّاً للزوج، وبخاصة عند الجماع.
- ومن فوائد الختان: منعه من ظهور ما يسمى بإنعاظ النساء وهو تضخم البظر بصورة مؤذية يكون معها آلام متكررة في نفس الموضع.
- الختان يمنع ما يسمى (نوبة البظر)، وهو تهيج عند النساء المصابات بالضنى [مرض نسائي].
- الختان يمنع الغلمة الشديدة التي تنتج عن تهيج البظر ويرافقها تخبط بالحركة، وهو صعب المعالجة".

ثم يرد الدكتور الغوابي على من يدَّعي أن ختان البنات يؤدي إلى البرود الجنسي بقوله:
"إن البرود الجنسي له أسباب كثيرة، وإن هذا الإدعاء ليس مبنيّاً على إحصائيات صحيحة بين المختتنات وغير المختتنات، إلا أن يكون الختان فرعونيّاً وهو الذي يُستأصل فيه البظر بكامله، وهذا بالفعل يؤدي إلى البرود الجنسي لكنه مخالف للختان الذي أمر به نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم حين قال : «لا تنهكي» أي: لا تستأصلي، وهذه وحدها آية تنطق عن نفسها، فلم يكن الطب قد أظهر شيئا عن هذا العضو الحساس [البظر] ولا التشريح أبان عن الأعصاب التي فيه" عن مجلة " لواء الإسلام " عدد 7 و 10 من مقالة بعنوان: "ختان البنات".

وتقول الطبيبة النسائية ست البنات خالد في مقالة لها بعنوان: ختان البنات رؤية صحية:

الختان بالنسبة لنا في عالمنا الإسلامي قبل كل شيء هو امتثال للشرع لما فيه من إصابة الفطرة والاهتداء بالسنة التي حضت على فعلها، وكلنا يعرف أبعاد شرعنا الحنيف وأن كل ما فيه لا بد أن يكون فيه الخير من جميع النواحي، ومن بينها النواحي الصحية ، وإن لم تظهر فائدته في الحال فسوف تعرف في الأيام القادمة كما حدث بالنسبة لختان الذكور ، وعرف العالم فوائده وصار شائعا في جميع الأمم بالرغم من معارضة بعض الطوائف له.

ثم ذكرت الدكتورة بعض فوائد الختان الصحية للإناث فقالت:
- ذهاب الغلمة والشبق عند النساء (وتعني شدة الشهوة والانشغال بها والإفراط فيها).
- منع الروائح الكريهة التي تنتج عن تراكم اللخن (النتن) تحت القلفة.
- انخفاض معدل التهابات المجاري البولية.
- انخفاض نسبة التهابات المجاري التناسلية.
عن كتاب (الختان) للدكتور محمد علي البار.

وقد جاء في كتاب (العادات التي تؤثر على صحة النساء والأطفال) الذي صدر عن منظمة الصحة العالمية في عام 1979م ما يأتي:
"إن الخفاض الأصلي للإناث هو استئصال لقلفة البظر وشبيه بختان الذكور ... وهذا النوع لم تذكر له أي آثار ضارة على الصحة".
والله تعالى أعلم.

الاستحداد
قال الشيخ محمد صالح المنجد: "ثبت في السنة المطهرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يفيد مشروعية الاستحداد، وهو حلق شعر العانة كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم  أنه قال: «الفطرةُ خمسٌ، أو خمسٌ من الفطرةِ: الختانُ، والاستحدادُ، ونتفُ الإبطِ، وتقليمُ الأظفارِ، وقصُّ الشاربِ» (البخاري).

ووقت له النبي صلى الله عليه وسلم أربعين يوماً فلا يترك أكثر من ذلك لحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: «وقت لنا في قص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط، وحلق العانة ألا نترك أكثر من أربعين يوماً» (رواه البخاري [10/284] ومسلم [1/222]).

وذكر الفقهاء آداباً للاستحداد فنصوا على أنه يستحب أن يبدأ في حلق العانة من تحت السرة، وأن يبدأ بالجانب الأيمن، وأن يستتر، وأن يواري ما يزيله من شعر أو ظفر. والحكمة التي شرع من أجلها إزالة هذا الشعر القذر تكون متحققة في شعر الخصيتين والدبر إذا كانت تعلق بها النجاسة، لأن المقصود تمام النظافة وكمال الطهارة، والبعد عن أسباب التقذر وتعلق الوسخ والنجاسات بالبدن، فتكون الإزالة حينئذ أمرا حسناً. والنساء في حلق شعر العانة وإزالة شعر الإبطين كالرجال في الحكم، والله تعالى أعلم" انتهى.

السنة في شعر العانة الحلق، وأما شعر الإبط ، فالسنة فيه النتف، فإن اقتصر الشخص على التقصير، فلا بأس، لكنه خلاف الأولى.

قال ابن قدامه رحمه الله تعالى: "والاستحداد: حلق العانة. وهو مستحب لأنه من الفطرة، ويفحش بتركه، فاستحبت إزالته، وبأي شيء أزاله صاحبه فلا بأس، لأن المقصود إزالته، قيل لأبي عبد الله (يعني: الإمام أحمد): ترى أن يأخذ الرجل سفلته بالمقراض (يعني: المقص)، وإن لم يَسْتَقْصِ؟ قال: أرجو أن يجزئ، إن شاء الله" انتهى من (المغني: [1/65]).

وقال النووي رحمه الله سبحانه: "وأما (الاستحداد) فهو حلق العانة، سمي استحدادًا لاستعمال الحديدة، وهي الموسى، وهو سنة، والمراد به نظافة ذلك الموضع، والأفضل فيه الحلق، ويجوز بالقص والنتف والنورة .... " انتهى من (شرح مسلم للنووي: [3/149]).
والله تعالى أعلم.

نتف الإبط
قال النووي رحمه الله تعالى: "أما (نتف الإبط) فسنة بالاتفاق، والأفضل فيه النتف لمن قوي عليه، ويحصل أيضًا بالحلق وبالنورة، وحكي عن يونس بن عبد الأعلى قال: دخلت على الشافعي رحمه الله تعالى وعنده المزين يحلق إبطه، فقال الشافعي: علمت أن السنة النتف، ولكن لا أقوى على الوجع" انتهى من (شرح مسلم للنووي: [3/149]).

قص الأظافر
"قص الأظافر من سنن الفطرة لقول النبي صى الله عليه وسلم: «الفطرة خمس : الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الابط» (البخاري ومسلم)، وثبت في حديث آخر أن سنن الفطرة عشرة منها قص الأظافر، وعن أنس رضي الله عنه قال: «وقت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قص الشارب وقلم الظفر ونتف الإبط وحلق العانة ألا نترك ذلك أكثر من أربعين يوماً». رواه أحمد ومسلم والنسائي واللفظ لأحمد، فمن لم يقص أظفاره فهو مخالف لسنة من سنن الفطرة، والحكمة في ذلك النظافة والنقاء مما قد يكون تحتها من الأوساخ والترفع عن التشبه بمن يفعل ذلك من الكفار وعن التشبه بذوات المخالب والأظفار من الحيوانات" (فتاوى اللجنة الدائمة: [5/173]).

وأكثر النساء اليوم يقعن في التشبه بالبهائم المفترسة بإطالة أظفارهن ثم صبغها بطلاء المناكير وهذا منظر في غاية القُبح ويُثير الاشمئزاز في نفس كلّ عاقل صاحب فطرة سليمة، وكذلك من العادات السيئة عند بعض الناس إبقاء أحد الأظفار طويلا وكلّ هذا مخالفة واضحة لسنن الفطرة ، نسأل الله السلامة والعافية، والله الهادي إلى سواء السبيل".

قص الشارب
اتفق العلماء على مشروعية الأخذ من الشارب للأحاديث الكثيرة الواردة في هذا، كقوله صلى الله عليه وسلم: «وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب» (رواه البخاري [5442])، وكقوله صلى الله عليه وسلم: «من لم يأخذ من شاربه فليس منا» (رواه الترمذي [2685]) وصححه الألباني في (صحيح الترمذي).

قال النووي رحمه الله تعالى في (المجموع: [1/340]): "وأما قص الشارب فمتفق على أنه سنة" انتهى.

ولكن وقع الخلاف بين أهل العلم في القدر الذي يؤخذ.

قال الشوكاني في (نيل الأوطار: [1/148]): "وقد اختلف الناس في حد ما يقص عن الشارب، وقد ذهب كثير من السلف إلى استئصاله وحلقه، لظاهر قوله: (أحفوا) و(أنهكوا). وهو قول الكوفيين، [ورواية عن الإمام أحمد ، ويعني بالكوفيين أتباع أبي حنيفة رحمه الله تعالى]، وذهب كثير منهم إلى منع الحلق والاستئصال، وإليه ذهب مالك [والشافعي وأحمد في رواية عنه].

وقد شدد الإمام مالك رحمه الله تعالى في حلق الشارب فعده مُثْلَةً يستحق صاحبه التأديب، وقال بأن حلقه بدعة ظهرت في الناس، ذكر هذا عنه النووي في (المجموع) وابن القيم في (زاد المعاد) وغيرهما، ولكن جمهور أهل العلم على خلاف هذا، إذ يرون أنه لا بأس بحلقه وقصه، وإن اختلفوا في الأفضل" انتهى.

قال المرداوي الحنبلي في (الإنصاف: [1/121]): "ويحف شاربه أو يقص طرفه، وحفه أولى، نص عليه [يعني الإمام أحمد]" انتهى.

وقد ذكر ابن القيم في (زاد المعاد: [1/171]) أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى قال: إن أحفاه فلا بأس، وإن أخذه قصاً فلا بأس. ودليل الإمام أحمد على ذلك أن الأحاديث جاءت بالأمر بـ: الإحفاء، والقص.

بيان كيفية استنجاء النبي صلى الله عليه وسلم بالماء
الحمد لله ذي الجلال والإكرام
أولاً: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن الإسراف في كل شيء، وكان يقتصد في الماء إذا استعمله في طهارته، ولا يسرف فيه، حتى كان يتوضأ بالمدّ كما قال أنس رضي الله تعالى عنه (مسلم: [325]).
والمد: ما يسع كفي ابن آدم متوسط الخِلْقة.

وكذلك فإنه صلى الله عليه وسلم كان لا يسرف في الماء حال الاستنجاء، فلا يستعمل منه فوق الحاجة، وهو القدر الذي به تزول النجاسة عن الموضع.

ثانياً: كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم إذا احتاج إلى الاستنجاء، أو إزالة قذر أو أذى، جعل مباشرة ذلك بيده اليسرى:
روى أبو داود [33] عَنْ أم المؤمنين عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها، قَالَتْ: "كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيُمْنَى لِطُهُورِهِ وَطَعَامِهِ، وَكَانَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ أَذًى" وصححه الألباني في (صحيح أبي داود).
وروى البخاري [265]، ومسلم [317] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما، قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: "وَضَعْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاءً يَغْتَسِلُ بِهِ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ، فَغَسَلَهُمَا مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، ثُمَّ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ، ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالأَرْضِ"، وفي رواية: "ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالأَرْضِ، أَوْ بِالْحَائِطِ".

فإذا كان يمكن أن يصب من الإناء بيمينه ويغسل بيساره فعل ذلك.
روى البخاري [150]، ومسلم [271] عن أَنَس بْن مَالِكٍ رضي الله تعالى عنه، قال: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ، أَجِيءُ أَنَا وَغُلاَمٌ، مَعَنَا إِدَاوَةٌ مِنْ مَاءٍ، يَعْنِي يَسْتَنْجِي بِهِ".
والْإِدَاوَة: إِنَاء صَغِير من جلد يتَّخذ للْمَاء، كما في (فتح الباري لابن حجر: [1/ 76]).

قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "إذا كانَ الماء في مثل الإداوة ونحوها: يصب منه على فرجه" انتهى من (فتح الباري لابن رجب: [1/ 276]).

ثالثًا: كان صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء دلك يده بالأرض، وتقدم حديث أم المؤمنين ميمونة رضي الله تعالى عنها: "فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ، ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالأَرْضِ".

وروى النسائي [50] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنها: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ، فَلَمَّا اسْتَنْجَى دَلَكَ يَدَهُ بِالْأَرْضِ"، وحسنه الألباني في (صحيح النسائي).

وهذا الفعل واضح، مفهوم المعنى: أنه لأجل إزالة ما قد يعلق باليد من أثر الاستنجاء، من قذر، أو رائحة كريهة؛ ولهذا ترجم عليه الإمام البخاري رحمه الله تعالى: "بَابُ: مَسْحِ الْيَدِ بِالتُّرَابِ ليكُونَ أنقَى" انتهى.

قال في (عون المعبود: [1/ 44]): "لِتُزِيلَ الرَّائِحَةَ الْكَرِيهَةَ، إِنْ بَقِيَتْ بَعْدَ الْغَسْلِ" انتهى.

فلو غسل يديه بالصابون ونحوه مما يزيل ذلك الأثر، فهو كما لو دلكها بالأرض، بل أولى. قال النووي رحمه الله تعالى: "يُسْتَحَبُّ لَلْمُسْتَنْجِي بِالْمَاءِ إِذَا فَرَغَ أَنْ يَغْسِل يَدَهُ بِتُرَابٍ أَوْ أُشْنَانٍ أَوْ يَدْلُكُهَا بِالتُّرَابِ أَوْ بِالْحَائِطِ لِيَذْهَبَ الِاسْتِقْذَارُ مِنْهَا" انتهى من (شرح مسلم: [3/231]).

ثم يتوضأ صلى الله عليه وسلم وضوءه للصلاة، فيبدأ بغسل يديه ثلاثًا قبل أن يدخلها في الإناء.

روى البخاري [265]، ومسلم [317] -واللفظ له- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قَالَ: حَدَّثَتْنِي خَالَتِي مَيْمُونَةُ، قَالَتْ: أَدْنَيْتُ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُسْلَهُ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ، ثُمَّ أَفْرَغَ بِهِ عَلَى فَرْجِهِ، وَغَسَلَهُ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ الْأَرْضَ، فَدَلَكَهَا دَلْكًا شَدِيدًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ مِلْءَ كَفِّهِ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى عَنْ مَقَامِهِ ذَلِكَ، فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ".
وفي رواية لمسلم: "فَغَسَلَ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ".
والله تعالى أعلى وأعلم.

آداب وأحكام في قضاء الحاجة
إنّ من عظمة الشّريعة الإسلامية المباركة أنّها ما تركت خيرًا في قليل ولا كثير إلا أمرت به ودلّت عليه ولا شرًا في قليل ولا كثير إلا حذّرت منه ونهت عنه، فكانت كاملة حسنة من جميع الوجوه، وقد أثار ذلك دهشة غير المسلمين وإعجابهم بهذا الدّين حتى قال أحد المشركين لسلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءةَ فَقَالَ سَلْمَانُ: "أَجَلْ، نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ" .. الحديث، (الترمذي: [16]) وقال حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَهُوَ في (صحيح مسلم) وغيره وقد وردت في الشريعة الإسلامية عدة آداب وأحكام في قضاء الحاجة ومنها:

1- عدم استقبال قبلة الصّلاة عند البول والغائط (وقبلة المسلمين هي الكعبة التي بناها إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأمر من الله تعالى في مكة) وهذا من احترام القبلة وتعظيم شعائر الله تعالى وقد قال رسول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِهِ فَلا يَسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ وَلا يَسْتَدْبِرْهَا» (مسلم: [389]).

2- أن لا يمسّ ذَكَرَه بيمينه وهو يبول لقوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلا يَأْخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَلا يَسْتَنْجِي بِيَمِينِهِ وَلا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ» (البخاري: [150]).

3- أن لا يزيل النّجاسة بيمينه بل يستخدم شماله لمباشرة النجاسة في إزالتها للحديث المتقدّم ولقوله صلى الله عليه وسلم : «إِذَا تَمَسَّحَ أَحَدُكُمْ فَلا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ» (البخاري: [5199]) ولما روته أم المؤمنين حفصة رضي الله تعالى عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "كَانَ يَجْعَلُ يَمِينَهُ لأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَوُضُوئِهِ وَثِيَابِهِ وَأَخْذِهِ وَعَطَائِهِ وَيَجْعَلُ شِمَالَهُ لِمَا سِوَى ذَلِكَ" رواه الإمام أحمد وهو في (صحيح الجامع: [4912])، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا اسْتَطَابَ أَحَدُكُمْ فَلا يَسْتَطِبْ بِيَمِينِهِ ، لِيَسْتَنْجِ بِشِمَالِهِ» (ابن ماجة: [308]) وهو في (صحيح الجامع: [322]).

4- والسنّة أن يقضي حاجته جالسًا وأن يدنو من الأرض لأنّه أستر وآمن من ارتداد رشاش البول عليه وتلويث بدنه وثيابه فإن أَمِن ذلك جاز البول قائمًا.

5- أن يستتر عن أعين الناس عند قضاء الحاجة وقد كان أَحَبَّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَتِهِ هَدَفٌ أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ (أي مرتفع من الأرض أو حائط نخل وهو البستان) (مسلم: [517])، وإذا كان الإنسان في الفضاء وأراد قضاء حاجة ولم يجد شيئًا يستره فليبتعد عمن حوله من الناس لما رواه الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رضي الله تعالى عنه قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَأَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاجَتَهُ فَأَبْعَدَ فِي الْمَذْهَبِ (الترمذي: [20] وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ)، وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي قُرَادٍ رضي الله تعالى عنه قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْخَلاءِ وَكَانَ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ أَبْعَدَ (النسائي: [16] وهو في صحيح الجامع: [4651]).

6- أن لا يكشف العورة إلا بعد أن يدنو من الأرض لأنّه أستر لما رواه أَنَس رضي الله تعالى عنه قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ لَمْ يَرْفَعْ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنْ الأَرْضِ (الترمذي: [14]) وهو في (صحيح الجامع: [4652]). وإذا كان في مرحاض فلا يرفع ثوبه إلا بعد إغلاق الباب وتواريه عن أعين النّاظرين، ومن هذه النقطة والتي قبلها تعلم أيّها السائل الكريم أنّ ما يفعله كثير من النّاس في بلاد الغرب وغيرها من التبوّل وقوفاً في المحلات المكشوفة داخل المراحيض العامة هو أمر مناف للأدب والحياء والحشمة والأخلاق الفاضلة الكريمة وتقشعرّ منه بدن كلّ صاحب فطرة سليمة وعقل صحيح، إذ كيف يكشف الشّخص أمام النّاس عورته التي جعلها الله بين رجليه سترًا لها وأمر بتغطيتها واستقرّ أمر تغطيتها عند جميع عقلاء البشر. وكذلك فإنّ من الخطأ أساسًا بناء المراحيض بهذا الشّكل المُشين الذي يرى فيه مستعملوها بعضهم بعضاً وهم يبولون متخلّفين في ذلك عن بعض البهائم التي من عادتها الاستتار عند التبوّل والتغوّط.

7- ومن الآداب الشّرعية عند المسلمين أذكار معيّنة يقولونها عند دخولهم الخلاء وعند خروجهم منه وهي مناسبة تمام المناسبة للحال والمكان فقد علمنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن يقول الواحد منا عند دخول الخلاء: بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، فيستعيذ بالله من كلّ أمر خبيث ومن كلّ شيطان وشيطانة، وعند الخروج يسأل الله المغفرة بقوله: غفرانك.

8- الاعتناء بإزالة النجاسة بعد الفراغ من قضاء الحاجة لقوله صلى الله عليه وسلم محذّرا من التساهل في التطهّر من البول: «أَكْثَرُ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْ الْبَوْلِ» (ابن ماجة: [342]) وهو في (صحيح الجامع: [1202]) وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُمَا قَالَ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا هَذَا فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ وَأَمَّا هَذَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» (البخاري: [5592]).

9- أن يكون غسل النجاسة أو مسحها ثلاث مرات أو وترًا بعد الثلاث بحسب ما تدعو إليه حاجة التطهير، لما جاء عَنْ أم المؤمنين عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَغْسِلُ مَقْعَدَتَهُ ثَلاثًا قَالَ ابْنُ عُمَرَ: "فَعَلْنَاهُ فَوَجَدْنَاهُ دَوَاءً وَطُهُورًا" (ابن ماجة: [350]) وهو في (صحيح الجامع: [4993])، ولما رواه أبو هُرَيْرََةُ رضي الله تعالى عنه عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «إِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَجْمِرْ وِتْرًا» رواه الإمام أحمد وحسنه في (صحيح الجامع: [375]).

10- أن لا يستعمل العظم ولا الرّوث في الاستجمار (وهو إزالة النجاسة بالمسح). وإنما يستعمل المناديل والحجارة ونحوها. لما جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِدَاوَةً لِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَبَيْنَمَا هُوَ يَتْبَعُهُ بِهَا فَقَالَ «مَنْ هَذَا فَقَالَ أَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ فَقَالَ ابْغِنِي أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا وَلا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ وَلا بِرَوْثَةٍ فَأَتَيْتُهُ بِأَحْجَارٍ أَحْمِلُهَا فِي طَرَفِ ثَوْبِي حَتَّى وَضَعْتُهَا إِلَى جَنْبِهِ ثُمَّ انْصَرَفْتُ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مَشَيْتُ فَقُلْتُ مَا بَالُ الْعَظْمِ وَالرَّوْثَةِ قَالَ: هُمَا مِنْ طَعَامِ الْجِنِّ .. » الحديث (البخاري: [3571]).

11- أن لا يبول الإنسان في الماء الراكد. لما رواه جَابِر رضي الله تعالى عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ (مسلم: [423]) ولأنّ في ذلك تنجيسًا للماء وإيذاء لمستعمليه.

12- أن لا يبول في طريق النّاس ولا في ظلّ يستظلّ به النّاس، لأنّ في ذلك إيذاء لهم، وقد روى أبو هُرَيْرَةُ رضي الله تعالى عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «اتَّقُوا اللاعِنَيْنِ قَالُوا وَمَا اللاعِنَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ ظِلِّهِمْ» (أبو داود: [23]) وهو في (صحيح الجامع: [110]).

13- أن لا يسلّم على من يقضي حاجته ولا يردّ السّلام وهو في مكان قضاء الحاجة تنزيها لله سبحانه أنْ يُذكر اسمه في الأماكن المستقذرة عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله تعالى عنه أَنَّ رَجُلًا مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا رَأَيْتَنِي عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ فَلَا تُسَلِّمْ عَلَيَّ فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لَمْ أَرُدَّ عَلَيْكَ» ( ابن ماجة: [346]) وهو في (صحيح الجامع: [575]). وجمهور العلماء على كراهية الكلام في الخلاء لغير حاجة.

الغسل
أسباب وجوب واستحباب الغسل
الغسل قد يكون واجباً، وقد يكون سنة مستحبة، وقد بين العلماء رحمهم الله تعالى جميع تلك الحالات، ويمكن تقسيم كلامهم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: موجبات الغسل المتفق عليها، وهي:
1- خروج المني ولو من غير جماع.
جاء في الموسوعة الفقهية (31/195): "اتّفق الفقهاء على أنّ خروج المنيّ من موجبات الغسل، بل نقل النّوويّ الإجماع على ذلك، ولا فرق في ذلك بين الرّجل والمرأة في النّوم أو اليقظة، والأصل في ذلك حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «إنّما الماء من الماء» (رواه مسلم [343])، ومعناه -كما حكاه النّوويّ- يجب الغسل بالماء من إنزال الماء الدّافق وهو المنيّ" انتهى.

2- التقاء الختانين بتغييب الحشفة كاملة في الفرج، ولو لم يحصل إنزال.

3-4 : الحيض والنفاس
جاء في الموسوعة الفقهية (31/204) :
" اتفق الفقهاء على أن الحيض والنفاس من موجبات الغسل، ونقل ابن المنذر وابن جرير الطبري وآخرون الإجماع عليه ، ودليل وجوب الغسل في الحيض قول الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ } " انتهى.
القسم الثاني: الحالات التي لا يجب فيها الغسل بالاتفاق، وإنما يستحب.
1- في كل مجمع للناس ، فيستحب الاغتسال له:
قال البغوي رحمه الله تعالى: يستحب لمن أراد الاجتماع بالناس أن يغتسل ويتنظف ويتطيب.
ومن ذلك: غسل العيدين: قال النووي رحمه الله تعالى (المجموع:2/233): "سنة لكل أحد بالاتفاق، سواء الرجال والنساء والصبيان؛ لأنه يراد للزينة وكلهم من أهلها " انتهى.

ومنه الغسل لصلاة الكسوف والاستسقاء وللوقوف بعرفة، والغسل بالمشعر الحرام ولرمي الجمار في أيام التشريق، ونحو ذلك من مجامع الناس في عباداتهم أو عاداتهم.
2- عند تغير البدن: يقول المحاملي – من فقهاء الشافعية - : يستحب الغسل عند كل حال تغير فيه البدن .
ومن ذلك: ما نص عليه الفقهاء من استحباب غسل المجنون والمغمى عليه إذا أفاق والغسل من الحجامة وبعد دخول الحمام ونحو ذلك ، فإن الغسل يزيل ما علق بالبدن ويعيده إلى حاله الطبيعي. انظر (المجموع:2/234،235)
3- عند بعض العبادات : كالغسل للإحرام ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم «تَجَرَّدَ لإِهلالِهِ وَاغتَسَلَ» رواه الترمذي (830)، ونص الفقهاء على استحباب الغسل لطوافي الزيارة والوداع، وفي ليلة القدر، وكان ابن عمر إذا دخل مكة اغتسل، ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله. رواه البخاري (1478) ومسلم (1259)
القسم الثالث: الأغسال المختلف فيها، وبيان الراجح في ذلك:
1- غسل الميت:
ذهب جماهير أهل العلم إلى أن الموت من موجبات الغسل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم حين توفيت ابنته «اغْسِلْنَهَا ثَلاثًا أَو خَمْسًا أَو أَكثَرَ مِن ذَلِكَ» رواه البخاري (1253) ومسلم (939)
2- الغسل من غسل الميت: اختلف العلماء فيه تبعا لاختلافهم في حكم الحديث المروي فيه. فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:  «مَن غَسَّلَ مَيتًا فَلْيَغتَسِلْ»  رواه أحمد (2/454) وأبو داود (3161) والترمذي (993) وقال حديث حسن ، وقال الإمام أحمد "مسائل أحمد لأبي داود" (309) : ليس يثبت فيه حديث .
يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى (الشرح الممتع:1/411): " (الاستحباب) هو القول الوسط والأقرب" انتهى.

3- غسل الجمعة:
قال النووي في (المجموع:2/232): "هو سنة عند الجمهور، وأوجبه بعض السلف " انتهى.
والصحيح فيه ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (الفتاوى الكبرى:5/307) : "ويجب غسل الجمعة على من له عرق أو ريح يتأذى به غيره" انتهى.

4- إذا أسلم الكافر:
جاء في الموسوعة الفقهية (31/205-206):
ذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّ إسلام الكافر موجب للغسل، فإذا أسلم الكافر وجب عليه أن يغتسل، لما روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: أنّ ثمامة بن أثال رضي الله عنه أسلم، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «اذهبوا به إلى حائط بني فلان فمروه أن يغتسل» وعن ( قيس بن عاصم أنّه أسلم : «فأمره النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يغتسل بماء وسدر»؛ ولأنّه لا يسلم غالباً من جنابة ، فأقيمت المظنّة مقام الحقيقة كالنّوم والتقاء الختانين .
وذهب الحنفية والشافعية إلى استحباب الغسل للكافر إذا أسلم وهو غير جنب؛ لأنه أسلم خلق كثير ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالغسل، وإذا أسلم الكافر وهو جنب وجب عليه الغسل، قال النّوويّ: نصّ عليه الشّافعيّ، واتّفق عليه جماهير الأصحاب" انتهى.
يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى في (الشرح الممتع:1/397): "الأحوط أن يغتسل" انتهى.
والله  تعالى أعلى وأعلم.

صفة الاغتسال
أما عن صفة الاغتسال من الحدث الأكبر، فالجواب:
الغسل له صفتان:
صفةٌ مجزئة: بمعنى أنه من اكتفى بالغسل على هذه الصفة صح غسله، وتطهَّر من الحدث الأكبر، ومَن أَخَلَّ بهذه الصفة لم يصحَّ غسله.
صفة كاملة مستحبة : وهي الصفة التي يستحب الإتيان بها ولا يجب.
أما الصفة الواجبة المجزئة فهي:
1- أن ينوي الطهارة من حدثه: جنابة أو حيضا أو نفاسا.
2- ثم يَعُمَّ بدنَه بالغسل مرة، يتفقَّد فيها أصول شعره، والمواضع التي لا يصل إليها الماء بسهولة كالإبطين وباطن الركبتين ، مع المضمضة والاستنشاق على الصحيح من أقوال أهل العلم .
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى (الشرح الممتع:1/423):
"والدليل على أن هذا الغسل مجزئٌ: قول الله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ}  [المائدة:6]، ولم يذكر الله تعالى شيئا سوى ذلك، ومن عَمَّ بدنه بالغسل مرة واحدة صدق عليه أنه قد اطَّهَّرَ" انتهى.
أما الصفة الكاملة فهي:
1- أن ينوي بقلبه الطهارة من الحدث الأكبر: جنابة أو حيض أو نفاس.
2- ثم يسمي الله تعالى، ويغسل يديه ثلاثا، ويغسل فرجه من الأذى.
3- ثم يتوضأ وضوءه للصلاة كاملا.
4- ثم يصب الماء على رأسه ثلاث مرات، ويدلك شعره حتى يصل الماء إلى أصول الشعر.
5- ثم يعم بدنه بالماء والغسل، يبدأ بشق بدنه الأيمن، ثم الأيسر، يدلكه بيديه ليصل الماء إلى جميع الجسم.
والدليل على هذه الصفة المستحبة:
عن عائش=8

المقال السابق
(28) فضائل الأعمال في القرآن الكريم والسنة النبوية
المقال التالي
(30) الجهاد في الإسلام