حادثةُ الإفكِ الجديدة، بركاتٌ بعضُها فوقَ بعض !

منذ 2010-10-14

لستُ هنا بصددِ الدفاع عن عرضِ الطاهرةِ، المصونةِ، العفيفة، الصدّيقةِ ابنةُ أبي بكرٍ الصديق - رضيَ الله عنها وعن أبيها - وتبرِئتها مما نطقَ بهِ الزنديقُ الآثمُ - نزيلُ لندنَ الخبيث - في حادثةِ الإفك الجديدة؛ فلَقد قضى اللهُ أمرهُ وأمضى حُكمه قبل



لستُ هنا بصددِ الدفاع عن عرضِ الطاهرةِ، المصونةِ، العفيفة، الصدّيقةِ ابنةُ أبي بكرٍ الصديق - رضيَ الله عنها وعن أبيها - وتبرِئتها مما نطقَ بهِ الزنديقُ الآثمُ - نزيلُ لندنَ الخبيث - في حادثةِ الإفك الجديدة؛ فلَقد قضى اللهُ أمرهُ وأمضى حُكمهُ قبلَ 1000 سنةٍ وتزيد؛ ببراءتها ممّا تفوّه بهِ الأفّاكُ المأفون، في آياتٍ تُتلى إلى يومِ القيامة.. وإنزالِ العذابِ والتنكيلِ بِقاذِفها ومتّهِمِها : { والذي تولّى كِبرَهُ منهم لهُ عذابٌ عظيم }..

وأنَّى لي أن أتكلّمَ بشيءٍ بعدَ أن برّأها اللهُ الحقُّ العظيم ؟!

فهيَ أمُّ المؤمنينَ، ورمزُ النقاءِ والعفافِ والطهارَة، وحبيبةُ رسولِ ربٍّ العالمين، وإن رغِمت أنوفٌ.


لا يُذكرُ الطُّهرُ إلا قيلَ عائشةٌ .. رمزٌ لهُ وهوَ نورٌ في مُحيّاها
نُجِلُّها نُطرِبُ الدنيا بِرَوعتها .. إذا اِنبرى بكلامِ السوءِ أشقاها
نُرتِّلُ الوحيَ صفواً عن طهارتِها .. ولا نُبالي بصوتٍ خاسئٍ تاها
صدِّيقةٌ وابنةُ الصدِّيقِ ليس لها .. من مُشبِهٍ في الصّبايا في مزاياها


ولستُ - أيضاً - بِمُتكلِّمٍ عن مخازي الرافضةِ وأهوالِهم، أو مبيِّناً لبعضِ ما تخفي صدورُهم من الحقدِ والأذى والعداوةِ لرسولِ اللهِ -عليهِ الصلاةُ والسلامُ- وآلِ بيتهِ وصحابتهِ الأبرار الأخيار، فالذي تفوّهَ بهِ هذا الأفّاكُ الحاقدُ ليسَ بجديدٍ على من عرفَ القومَ وأدرَكَ أساسَ اِعتقادهم، واستبصَرَ أحوالَهم.. وطالعَ كتاباتِ أئمتهم وأسيادهم.


بيْدَ أنّ حادثةَ الإفكِ الأخيرةِ هذهِ؛ كانت بما اِحتوَتهُ من الخيرِ والبرِكةِ كما قالَ اللهُ من قبل ُ: { لا تحسبُوهُ شراً لكم بل هوَ خيرٌ لكم .. }.. فهيَ وإن كانت قاسيةً مؤلمةً مفتِّتةً لأكبادنا وأكبادِ عامةِ المؤمنين؛ إلاّ أنّ فيها من الخيرِ والبُشرى والفضلِ والبرَكةِ ما لا يَهبُهُ ولا يُقدِّرِهُ إلاّ اللهُ المنّانُ سبحانهُ وتعالى! بركاتٌ مُتراكِماتٌ بعضُها فوقَ بعض.

ولا يسَعُني في هذا المقام إلا أن أستعيرَ تلكَ المُفرَدةِ التاريخيةِ التي نطقَ بها الصحابيُّ الجليلُ أسيدُ بنُ الحضيْرِ - رضيَ اللهُ تعالى عنه- في حادثةِ فَقدِ عِقدِ عائشةِ رضيَ اللهُ عنها، بعدَ نزولِ آيةِ التيّمُمِ، " ما هيَ بأولِ بركتِكم يا آل أبي بكر !"

فلا تزالُ بركاتُ أبي بكرٍ وآلهِ تتوالَى على هذهِ الأمةِ منذُ أن نصرَ اللهُ رسولَهُ -عليهِ الصلاةُ والسلامُ- بأبي بكرٍ قبلَ الهجرةِ حينَ صدّقهُ إذ كذَّبهُ الناس، وأثناءَ الهجرةِ بمُرافقتِهِ لهُ، وبذاتِ النطاقينِ أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ رضيَ اللهُ تعالى عنها حينَ كانت تصِلُهم بالطعام، وبعدَ الهجرةِ في كثيرٍ من مواقفِ الصدقِ والحقّ، ثمّ ما جرى بعدَ ذلكَ في حادثةِ الإفك التي نالَت من عائشةَ ابنةِ أبي بكرٍ والتي كانت خيراً وبركةً على جميعِ المؤمنين، كما قالَ الله : " بل هوَ خيرٌ لكم "، ولم يقُل : بل هوَ خيرٌ لعائشةَ فقط، ثمّ ما حصلَ في نزولِ آية التيمُّم كما تقدّم، وما حصلَ بعدَ موتهِ -عليهِ الصلاةُ والسلام- في الذي تحقّقَ على يدِ أبي بكرٍ - رضيَ اللهُ عنهُ - من حربِ المرتدِّين، وتثبيتِ دعائمِ الدولةِ الإسلاميةِ، إلى أن حصَل من الخيرِ والبُشرياتِ الطيبة في هذهِ الحادثةِ الأخيرةِ ما تطمئنُّ بهِ قلوبُ المؤمنين..


فتعالَوْا بنا - أيُّها المُباركونَ - نتأملُ ما أجراهُ اللهُ من الخيرِ في طيّاتِ أعظَمِ محنةٍ مرّت بنا في الأيامِ الأخيرة؛ أعني محنةَ الإفكِ والبُهتانِ التي أصابَت عرضَ نبيِّنا عليهِ الصلاةُ والسلام..

أولاً: من أعظَمِ الخيرِ في هذهِ الحادثة؛ ما تكشّفَ للناسِ جميعاً من حقيقةِ دينِ هؤلاءِ الروافضِ وأخلاقِهم، وما ظهرَ للجميعِ من قُبحِ فعالِهم، وسوءَ ما تخفيهِ قلُوبُهم من الحقدِ السافرِ على أمّهاتِ المؤمنينَ رضيَ اللهُ تعالى عنهُنّ، وبانَ عداؤُهم الذي يُبطنونهُ لأهلِ السُّنة، واتّضَح للقاصي والداني أنّ ما يدّعونهُ من مُعاداةِ اليهودِ والنّصارى والحرص على قضايا المسلمين الشائكة - خصوصاً قضيّتيْ الأقصى وفلسطين- ما هوَ إلاّ محضُ كذب ومجموعُ اِفتراء! بل هم في الضفّة المقابلة تماماً لكلِّ ما يدّعون.. وهذا بعدَ أن كادت طائفةٌ مفتونة تُّصدِّقُ دعاواهُم..

الحاصل : الظهور الشيعي على حقيقتهِ، واِبتعاده هذهِ المرّة عن التقية؛ خيرٌ عظيم، وتبديدٌ وزعزعةٌ لِسرابِ التقريب، وإنني لعلى يقينٍ أنّ ذلك سيوقظ الكثير من المخدوعينَ من أهلِ السنة.


ثانياً: في هذهِ الحادثة رسالةٌ صريحةٌ غيرُ مُجَمجِمة؛ إلى دعاةِ التقاربِ والتلميعِ لمذهبِ التشيُّع، فقد ألقمتهم هذهِ الحادثةُ أحجاراً، بلهَ قد أتَت على بُنْيانهم من القواعد، فهم وإن حاولوا أن يوهمُوا أنفسَهم -قبلَ أن يوهمونا- بنجاحِ محاولاتِهم في التقريبِ والتذويبِ ومدى جدِّيّتها، إلا أنّهم لم يستطيعوا أن يُحدّدوا موقفاً صريحاً تجاهَ هذهِ الفريةِ العظيمة من قِبَلِ هذا الأفّاكِ المجرِم؛ اللهمّ إلا تصريحاتٍ خجولةٍ غيرِ واضحةٍ لبعضِهم، بل وحاولَ بعضُهم أن يجعلَ منها قضيةَ شخصٍ واحدٍ فقط! ، وبعضُهم ممن أزعجَ آذاننا بكثرةِ منعِه لِسبِّ الصحابةِ والبراءةِ ممن قامَ بذلك؛ له تسجيلاتٌ صوتية تلعنُ وتسُبُّ الخلفاء الراشدين الثلاثة الأُول ـ رضي الله عنهم وعن بقية صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ وما زالت موجودة ! فيا للهِ العجَب، وسُبحانَ من أبى أن تجتمعَ كلمتيْ الحقَ والباطلِ إلى يومِ الدين، وصدقَ الحقُّ سبحانهُ : ( ولوِ اِتّبعَ الحقُّ أهواءَهُم لفسَدَتِ السماواتُ والأرضُ ومن فيهنّ ).

ويا ليتَ دعاةَ التقريبِ يعلمونَ أنّ مثلُهم ومثل هؤلاءِ الروافض كمَثَل مَن ينشُدُ في الماءِ جذوةَ نار .. وكَمَن يطلبُ من السّرابِ إرواءً لظمئه..! واللهُ المستعان.


ثالثاً: أبانَت هذهِ الحادثة بوضوحٍ تامّ؛ حقيقةَ التحالُفِ الليبراليّ الصحفيّ معَ المدِّ الصفويّ الرافضيّ الذي حذَّر منهُ وأشارَ إليهِ بعضُ المُدركينَ من العلماء، والذي أخذ يتنامى بشكلٍ مُخيف في الفترةِ الأخيرة!

ولمّا يغِب عن أذهاننا بعدُ؛ ما قامت بهِ وسائلُ الإعلامِ الليبرالية التي تستكتبُ بعضَ المنافقين، من الهجومِ المفضوحِ على الشيخِ العريفيّ حينَ نالَ من أحدِ زنادقتهم في العراق! ورأينا كيفَ اِحمرّت آنافُهم وتورّمت وجوههم حينها غيرةً على عرضِ السيستانيّ، أما حينما يكونُ الحديثُ عن عرضِ أمِّ المؤمنينَ الطاهرة فلا تستغرب حينها إذا قرأت لبعض بغال الليبرالية من التباكي على الفتنة والتنادي بعدم إثارة الطائفية، أو التغاضي عن الحدثِ بالكلِّيَّةِ، ولا عجَب، فكلُّنا يعلَم أن هؤلاء - أعني جنود الشيطان من الصحافيين والإعلاميين- ما هم إلا مطايا لهؤلاءِ الرافضةِ وغيرهم، يتَوَاروْنَ بهم كما يتوارى سائسُ الحمارِ بالحمارِ - أجلّكمُ الله - ، وما همُ اليومَ إلا من عرفناهم بالأمس!


رابعاً: من برَكاتِ هذهِ الحادثة؛ أن كشَفت بجلاءٍ ووضوح تخاذُلَ بعض المتثيْقِفةِ المنتسبينَ إلى العلمِ الشرعيّ، المتصالحينَ مع المشروع التغريبيّ - على حدّ تعبير الباحث إبراهيم السكران -، الذين ثاروا غيرةً على عرضِ شاعرٍ وأديبٍ - رحمهُ الله وتجاوزَ عنه - ضدّ بعض المتكلِّمينَ فيهِ بحق، بل وَورِمت آنافُهم حميةً وحدَباً على بعضِ المشاريعِ التنمويةِ التغريبية، وقد فتَحت لهم وسائلُ الإعلامِ أبوابَها، ومكّنتهم من الظهورِ المتواصلِ عبرَ شبكاتهِا وقنواتِها، ثمّ هم لم يقوموا بأيٍّ واجبٍ تجاهَ أمِّ المؤمنينَ الطاهرة رضيَ اللهُ عنها!، أفلا يستحي هؤلاء من أنفُسِهم، ومن ضمائرهم، ومن التاريخِ الذي يكتُبُ فِعالَهم؟! أَأعراضُ المنافقينَ من الليبراليينَ والمُبتِدعة ومروِّجي الجنسِ والرذيلة أعزُّ عليهم من عرضِ حبيبنا ونبيِّنا محمدٍ عليهِ الصلاةُ والسلام؟! أعوذُ باللهِ من الخذلانِ والتِّيه..


خامساً: من عظيم برَكات هذهِ الحادثة؛ تداعي الكثير من علماءِ أهلِ السُّنة ودُعاتهم إلى تبيانِ خطورةِ التشيُّع وسوءِ آثاره، وتوارُد بعض وسائلِ الإعلامِ الهادفة من المواقعِ الانترنتِّية والقنوات المتخصِّصة في فضحِ الرافضة كَقناتيْ ( صفا ووِصال ) توارُداً محموداً على إنتاج الكثير من البحوثِ والبرامج الوثائقية التي تكشِفُ ضلالَ التشيُّعِ وفسَاده، وشاءَ اللهُ أن يكونَ الحديثُ عن خطَر الرافضةِ مثارَ اِهتمامِ الكثيرِ من العامةِ في البيوتاتِ والطرقاتِ والأسواقِ وأماكنِ العمل والاِجتماعات، وهذا - بحمدِ الله - خيرٌ عظيمٌ عميم، سهّل من مهمّةِ المصلِحينَ المختصِّينَ والمنشغلينَ بخطورةِ هذا الجانب، ولا يحيقُ المكرُ السيِّئُ إلا بأهلهِ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.


سادساً: من الجميل في هذهِ الحادثة؛ التأثيرِ الإيجابيّ على كثير من عامّةِ الشيعةِ وعقلاءهم، فقد سمِعنا أن كثيراً منهم رجَعَ إلى الفطرةِ السليمة ( السُنة )، وأدركَ خطورة ما كانَ عليه، وخطورة ما عليهِ ملالي الشيعةِ وعلماءهم من الشركِ، والضلالِ، والحقدِ على الخلفاءِ الراشدينَ وعلى أمّهاتِ المؤمنينَ وآلِ بيتِ النبيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلّم، وهذا واللهِ من الخيرِ الذي نشكُرُ الله عليه، فمعَ وفرةِ الجهودِ الموجّهةِ مؤخراً إلى عوامّ الشيعة من قِبَل علماء السُنّة؛ إلا أن هذهِ المواقفِ الحمقاء التي يقومُ بها معمّمي الشيعة تهدمُ بُنيانهم بأيديهم، وتقوِّضُ أعمدتهم بما اِقترفتْهُ عقولهم وألسنتهم، وتُعمِلُ فيهم من التشكيكِ أكثرَ مما تُعمِلُهُ جهودُ أهلِ السنةِ مجتمعين، فالحمدُ للهِ على فضلِه.


أخيراً .. أتصوّر، بل وأجزم أنّ ما كتبتُهُ بابٌ من أبواب، وفصلٌ من كتاب، وقزَعةٌ من سحاب، مما تنطوي عليهِ هذهِ الفتنةُ من الخير، إلا أنني مجبرٌ على التوقف خشيةَ الإطالة، ولعلّ فيما كتبهُ غيري من الإخوة تكميلٌ لنقصي، وتسديدٌ لضعفي وعجزي.. والله أعلم.

هذا، وسلامُ الله على أبي بكرٍ وآلهِ في الأولينَ والآخرين، وسلامٌ عليهم جميعاً إلى يومِ الدين، والحمد لله ربِّ العالمين.


عبد الرحمن بن محمد السيد - تبوك
Am.daaw@gmail.com
الثلاثاء 19/شوال/ 1431هـ

 

المصدر: عبد الرحمن بن محمد السيد