نعم أمريكا ماتت وننتظر تشييعها

منذ 2010-10-19

رد على رد القيادة المركزية الأمريكية: 22 دليلا على الانهيار الوشيك ...


عندما قلت إن أمريكا ماتت، كنت أعني ما أقول. فهذه الدولة المحاربة تعيش الآن لحظة النهاية والسقوط، فهي كثور مذبوح يصدر خوارا بصوت مزعج، ويضرب بساقيه وقدميه يمينا وشمالا ضربات يائسة، لإرعاب من حوله. ربما من يقتربون منه وعلى أبصارهم غشاوة يشعرون بقوة اهتزاز ضرباته لكن من يقف على مسافة بعيدة منه يرى نهايته القريبة ويرى أن الموت مسألة وقت.

وعندما كتبت مقالي السابق بعنوان "أمريكا ماتت فلا تكونوا كجن سليمان" كنت أكشف لأمتي عن حقيقة، ربما تغيب عن البعض بسبب التضليل الإعلامي والضباب والضجيج المفتعل لإبعاد الأنظار عن الأفول الأمريكي ونهاية امبراطورية الشر الأمريكية.

أردت أن أبشر أبناء الأمة -بناء على حقائق ومعلومات وليس عواطف وأمنيات- بأن الكابوس الجاثم على صدورنا ينقشع أمام أعيننا ويحتاج أن ننظر بعيوننا وعقولنا لنتأكد وليس بعيون غيرنا، لأن البعض تعود على أن يصدق ما يقوله الآخرون واعتاد على تصديق الكذب الذي نراه ونسمعه ونقرأه كل يوم.

ورغم أن مقالي كان بمثابة طلقة تبدد الصمت الذي يغلف سقوط الصنم، وذكرت فيه رؤوس عناوين، فإن رسالتي وصلت إلى الطرف الآخر بأسرع مما توقعت، وضربت على الجرح النازف، وأصابت كبد الحقيقة.

وفوجئت برد القيادة المركزية الأمريكية على مقالي وهو أمر نادر الحدوث، و يبدو أن القوم لم يتحملوا أن يضع أحد يده على الحقيقة الصادمة لهم، لأن فتح هذا الباب يعجل بحالة التمرد بالمنطقة على الهيمنة الأمريكية، وإجبار المحتل الأمريكي على الرحيل من بلادنا وسحب ما تبقى من الأذرع الطويلة النازفة في العالم الاسلامي لتنكفيء أمريكا على نفسها وتلملم جراحها وتتقوقع حول نفسها خلف المحيط، ترعي مصالح أبنائها وتهتم بتوفير التم والصحة لمواطنيها.
فأمريكا لا يطول عمرها إلا بما يقدمه لها حكام العرب والمسلمين من حليب ودم، ولولا الخدم الذين تنكروا لأمتهم ما استمر هذا العلو الأمريكي والصهيوني إلى اليوم، ولكن لحكمة أرادها الله أن تبقي أمريكا كي تسقط بأيدي الشعوب المستضعفة في العراق وفي أفغانستان.

إن أفغاستان أفقر دولة اسلامية التي أسقطت الإتحاد السوفيتي هي هي التي تهزم أمريكا اليوم في هلمند وقندهار وتقضي على الهيبة العسكرية الأمريكية بعد تكسير عظام هذا الجيش في الفلوجة والأنبار بأيدي شعب يعاني من الحصار لأكثر من عقد من الزمن، ليكون الانكسار العسكري هو المشهد الأخير لسقوط هذه الامبراطورية.

وبالعودة إلى رد القيادة المركزية الأمريكية يمكن تقسيمه إلى قسمين: الأول يكرر الادعاءات عن إعمار الدولتين المحتلتين وعن الدور الإنساني للقوات الغازية في تقديم العون والعلاج وإقامة نظم حكم رشيدة!! وكأن هذه الجيوش وهذه الأسلحة جاءت لتكريم المسلمين وليس قتلهم.

والقسم الثاني من الرد يحاول إثبات إن أمريكا لم تمت وأنها بخير وعافية.


ولأن الرد يأخذنا بعيدا عن صلب الموضوع ويغرقنا في أرقام زائفة ومعلومات مغلوطة فإنني سأحاول أن أحيط بما ورد قدر الإمكان، مع التركيز على صلب القضية.

وجهة نظر القيادة المركزية الأمريكية لا تقنع أحدا في العالم الإسلامي، وهي ترديد لأقاويل إدارة بوش السابقة، وما ورد من تبريرات وأرقام لا تسمن ولا تغني من جوع، وهي تؤكد أن القيادة الأمريكية تعيش في واد والعالم كله في واد آخر.

أولا: جاء في الرد أن "هذه الحروب لم تكن خيارنا. وأن الولايات المتحدة اضطرت للدفاع عن النفس" وهذه مغالطة كبيرة... وهي تخالف رأي الرئيس الأمريكي باراك أوباما نفسه الذي فرق بين حرب أفغانستان وحرب العراق، ووصفها بأنها "حرب غبية. حرب متسرعة. حرب قائمة لا على المنطق، بل على العواطف، حرب قائمة لا على المبادىء، بل على الدوافع السياسية"..

وبسبب موقفه من هذه الحرب انتخبه الشعب الأمريكي ولعن جورج دبليو بوش. بل إن الرئيس السابق لم يستطع أن يدافع عن خياره بشن الحرب ولم يظهر مع زميله المرشح الجمهوري جون ماكين حتي لا يؤثر ه سلبا في المعركة الانتخابية. فإذا كانت الحرب ضد أفغانستان اضطرارا كما رأي صقور الادارة لأنها تستضيف أسامة بن لادن فلماذا تم غزو العراق؟ هل كان صدام حسين مرتبطا بالقاعدة؟ وهل كان له دور في ضرب مبني التجارة؟ وأين هي أسلحة الدمار الشامل التي اتخذوها ذريعة للغزو؟ هنا يجب الإشارة إلى مشروع القرن الأمريكي للهيمنة على العالم... فهناك مشروع وخطة مسبّقة للغزو.. وليس فى الأمر صدفة.. وكل كلام عن أسباب أخرى إنما هو تبرير زائف

وإذا كان أسامة بن لادن هو المتهم فهل هذا يعطي أمريكا حق غزو أفغانستان وتدمير البلاد بدون تحقيق أومحاكمة؟ فلماذا لم يعقدوا محاكمة خاصة لأسامة بن لادن إذا علمنا أن هناك روايات أخري تغير مسار الاتهام؟

ثانيا: يزعم الرد أن "حضور الولايات المتحدة في هذين البلدين كان مقتصرا على استهداف المتطرفين" ونحن نسأل: هل تفرق الصواريخ والقنابل العمياء بين متطرف وغير متطرف؟ وهل القنبلة التي وصفت بـ"السجادة" [؟!] التي تقتل كل كائن حي في دائرة قطرها نصف متر تنتقي المتطرفين دون غيرهم؟ وهل القصف الذي يتم بالطائرات بدون طيار يفرق بين الضحايا؟

فإذا كنتم تقصدون بالمتطرفين حركة طالبان والقاعدة، فهل كل من تقتلون في أفغانستان من المتطرفين؟ أم أنكم أبدتم المدنيين الأفغان كما تؤكد وثائق ويكيليكس تشهد على هذه الجرائم.
أين هؤلاء المتطرفين في العراق؟ لقد قتلتم أكثر من مليون عراقي وعذبتم مئات الآلاف وارتكبتم فظائع ضد المواطنين المدنيين، وعذبتم المعتقلين، رجالا ونساء بأبشع الوسائل، وسجن أبي غريب شاهد على هذه المأساة الإنسانية.. وكذلك سجن جوانتنامو.


إن العجز عن تبرير غزو العراق جعل كاتب الرد يركز على أفغانستان ويستفيض في سرد إنجازات وهمية، ويمر على العراق مرورا سريعا.

ثالثا: يزعم الرد أن "انسحاب الولايات المتحدة من العراق كان مبنيا على أساس إتفاقية أمنية تم توقيعها مع العراق" وزعم صاحب الرد حسب تعبيره أن "تحويل المهام الأمنية إلى العراقيين والتزامنا بهذا الشق يعد دلالة على نجاحنا على قهر المتطرفين"أي أن انسحاب القوات الأمريكية ليس بسبب ضربات المقاومة وانكسار الجيش الأمريكي، وهذا الكلام يفتقد المنطق ومعطيات الواقع على الأرض، فهذه الاتفاقية أبرمت كمخرج يحفظ ماء الوجه للقوات الأمريكية، وقرار الانسحاب اتخذ في عهد بوش، قبل أوباما، بعد أن تحول العراق إلى مقبرة للجيش الأمريكي وتدمير ثلثي العتاد الأمريكي على أيدي المقاومة العراقية.

رابعا: يتناقض الرد عندما يتحدث عن أفغانستان ويشير إلى زيادة عدد القوات الأمريكية، ومضاعفة الجهود لتدريب القوات الافغانية -من باب الفخر- ويزعم أن ألمانيا وانجلترا وجمهورية التشيك قد أعلنوا عن زيادة أعداد قواتهم -وهذا غير صحيح- في الوقت الذي يؤكد فيه الرد خطة الانسحاب التي أشرنا إليها حيث يقول: "إن الرئيس أوباما أعلن " في أكثر من مناسبة أن بداية نقل المهام الأمنية إلى القوات الأفغانية ستتم في منتصف 2011" واعتبر الرد أن هذا إشارة تدل على النجاح وليس العكس!!


لا أدري كيف يكون الهروب نجاحا؟ وما هذا التناقض؟
إن إرسال المزيد من القوات، والحديث عن الإنسحاب في نفس الوقت يكشف حالة التخبط والارتباك الناتج عن خسائر حقيقية لا يمكن تجاهلها.

خامسا: من المغالطات التي وردت في رد القيادة المركزية الأمريكية ما يوحي بأن الجيش الأمريكي غادر الولايات المتحدة وتحمل التضحيات لتعمير العراق وأفغانستان! حيث يتحدث عن "إنجاز العديد من المشاريع الإعمارية في العراق وإفغانستان كالمدارس والمستشفيات ومحطات الكهرباء والطرق و... التي ساعدت على تحسين الظروف المعيشية لمواطني هذين البلدين. وبالطبع هذا الكلام لا يحتاج إلى تق، فالعراق تحول إلى خراب والفضائيات تنقل بالصوت والصورة هذه المأساة والمعاناة، أما أفغانستان التي يزعم الرد أن الخدمات الصحية بها أصبحت متوفرة لأكثر من 83% من الشعب الأفغاني مقارنة بـ 8% عام 2002م" يكذبه أن القوات الأمريكية والتابعة للناتو لا تسيطر إلا على أقل من 20% من الأراضي الأفغانية وبمعني أدق مراكز المدن، وعكست نتيجة الانتخابات الأخيرة انها أجريت في 20% ولم يشارك فيها سوى 10% من الشعب، فكيف يتم تقديم الخدمات إلى 83% من الشعب الأفغاني.

وقد ذكرت صحيفة إندبندنت البريطانية أن إقالة الجنرال ستانلي ماكريستال قائد قوات حلف شمال الأطلسي والقوات الأميركية السابق بأفغانستان الجنرال ستانلي ماكريستال جاءت نتيجة تقييم سلبي للحملة العسكرية في أفغانستان قدمه لوزراء دفاع الحلف قبل أيام من إقالته.
ماكريستال أصدر تقييما هاما للحرب على ما وصفه بتمرد مرن ومتنام، واستبعد تحقيق أي تقدم خلال الأشهر القليلة المقبلة. وفي تفاصيل التقييم الذي قدمه ماكريستال، فإن خمس مناطق أفغانية فقط من أصل 116 صنفت على أنها "آمنة"، في حين أن الباقي يعاني من درجات متفاوتة من انعدام الأمن، وجاءت أربعون منطقة تحت تصنيف "خطير" أو "غير آمن". أي أن أكثر من نصف مليون جندي غربي وافغاني موالي للاحتلال يحكمون فقط 5 مناطق وطالبان تحكم بشكل أو بآخر 111 منطقة فكيف تستطيع القوات الأمريكية تقديم الخدمات لـ 83% من الشعب الأفغاني.


وزعم الرد أن الجيش الأمريكي قدم "الرعاية الصحية مما ساهم في تخفيض معدل الوفيات بين الأطفال حديثي الولادة ودون سن الخامسة، وحماية أرواح85000 طفل عام 2008 فقط،" ولا ندري هل تقديم مثل هذه البرامج من خلال الونيسيف يحتاج إلى أكثر من 150 ألف جندي في هذه البلاد؟!
ومع هذا فإن التقارير الدولية، وما ينشر في الإعلام الأمريكي والغربي يوميا عن الحالة الصحية في البلدين يدحض هذه الادعاءات، وهذه بعض الأمثلة:

- أفادت منظمة الصحة العالمية الشهر الماضي أن وباء الكوليرا تفشى في وسط أفغانستان.
- تعد أفغانستان واحدة من أربع دول ما زال مرض شلل الأطفال متوطنا فيها رغم اختفائه من كل العالم. وشلل الأطفال من الأمراض المعدية ويمكن أن يؤدي إلى الوفاة، ويمكن أن يصيب أي شخص لم يتلق اللقاح ولا يوجد له علاج.
- أكدت دراسة لمفوضية حقوق الانسان المستقلة في أفغانستان في عام 2008 أن ما لا يقل عن 600 ألف من أطفال الشوارع يفتقدون الحماية والرعاية بسبب اشتداد الحرب والفساد رغم تدفق أكثر من 35 مليار دولار على البلاد من مانحين اجانب منذ الإطاحة بحكومة طالبان عام 2001.
وينبغى ألا ننسى أن عدد من قتلتهم القوات الأمريكية والمتحالفة في أفغانستان لا يقل عن مليون شخص.

وإذا تركنا أفغانستان إلى العراق سنجد ما هو أخطر بشأن الوضع الصحي بسبب الأسلحة الأمريكية التي تسببت في نشر السرطان وتشويه المواليد والأجنة في العراق ككل وفي الفلوجة على وجه الخصوص بسبب استخدام أطنان من اليورانيوم المنضب.

وهذه بعض الأرقام التي توضح حجم المأساة:

- كشفت الدراسات الوبائية الميدانية لعدد من المنظمات الدولية أن الفلوجة تشهد معدلات أعلى من السرطان مقارنة بنفس الحالات والمعدلات التي سببتها القنبلتين الذريتين الأمريكيتين في هيروشيما و ناجازاكي العام 1945.
- قتلت القوات الأمريكية والتحالف 1.3 مليون عراقي.
- 3 مليون لاجيء خارج العراق.
- 2مليون نازح تركوا منازلهم داخل العراق.


يحاول الرد أن يعطي انطباعا هو أن القوات الأمريكية تنسحب بعد أن أدت دورها في الإعمار ونشر الإصلاح في كل من العراق وأفغانستان، وأن تسليم السلطة للحكومات المحلية لتكمل المسيرة. وهذه مغالطة لا تحتاج إلى بيان، فالحكم في الدولتين فاسد، وحكومتا المالكي وكرزاي هما أفسد حكومتين في العالم، وإذا كان ثمة ميزة تجمعهما فهي أنهما زعيما مافيا، يضرب بهما المثل في الفساد.

لذا من الأرقام العجيبة التي يذكرها رد القيادة المركزية الأمريكية، ذاك المتعلق بالاقتصاد الأفغاني حيث زعم أنه "سجل نموا بنسبة 100% في 2008/2009" ولا ندري كيف تحقق هذا النمو بينما تصريحات الحكومة الامريكية وعلى رأسها الرئيس باراك أوباما تصدع رؤسنا ليل نهار عن فساد كرزاي وحاشيته، ومن جهته يؤكد كرزاي فساد الأمريكيين وأنهم يسرقون ثلاثة أرباع ما يصل من منح ومعونات. وفي مؤتمر المانحين الذي عقد مؤخرا في كابول تبادل الطرفان الاتهامات بسرقة المنح والمعونات الأمر الذي جعل المانحين يصلون إلى تسوية مفادها قسمة الأموال بين الجانبين المتهمين بالفساد.

ولكن من باب التوثيق فإن الشهادات الدولية وهي كثيرة تفضح هذه الإنجازات المزعومة وننتقي من هذه الشهادات ما يلي:

1- أفغانستان والعراق أكثر دول العالم فسادًا، وفقًا لبيانات منظمة الشفافية الدولية، مقرها برلين، في تقرير مؤشرات الفساد Corruption Perceptions Index للعام 2009 . ويغطي التقرير 180 بلدًا، ذكر التقرير أن العراق جاء في المرتبة 176 وأفغانستان 179.

2- جاءت العراق وأفغانستان كأخطر بلدين في العالم وانعدام الأمن بهما في تقرير مؤشر السلام العالمي "جلوبال بيس انديكس" السنوي لهذا العام 2010 الذي أشرفت ه "إيكونوميست إنتليجنس يونت" التابعة لمجلة الـ"إيكونوميست" البريطانية والذي يرصد مؤشر السلام في 149 دولة حيث جاءت العراق في الترتيب الأخير 149 وأفغانستان في المرتبة الـ 147.

3- أكد المقياس السنوي السادس للدول الفاشلة للعام 2010 أن افغانستان والعراق من ضمن الدول العشر الأول. يعد هذا التقرير دورية السياسة الخارجية Foreign Policy بالتعاون مع وقفية السلام Fund for Peace وهو مركز أبحاث أمريكي يهتم بالصراعات الدولية وسبل إدارتها وحلها وأسباب اندلاعها. المقياس يقوم بترتيب الدول بحسب درجة إخفاقها في أداء الوظائف المنوطة بها.

4- تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أفغانستان أصبحت أكبر دولة منتجة للمخدرات في العالم خلال السنوات الأخيرة.


سقوط أمريكا

ربما استطردت بعض الشيء وعلى عجل في الرد على المزاعم التي وردت في رد القيادة المركزية الأمريكية، حتي لا تمر دون تفنيدها، لكن الموضوع الأهم الذي استنفر من وقفوا خلف الرد هو الحديث عن انهيار أمريكا وسقوطها وضياع الحلم الامبراطوري الأمريكي. يزعج القيادة الأمريكية فتح الموضوع والنقاش حوله لأنه يفضح ما يحاولون ستره وإبعاد الانظار عنه.

إن موضوع انهيار وسقوط الإمبراطورية الأمريكية أصبح حديث الساعة بين المفكرين والاستراتيجيين في أمريكا ذاتها وفي كل العالم، وبكل اللغات، ومن يريد الاطلاع آلاف الدراسات والوثائق حول هذا الموضوع ه أن يبحث في محرك البحث جوجل وسيري مئات الآلاف من العناوين.
بإجراء بحث سريع عن "انهيار الامبراطورية الامريكية" وجدت 186,000 عنوان وعن "سقوط الامبراطورية الامريكية" وجدت 163,000 عنوان، وبالبحث باللغة الانجليزية عن " The collapse of the American empire " وجدت 359,000 عنوان.


لقد صدر في أمريكا مؤخرا عشرات الكتب التي تتحدث عن انهيار الإمبراطورية الأمريكية أبرزها كتاب (حدود القوة.. نهاية الاستثنائية الأمريكية)، الذي كتبه آندرو باسيفتش أستاذ التاريخ والعلاقات الدولية بجامعة بوسطن، و كتاب "حرب الثلاثة تريليون دولار"جوزيف ستيجلتز الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد العام 2000- و ليندا بيلمز أستاذة السياسة العامة/ جامعة هارفارد.

وهذا السقوط الوشيك للإمبراطورية الأمريكية والانسحاب من العالم - وفقا لتقديرات المفكرين الاقتصاديين الغربيين سيأتي بأسرع مما نتخيل وليس كما تنبأ الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش بأنه سيكون عام 2025 ويومذاك دعا الشعب الأمريكي للفطام من النفط واستبداله بالطاقة البديلة، وقال أن الشرق الأوسط سيحكمه متمردون خارجون الهيمنة الأمريكية.

ولتأكيد رأيي حول الانهيار الوشيك للإمبراطورية الأمريكية فإنني سأركز على مؤشرات السقوط في ثلاثة ميادين: الانهيار الاقتصادي، والانكسار العسكري، ثم الأفول السياسي والحضاري.


وفي هذا المقال سأركز المؤشرات الاقتصادية التي تؤكد اقتراب النهاية للامبراطورية الأمريكية مثلها مثل الامبراطوريات التي سبقتها. فالعامل الاقتصادي كان سببا في سقوط ما سبق من امبراطوريات. إن الاتحاد السوفييتي عندما تفكك وانهار لم يكن ضعيفا عسكريا رغم هزيمته في أفغانستان، وانما انهار بسبب الاستنزاف المدمر للاقتصاد الروسي وتراكم الديون. نفس الأمر حدث مع الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية، وحتي الإمبراطورية العثمانية سقطت بسبب عجزها الاقتصادي وكثرة ديونها.

ولا نعني بالسقوط هنا أن تعود امريكا الى القرون الوسطي، وانما ستصبح دولة عادية تعيش داخل حدودها، وقد تبقى دولة قوية مثل بريطانيا وفرنسا وروسيا ولكن ستنتهي الأطماع التوسعية والاستعمارية وتنتهي هيمنة الرجل الأبيض على العالم.

وفي الحلقة الثانية من هذا الرد سأتناول بمشيئة الله ملامح انكسار المشروع العسكري الأمريكي الغربي في العراق وفي أفغانستان، وعجز أمريكا عن الدخول في حروب جديدة وإثبات أن القوة العسكرية لم تعد تخيف بعد أن وصلت إلى حدها الأقصى، وأن الأسلحة المتطورة وحدها لا تجلب النصر، و لا تحقق الأهداف الاستراتيجية.

وفي الحلقة الثالثة سأركز بإذن الله على الانهيار السياسي والأخلاقي لأمريكا والغرب ورؤية استشرافية لمستقبل العالم بعد انهيار أمريكا وموقع المسلمين في النظام الجديد للعالم.


المؤشرات الاقتصادية للانهيار الوشيك

في حلبة مصارعة الثيران لا يستطيع المصارع ضعيف البنية الانتصار على الثور الضخم الهائج في بداية الجولة، وإن وقف أمامه فهو مقتول لا محالة، ولكن النزيف المستمر بسبب السهام الصغيرة يجعل هذا الثور بقرونه الطويلة يخر راكعا في النهاية ثم يموت.


ما حدث مع أمريكا أنها اعتادت الدخول في حروب سريعة، وتحقيق انتصارات في وقت أقل على أعداء دب فيهم الضعف. حدث هذا في الحربين العالميتين، فأدمنت الحروب وشن العمليات العسكرية الاستعراضية. ولم تؤثر الحروب في قوتها الاقتصادية لانتهائها في فترات قصيرة وكان لديها فوائض مالية ضخمة تمول الجهد العسكري.

الجديد في حروبها الأخيرة أنها فوجئت برد فعل غير متوقع وبمقاومة أفقدتها هيبتها وأحرجتها أمام أصدقائها من دول الغرب التي تورطت معها، ولم يستسلم الشعبان العراقي والأفغاني وفشلت أمريكا والغرب في الحربين، فبدأت إدارة جورج بوش تستنزف الاقتصاد الأمريكي لتمويل الحرب، وزادت عمليات الاقتراض والاستدانة والضغط الميزانية، ومع طول أمد الحرب ترنح الاقتصاد الأمريكي وفجأة انهارت القلعة على رأس بوش حتى أجبرته على الخروج الذليل من منصب الرئاسة.

الشعب الأمريكي الذي أيد الحرب في البداية انقلب قادته وراح بعيدا، وانتخب أوباما كأول رجل أسود رئيسا للبلاد عسى أن يسحب الجيش من الخارج ويوقف الانهيار، ولكن أوباما جاء بعد الخراب، وبعد فوات الأوان.

ولم يعد أمام الرئيس الجديد ما يفعله غير الطمع في فترة ثانية، فلم يجد إلا التقرب إلى الفقراء بعلاجهم وتوظيفهم وإعفائهم من الضرائب حتى لو كان ذلك بتعميق العجز في الميزانية.

من يتابع الوضع الاقتصادي في الولايات المتحدة يجد أن استعادة أمريكا لعافيتها مجرد سراب وأضغاث أحلام، وأن اقترابها من الإفلاس قاب قوسين أو أدنى. وأن الانهيار بات وشيكا جدا ربما أسرع مما نتخيل، وسنجد أنفسنا أمام هذا السقوط المفاجيء مثلما فوجئنا بانهيار الاتحاد السوفيتي فجأة.


ومن خلال متابعة تطورات الأوضاع الاقتصادية والاطلاع على تقديرات المحللين العالميين والأمريكيين يمكن تحديد 22 دليلا يؤكد الانهيار الوشيك للولايات المتحدة الأمريكية وهي كالآتي:

1- ارتفاع العجز في الميزانية الأمريكية إلى مستويات غير مسبوقة. قال مكتب الميزانية بالكونجرس أن عجز الميزانية الأمريكية بلغ 1.342 تريليون دولار في 2010 وتوقع المكتب أيضا عجزا قدره 1.066 تريليون دولار للسنة المالية 2011 وأعلنت الموازنة التي أصدرها البيت الأبيض في فبراير الماضي، عجزًا بـ 8.53 تريليونات دولار طوال 10 سنوات، وقدّر مكتب الموازنة أنه ارتفع إلى 9.75 تريليونات دولار. وتوقع خبراء أن تتسبب موازنة عام 2011 بعجز يقارب 10 تريليونات دولار على مدى 10 سنوات.

2- ارتفاع العجز في الميزان التجاري بسبب زيادة الاستيراد من الخارج وتراجع الصادرات الامريكية. وفقا لوزراة التجارة الأمريكية واصل العجز ارتفاعه في العام 2009 حيث بلغ 375 مليار دولار ولم يتراجع العجز هذا العام وإنما واصل الارتفاع ليصل إلى 334.9 مليار دولار خلال الشهور الثمانية الأولى من العام الجاري. وقالت وزارة التجارة الخارجية الأمريكية أن عجز الميزان التجاري الأمريكي نما بنسبة 8.8% خلال أغسطس 2010 إلى 46.4 مليار دولار مقابل 42.6 مليار دولار خلال يوليو.
تتصدّر الصين قائمة الدول التي يميل الميزان التجاري لصالحها في مواجهة الولايات المتّحدة، وارتفع العجز التجاري مع الصين إلى مستوى قياسي عند 28 مليار دولار خلال أغسطس 2010 مقابل 20.2 مليار دولار خلال نفس الشهر عام 2009.

3- ارتفاع الديون الأميركية العامة خلال السنوات العشر الماضية من 5.647 ترليون دولار بنسبة 58% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2000، إلى أكثر من 13 تريليون دولار في 2010 حسب المعطيات التي نشرتها وزارة الخزانة الأمريكية في يونيو أي حوالي 93% من إجمالي الناتج المحلي للبلاد، ومن المتوقع أن يصل في عام 2015 إلى 19.7 تريليون دولار أي 102.6% من الناتج المحلي الإجمالي، أي أن الولايات المتحدة لا محالة في طريقها إلى الإفلاس.
وفي تقرير للفريق الاقتصادي لـ "CNN" في مارس الماضي فإن هذه الأرقام الرسمية لا تتضمن بنودا مخفية ترفع حجم الديون إلى أرقام فلكية، منها خسائر الشركات التي تديرها الحكومة الأمريكية بعد إعلان إفلاسها وأيضا خسائر خفض الضرائب. ويؤكد الخبراء أن الدَين الأمريكي أشبه بقنبلة زمنية موقوتة يمكن أن تنفجر في أي لحظة، حيث يزداد بحوالي 1.4 مليار دولار يوميا، وبحوالي مليون دولار كل دقيقة.

4- تملك الصين وحدها نحو تريليون دولار من سندات الخزينة ومن أوراق الدين الأمريكية بصفة عامة على نحو يجعلها قادرة على إسقاط الإقتصاد الأمريكي إن أرادت ذلك بالتخلص من هذه السندات في أي لحظة.

5- قدر تقرير للجنة الاقتصادية المشتركة التابعة للكونغرس الأمريكي تكاليف الحربين بين عامي 2002 و2008، بما يعادل 1.6 تريليون دولار وليس كما قدرتها ادارة بوش بأنها تتراوح بين 50:60 ملياردولار فقط. أما التكاليف الاقتصادية المستقبلية فستكون أكبر من ذلك بكثير، إذ تشير تقديرات التقرير إلى أن تكلفة الحربين معًا بين عامي 2003 و2017 ستصل إلى 3.5 تريليون دولار، أي أن العائلة الأمريكية الاعتيادية ستتحمل عبئًا يصل إلى 46400 دولار.

6- ارتفاع تكلفة الحرب في العراق وأفغانستان إلى (4: 6) تريليون دولار. أعلن ذلك جوزيف ستيغليتز العالم الاقتصادي الحائز على جائز نوبل، وليندا بيلمز الأستاذة بجامعة هارفارد، مؤلفا كتاب "حرب الثلاثة تريليون دولار" باحتساب نفقات رعاية الجنود الجرحي. وصححا الرقم الذي صدر في كتابيهما منذ عامين بعد إحصاءات جديدة أعلنها اتحاد المحاربين القدماء.

7- من واقع سجلات الكونجرس فإن الحرب تكلف الولايات المتحدة شهريا 80 مليار دولار ووصلت كلفة إرسال الجنود إلى المنطقة 2.5 مليار دولار. وتتراوح تكلفة إلقاء القنابل ما بين عشرة آلاف إلى 15 ألف دولار في الساعة. وتبلغ تكلفة تشغيل حاملة الطائرات الواحدة ثلاثة ملايين دولار يوميًّا.

8- مضاعفة ميزانية الدفاع خلال السنوات العشر مما شكل ضغطا الميزانية العامة للولايات المتحدة، فقد كانت مخصصات البنتاجون نحو 432 مليار دولار في عام 2001 ارتفعت إلى 696,3 مليار دولارا في عام 2008، وبلغت 720 مليار دولار لعام 2011.

9- أكدت وزارة التجارة الامريكية تراجع النمو في الناتج المحلي الاجمالي وتراجع الطلب المنتجات الامريكية -غير الدفاعية- في الاسواق العالمية عكس كل الوعود التي اعلنتها الحكومة وهذا التباطؤ يقرب البلاد من الافلاس.

10- اهتزاز أسواق الأسهم الأمريكية وفقدان الثقة بها وهروب الاستثمارات الخارجية من البلاد. حيث تسببت أزمة الائتمان الأمريكي في غياب الثقة الدولية في أسواق المال الأمريكية وهروب الاستثمارات الأجنبية.

11- إغلاق عشرات الآلاف من المصانع والشركات الأمريكية وتسريح العاملين فيها. قالت قاعدة بيانات لإحصاءات الإفلاس الأمريكية التي يستخدمها المحامون والبنوك ان 6502 شركة رفعت دعاوى للحماية من الدائنين بموجب قوانين الافلاس في يناير 2010 مقارنة مع 6055 شركة في يناير 2009.

12- إفلاس أكثر من 150 بنك في أمريكا و لازال أكثر من 500 بنك شفا الإفلاس. وسقوط البنوك يقود البلاد إلى الشلل التام في كل المجالات الاقتصادية.

13- تراجع الدولار أمام العملات الرئيسية الأخرى، وتدهورت قيمه الدولار أمام اليورو واليوان الصيني إلي أقصى حد. وهذا التخفيض المستمر لقيمه الدولار يفقد الثقة في الاستثمارات على الدولار وخصوصا الاستثمار في السندات الحكومية الأمريكية والاستثمار في أسواق المال الأمريكية.

14- تخلص المستثمرين من الدولار بشراء الذهب كمخزن للقيمة مما يفقد الدولار قيمته العالمية كمخزن للقيمة الأمر الذي ترتب ه ارتفاع أسعار الذهب إلى مستويات قياسية.

15- في قائمة نيوزويك عن أفضل مائة دولة في العالم تراجعت أمريكا عن موقعها الأول في 2000 إلى رقم 11 هذا العام 2010.

الاتجاه نحو الفقر

16- ارتفعت معدلات الفقر في الولايات المتحدة إلى أعلى مستوى لها في نصف قرن، حيث تجاوز عدد الفقراء في العام الماضي (43.6 مليون) مواطن أمريكي، وأكد مكتب الإحصاء الأمريكي أن معدلات الفقر ارتفعت إلى نسبة 14.6% من إجمالي السكان في عام 2009 مقارنة بنسبة 13.2% عام 2008 لتبلغ أعلى مستوى لها منذ بداية إحصاء الفقراء في عام 1959.

17- ارتفع عدد سكان الولايات المتحدة المحرومين من التأمين الصحي من 46.3 مليون في عام 2008 إلى 50.7 مليون في 2009 ما يعني 16.7% من مجموع السكان.

18- عشرة ملايين أمريكي يتلقون حاليًا التأمين ضد البطالة، وهو ما يقارب أربعة أضعاف عددهم العام 2007.

19- أكثر من واحد وأربعين مليون أمريكي على قائمة كوبونات الطعام، وارتفع عدد الأمريكيين الذين التحقوا ببرنامج كوبونات الطعام بنسبة مذهلة خلال الفترة من ديسمبر/ كانون أول العام 2007 لغاية يونيو/ تموز العام 2010 إلى حدود 55%.

20- تخلفت أكثر من ستة ملايين أسرة أمريكية عن سداد أقساط القروض لمدة 60 يوما أو أكثر، وفقا لبيانات شهر فبراير 2010 التي أعدها فريق الرقابة المكلف من مجلس الشيوخ الامريكي بمتابعة برامج وزارة الخزانة.

21- تتزايد نسبة البطالة في الولايات المتحدة بسبب تراجع معدلات النمو والإقفال المتزايد للمصانع، وانتقال بعض الصناعات إلى دول آسيوية، إلى جانب إغراق أسواق الولايات المتحدة المفتوحة بالبضائع الصينية الرخيصة. كانت نسبة البطالة 3.9 بالمائة في عام 2000. وأعلنت وزارة العمل أن معدل البطالة ارتفع إلى 9.6 بالمئة. وحاليا يبلغ إجمالي عدد العاطلين عن العمل في الولايات المتحدة نحو 31 مليون عاطل.

22- تراجع التم في أمريكا وباعتراف الرئيس الأمريكي أوباما، خاصة التم العالي حيث قال إن "نسبة الحاصلين على هذا القدر من التم بين مواطنينا تتجاوز بالكاد 50%. كما أن نسبة المتسربين من التم الثانوي لدينا تعتبر من أعلى مستويات التسرب في الدول الصناعية. وفي الوقت نفسه، فإن نصف الطلاب الذين يبدأون الدراسة الجامعية لا يستكملونها على الإطلاق".


هذه أبرز المؤشرات التي تؤكد أن الولايات المتحدة تسير نحو الانهيار السريع، وهنا يحضرني التحذير الذي أطلقه الخبير الاقتصادي الأمريكي نيال فيرغسون الأستاذ بجامعة هارفارد وكاتب المقال الأسبوعي الشهير في صحيفة (لوس أنجيليس تايمز)- صاحب كتاب: الإمبراطورية- صعود وزوال النظام العالمي البريطاني والدروس للقوى العالمية. لقد تنبأ بـ "الانهيار المفاجئ للإمبراطورية الأمريكية خلال العامين المقبلين".
أمريكا ستسقط كما سقط غيرها من إمبراطوريات، وستطوى صفحتها، ولن تقوم لها قائمة، بل لن يبكي ها أحد بسبب كم الجرائم التي ارتكبتها ضد الانسانية.


aamermon@alarabnews.com

الحلقة القادمة: الانكسار العسكري الأمريكي.. نتائج ودلالات

المصدر: العرب نيوز