مسلكيات - (38) جَلدُ الذات..محاكمةُ المصطلح

منذ 2016-12-04

إنَّ من مُتلقَّفات مجتمعاتنا العربية والإسلامية اليومَ من الثقافات الأجنبية الدخيلة مصطلحَ "جلد الذات"، فيُطلق بلا تمحيصٍ ولا تمييز، ويوظَّف في غير موضعه أحيانا كثيرة.

إنَّ من مُتلقَّفات مجتمعاتنا العربية والإسلامية اليومَ من الثقافات الأجنبية الدخيلة مصطلحَ "جلد الذات"، فيُطلق بلا تمحيصٍ ولا تمييز، ويوظَّف في غير موضعه أحيانا كثيرة.

فما أن يتفوَّه المرءُ بعبارةٍ يُفهَم منها لومُ نفسه أو معاتبتها على تقصير صدر منها إلا وتنهالُ عليه سهام النقد بغزارة، تتصدَّرُها نَكارةٌ بعبارة: "يجلدُ ذاته".
وينسحب هذا على المراجعات الفكرية والمنهجية للأفراد والجماعات.

ولو بحثنا في أصل المصطلح لوجدنا أنه أُطلق أوَّل ما أطلق على طائفةٍ من النصارى تقوم بممارسة الجلد بالفعل تعبيرًا عن الشعور بالخطيئة، فكأنهم يعاقبون أنفسهم بتعذيبها لتهدأ ضمائرُهم من التأنيب. 
وقد كان البابا بولس السادس يُغلق البابَ على نفسه ويقوم بجلدها بالسوط أو السلسلة حتى يسيل دمُه. 

وتعذيبُ الجسد في الديانة الهندوسية هو أقصرُ طريق لتحرير الروح والوصول بها إلى حالة الـ"نيرفانا" وهي ذروة النشوة الروحية العظمى.

وقد أخذ متأخروا الشيعة ذلك عن النصارى والهنود فصاروا يجلدون ظهورهم في مواكب العزاء الحسينية وهم يشعرون بنوع من ارتياح الضمير بالتخفيف من ثقل الخطيئة بخذلانهم الحسين وإسلامه للقتل.

فجلدُ الذات يعني بهذه الصور المقزّزة ممارسة الإنسان إذلال ذاته بذاته للتكفير عن خطايا قديمة اقترفها أو لم يقترفها. 

إنَّ المجتمعَ الغربيَّ الذي صدَّر لنا هذه المصطلحات بتصوّراته المشوَّهة ينفُرُ من هذه الصورة بطبيتعه المدنيّة الحديثة، لكنَّهُ يذهب بعيدًا إلى الطرف الآخر ليعتبر مجرّد الشعور بالخطيئة عُقدةًٌ نفسيةً مَرَضية يجب التحرُّر منها. 
وبالفعل تجدُ الإنسان الغربيَّ العصريَّ فاقدًا للشعور بالخطيئة، ولم يعد يشعر بحاجة إلى زيارة الكنيسة للحصول على صكوك الغفران. 

بينما نجدُ في ديننا التوسط والاعتدال في هذا المفهوم، فالشعور بالخطيئة والاعتراف بها والخوف منها والبكاء عليها يُعدُّ من الفضائل.

لقد نشأنا وتربينا على كتب تزكية النفس لعلماء الأمة الربانيين، وتدارسنا منزلة "المحاسبة"، ووجدنا من مراتبها المعاتبة والمعاقبة. 
ووعينا وصيةَ النبي صلى الله عليه وسلم لمن استنصحه: "ابكِ على خطيئتك". 

وقرأنا عن الصديق أنه كان يُمسك بلسانه معاتبًا قائلًا: هذا الذي أوردني الموارد. 

وقرأنا عن الفاروق توبيخه نفسه في خلواته، قائلًا: بخٍ بخٍ، والله لتتَّقينَّ اللهَ أو ليُعذبنَّك. 
وهو صاحب العبارة الشهيرة "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا" 

ورأينا الصدّيقة بنت الصدّيق تقول قبل موتها: ليتني كنت نسيًا منسيًا. 

والعباراتُ عنهم في هذا الخصوص لا يسعها كُرّاس. 

نخلُصُ مما تقدَّم إلى أنَّ هذا المصطلح يُحمَلُ على معنيين؛ مذموم ومحمود. 
أما المذموم فله صور، منها:

أولا: أن يبلغ المرءُ في معاقبة نفسه حدَّ الإيذاء الجسدي والنفسي، فهو يهدم ولا يبني.

ثانيا: أن يُعنّفَ نفسه ويعاقبها على خطيئةٍ لم يكتسبها.

ثالثا: أن يكون أثرُ ذلك عليه هو الشعور بالإحباط والفشل وأنه لا يصلُح لشيء، فيترك العمل.

وأما المحمود، فهو مراقبة النفس ومراجعتها وزجرُها، لكسب القدرة على التحكُّم بها وكبح جماحها، على سبيل التأديب والتربية، لتنقاد له بترك هواها لمراد خالقها. 

والمحاسبةُ عندنا هي نظرُ المرء في ما هو عليه، ومقايسته بما يجب أن يكون عليه. 
فإن كانت دون ما يريدها أن تكون، زجرها وعنَّفها وربما عاقبها ليُنهضها ويرقى بها. 

فإن كان تأديبُ النفس وردعُها جلدًا، فمرحباً بالجلد. 

إن كان جلدًا زَجرُ ذاتِ مقصِّرٍ *** فليشهَد الثقلانِ أنّي جالد

 

جمال الباشا

مؤهلات الشيخ جمال بن محمد الباشا: ماجستير في القضاء الشرعي، دكتوراه في الفقه وأصوله، رسالة الدكتوراه في السياسة الشرعية، مدرس في أكاديمية العلوم الشرعية.

المقال السابق
(37) الثقة بالنفس..تحرير المصطلح
المقال التالي
(39) فقأ الفقاعات