الأمر الأول ( وثيقة تأمين الدنيا والآخرة )

منذ 2010-11-23

أرى والله أعلم أن جميع أبناء الصحوة بجميع أطيافها - لا أستثنى أحداً- يحتاجون إلى ( خمسة سكوت لله ) استراحة محارب وفرصة لإلتقاط الأنفاس ، يحتاج الجميع ولا شك إلى وقفة تأمل وإعادة نظر ..


إن الحمد لله أحمده سبحانه وأستعينه وأستهديه وأعوذ بالله تعالى من شر نفسى ومن سىء عملى وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أما بعد

فقد طرحت فى مقالى السابق أسئلة ، لم تكن من وحى خيالى ، ولا هى من بنات أفكارى ، إنما هى أسئلة من شحم ولحم تولد بالملايين كل يوم على ألسنة خلق كثير من الناس ، منهم الأعداء الذين يطرحونها حسداً من عند أنفسهم ، والذين لا تعنيهم الإجابة أصلاً ، لأن المكابر لا يسلم بالحق ولو شهدت عليه أعضاؤه .

وصنف آخر من الذين يطرحون هذه الأسئلة خصوم لكن خصومتهم مبنية على تصورات خاطئة وفهوم مغلوط للسلفية والسلفيين ، فهؤلاء معنيون بهذه الإجابات ، وصنف ثالث وهم عامة جماهير المسلمين الذين أعيتهم الحيرة ، فهم ليسوا طرفاً فى هذه السجالات ، ولا هذه المعارك ، وليس لهم رغبة فى الإنتصار ولا إثبات أن الحق معهم ، مطلبهم الوحيد أن يعرفوا أين الحق حتى يتبعوه ويرتاحون ، فهؤلاء أيضاً معنيون بهذه الإجابات .

لكن اسمح لى عزيزى القارىء أن أؤجل الإجابات مقالاً واحداً ، وأجعل مقال هذا الأسبوع لوضع بعض النقاط فى مكانها فوق الحروف لتخرج جملاً مفيدة يمكن أن تصلح قاعدة لتفاهمات تساهم فى تقريب وجهات النظر :

1- أرى والله أعلم أن جميع أبناء الصحوة بجميع أطيافها - لا أستثنى أحداً- يحتاجون إلى ( خمسة سكوت لله ) استراحة محارب وفرصة لإلتقاط الأنفاس ، يحتاج الجميع ولا شك إلى وقفة تأمل وإعادة نظر فى كثير مما بين أيدينا من تجارب ومواقف و تصورات ، لنحدد الصواب من الخطأ ، ونرتب الأولويات ، ونقيم تجارب بالعشرات ، تجارب يمكن أن يساهم تقييمها - بجدية وعمق وتجرد - فى اكتشاف أننا أضعنا الكثير من الأعمار والأوقات وأجهدنا حناجرنا فى المعارك الخطأ ومع الجانب الخطأ .

إن هذا الهدير والجعجعة المتبادلة والتسفيه والتخوين والتجهيل بين أبناء الصحوة المباركة فضلاً عن أنها لا تليق بأبناء المنهج الربانى ، فإنها لا تحقق لنا إلا مزيداً من الإنقسام والبعد عن الأهداف المنشودة وإهدار مافى أيدينا من مميزات ، فضلاً عن أنها تقدم لأعدائنا - وبغير مجهود منهم- ما يمكن أن يكون دليلاً على أننا لا يمكن أن نصلح لولاية أمر هذه الأمة والحالة هذه فقد آن - ولا شك - الآوان أن نستمع لبعضنا البعض ، وأن تتسع صدورنا للمخالف ، وأن نضع أنفسنا فى مكانه ، لكن بقيد مصيرى وفارق ، أن يكون ذلك كله محاطاً بسياج حديدى( موصول بتيار كهربائى صاعق ) من الضوابط الشرعية ، وأن يتولى ذلك الراسخون فى العلم ، وإلا فالواقع - رغم مرارته - يظل أحلى من الإنسلاخ من مرجعية الوحى ، وهى الضمان الوحيد والأوحد أننا على الطريق وأننا لن ندخل التيه مهما كان الغيم ومهما عظمت وطالت المحنة .

آن الآوان أن يتوقف أبناء الصحوة بجميع أطيافهم عن الردح والشماتة والتدنى فى الحوار ، واللدد فى الخصومة ، وإغلاق الآذان عن كلام الآخر ، يا خلق الله من أبناء الصحوة المباركة التى غيرت وجه الدنيا ، إسمعوا وعوا ، نحن أبناء الصحوة نتحمل فى سبيل الله ما لا يعلمه إلا هو ، يضيق علينا فى كل مكان ، ونتلقى أسوأ معاملة ، ونعانى الأمرين فى سبيل هذا الدين ، فكيف يكون بيننا كل هذه الخصومات ؟ وكيف تكون بيننا هذه الحوارات المتدنية فى اللغة ، الموغلة فى الخصومة ؟ الله المستعان .

2- أنا - أو غيرى ممن يكتب بلسان سلفى - حين أكتب فأنا أكتب ما أعتقد ، أكتب ما أدين لله به ، وهكذا كل من يكتب فإنه يحكمه قانون ومرجعية - فما بالك والحالة هذه أن القانون هو قانون الدين والمرجعية هى مرجعية الكتاب والسنة - فلا الكاتب يستطيع أن يكتم ، ولا هو يملك أن يبدل ، لكن يبقى أن نقول أنه ينبغى أن نختار أرق الألفاظ وألطف الكلمات وأن نتجنب التصريح إن وسعنا التلميح وأن نكتب وفى رؤوسنا كلام الشافعى ( رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأى غيرى خطأ يحتمل الصواب ) وقوله ( ما ناظرت أحداً على الغلبة ) ، فليس معنى أننى أكتب مالايسعنى كتمه وما لا يحل لى أن أبدله ، ليس معنى هذا أن أكتب بغل أو بعصبية أو بتشنج ، وليس معنى ذلك أن أكتب باستعلاء كأننى يوحى إلى .

3- أنا أدين لله أن السلفية ( وليس السلفيون ) هى الكمال لأن السلفية هى التزام الوحى واتباع النصوص ، ولكن التطبيق العملى - إنزال النصوص على واقعنا - يمكن - بل قطعاً - يظل عملاً فيه الصواب والخطأ ، لأن الحق ولا شك واحد ، وقد اختلف الصحابة فى كثير من المسائل ولم يكن الحق - قطعاً - مع الجميع ، لكن الجميع كانوا يدورون بين الأجر الواحد والأجرين ، وأنا أدين لله أننى أعتقد أن جماعة الإخوان المسلمين فى أقل الأحوال من أصحاب الأجر الواحد ، وأنهم إخواننا لا نسلمهم ، ولا نحقرهم ، ولا نشمت بهم ، ولا نعين أحداً عليهم ، كما أدين لله أن السلفيين هم أقرب الناس للحق لأنهم أسعد الناس بالدليل الشرعى ، وأبعد الناس عن المخاطرة وتكلف الإستدلال .

4- لا ينبغى أن يلام أى كاتب من أبناء الصحوة حين يكتب ما يدين لله به، بشرط أن يكتب من يكتب ما يكتب ،عن علم حقيقى ، وفهم راشد ، وإحاطة بالموضوع ، لأن المشكلة أن أكثر من نصف الخلافات ، إما لأن المتكلم من الطرفين جاهل بما يتكلم فيه ، أو علمه لكنه لم يفقهه - وفرق كبير بين العلم والفقه الذى هو الفهم - أو أن يكون علم وفهم لكنه صاحب هوى أو مصلحة ، ووالله لو سكت من لايعلم ، ومن لا يفهم لقل الخلاف حتى كاد أن يزول وما بقى منه سيكون راقياً أخوياً.

5- كلنا متفقون على أن التغيير لم يعد ملحاً ، بل هو حياة أو موت ، وكلنا متفقون على أن الإسلام هو الحل ، لكن يبقى الإختلاف فى وسائل الوصول للتغيير المنشود ، وكما سلمنا بأن بعض السلفيين وبعض الخطاب السلفى فيه الكثير مما يساهم فى إحداث الفجوة مع جماعة بحجم الإخوان ، لكن لا شك أن خطاب إخواننا من الإخوان أحياناً يكون مستفزاً وصادماً ، بل تخرج تصريحات من رؤوس كبيرة فى الجماعة تجعل المرء يقلب كفيه عجباً ، خاصة أنها أحياناً تكون مخالفة صريحة للشريعة ، والأعجب أنها لا تكون فى صلب الموضوع وليست من التنازلات المطلوبة ، فمثلاً هل يحتاج الوصول إلى الأهداف المنشودة أن أقول أنا أسمع أم كلثوم ؟ فهذا فضلاً عن مخالفته للإجماع الذى نقله ابن القيم فى إغاثة اللهفان على حرمة الغناء ، فإنه يخالف المروءة والحشمة ، فضلاً عن أنه يجعل ملايين من البشر فى موازين سيئاتك ، مثال آخر: أى شىء فى الدنيا يستحق أن أصرح بأن صناديق الإقتراع لو جاءت بحاكم نصرانى أو امرأة فسنقبل !! ماذا بقى إذن ؟ ومن سيخبر الناس أن هذه تقية ، أوأن هذا لزوم المرحلة ،أو دا كلام ( كده وكده ) ؟

6- السلفيون مضطرون أن يزدادوا يقيناً راسخاً أنهم كانوا ومازالوا على الحق فى موضوع لعبة الإنتخابات السخيفة ،وأنه حتى لو كان فى الشرع ما يسمح بتقديم التنازلات فى سبيل مصلحة عظمى فالواقع وتجربة 2005 تثبت أن تقديم الشريعة قرباناً فى مذبح السياسة لا يعدو كونه هبة بلا مقابل ، هو سؤال واحد هل يجوز أن أعطل أحكاماً ثبتت يقيناً لمصلحة مظنونة ثم لو قلنا بالجواز فأين هى المصلحة ؟ ثمانون مقعداً والمحصلة ؟؟

7- من حق السلفى أن يقول بحكمة وموعظة حسنة ورفق ولين وصدر سليم لأخيه من جماعة الإخوان : يا أخى نحن نؤمن بنبل الأهداف ، وعظمة المقاصد ، وفداحة الواقع ، وأهمية فهم مقاصد الشرع ، وتنزيل الأحكام على واقعنا ، وتقديم بعض التنازلات ، والحرب خدعة ، لكن هناك خطوط حمراء وثوابت أكبر وأشرف من كل المقاصد التى دعتكم إلى ركوب هذه المخالفات ، نحن لا ننكر أنكم عبدتم طريق الصحوة بدمائكم وكبرائكم ، وأنكم ضربتم المثل والأسوة فى الفداء ، والبذل والفعل، لكن الحق أحق أن يتبع ، نحن نتكلم فى دين وأحكام شرعية لا يجوز التحلل منها لأى سبب ، وإن جاز الترخص أحياناً فلابد أن يتم ذلك وفق الشرع أيضاً ، وعلى يد جهابذة العلماء الذين اختلط العلم بشحمهم ولحمهم وإلا صارت فوضى واستحل الناس الحرام بتأويل فاسد أو بنية حسنة وقصد جميل .

8- من حق الإخوان أن يقولوا للسلفيين أننا كنا سبباً- بعد الله - فى التفات الجماهير إلى دينها ، وأننا كنا وقود هذه الصحوة وأننا الذين جعلنا الإسلاميين رقما صعباً فى المعادلة السياسية ، بل إن النظام لم يفتح لكم الطريق ويسمح لكم بالظهور والانتشار إلا لضربنا ، ونحن لا ننكر لكم علماً ولا فضلاً ، لكننا ننكر اللغة الإستعلائية ، والغلظة فى النصيحة ، واحتكار تفسير النصوص ، كنتم تحرمون الفضائيات وترفضونها ثم تغيرت الفتوى - طبعاً للمصلحة الشرعية لكنها على أى حال تغيرت - كنتم تحرمون دخول الإنتخابات قولاً واحداً ثم تغيرت الفتوى عند بعض الكبار منكم ، كنتم تحرمون المظاهرات والآن صارت الوقفات حلالاً وليس هناك كبير فرق بينها وبين المظاهرات إذن يمكن أن يكون بعض مانختلف فيه اليوم من هذا القبيل ولم لا ؟

9 - خلاصة القول أن السلفيين وإن كان يريدون نبذ الخلاف ولم الشمل وقطع الطريق على الشامتين ، لكنهم لا يملكون كتم العلم ، ولا تبديل ما يعتقدون أنه الشرع مجاملة لأحد كائنا من كان ، ولا اعتباراً لمصلحة كائنة ما كانت ، وهم يسلمون بأن لهم سلبياتهم وأخطائهم كما لسائر أطياف الصحوة ، ولكن الفرق أن السلفيين يظلون أقل الجماعات بعداً عن الدليل وأكثر الجماعات احتراماً للدلالة ، ولا أجد لوصف السلفيين وتفسير مواقفهم أصدق من قول سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه لابنه حين وقعت الفتنة فى أواخر عهد عثمان رضى الله عنه ، فاعتزلها سعد - وهو من هو- فجاءه ولده عبد الرحمن وعاتبه على أنه ترك الأمر وهو له كفء وبه جدير، فقال كلمة لا تزال منذ سمعتها من شيخى حلقة فى أذنى ونوراً لعينى وبرداً وسلاماً لصدرى إذا ادلهمت الخطوب وعمت وطمت الفتن ، قال له سعد : مثلنا - أى الذين اعتزلوا الفتنة وآثروا السلامة - ومثل أصحابنا - أى الذين خاضوا فيها - كمثل قوم كانوا فى سفر فأظلمت عليهم - أى أصاب السماء غيم فأظلم الطريق - فقال بعضنا : الطريق من هنا وساروا ، وقال بعضنا : بل الطريق من هنا وساروا ، أما نحن فوقفنا ولم نتحرك فلما انجلت كنا على الأمر الأول .
 
المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام

خالد الشافعي

داعية مصري سلفي