رائحة الجنة

منذ 2017-03-07

أما أعظم فوائد تلك التجربة في رأيي؛ فهو لفت انتباهي إلى أن ثمة أشياء أخرى لها طعم ولذة ورائحة تبتغى وتراد ويمكن أن توجد وإن زالت كل الحواس الأخرى. طعم الإيمان. ورائحة الجنة.

منذ فترة ليست بالقصيرة أعاني ولله الحمد على كل حال من مشكلةٍ عجيبةٍ إلى حد ما!

 

 كلما أُصبتُ بنزلة برد مهما كانت بسيطة أو هينة، ولو لم تتجاوز بضعة عطسات أو بعض الزكام الخفيف؛ فقدت تمامًا تمامًا حاستي الشم والتذوق.

 

ليس مجرد فقدان عابر يدوم ليوم أو يومين؛ بل قد يدوم الأمر لأيام بل أحيانا يتجاوز حاجز الأسبوع.

 

وفي كل مرة يزداد الأمر حدة، وتطول مدته مهما كان الزكام بسيطًا أو سريعًا.

 

جُّل النصائح الطبية كانت تدور حول التوجيه لعلاج البرد أو الزكام مع التأكيد أن مشكلة الشم والتذوق ستزول مباشرة عند حدوث ذلك.

مضادات حيوية.

مضادات التهاب.

مضادات حساسية.

قطرات وبخاخات.

كل ذلك بلا فائدة تذكر.

يا جماعة والله البرد بيخف والزكام بيتلاشى تمامًا بينما تمكث المشكلة وتطول مدتها.

 

لا داعي طبعًا للإغراق في التفاصيل العلمية التي أفهمني إياها الزملاء والأساتذة الأفاضل الذين استشرتهم في الأمر والذين للأسف كان يغلب على كثير من ردودهم نوع من الاستهانة بالمشكلة أو الاستخفاف بقيمتها، والتي لا أزعم طبعًا أنها كارثية أو أن هذا الأمر يشكل مرضًا عُضالاً مثلاً

 

لكنني أؤمن أنه ما من حاسة خلقها الله في عباده إلا ولها قيمة وأهمية حتى وإن كان دورها قد تراجع في زمان فقدت فيه كثير من الأشياء لذتها وتلاشت متعتها وصارت القيمة الكبرى لتلك الأشياء تكمن في وجودها أصلاً، وبالتالي يصير الحديث عن لذتها ومتعتها؛ محض ترف لدى البعض.

 

يمكنني الإسهاب في تفصيل فوائد تلك الحواس التي تتجاوز التلذذ والمتعة إلى النجاة المباشرة من كوارث محققة كتسرب غاز أو حريق مثلاً لا يمكن تمييز رائحته من دون تلك النعمة الربانية المسماة بحاسة الشم، أو النجاة من التأذي بطعام فاسد أو حامض لا يستطيع المرء إدراك فساده إلا بنعمة وجود حاسة التذوق.

الخلاصة: أن الأمر لم يكن يستحق ذلك الاستخفاف.

 

هذا الاستخفاف المسبق بالمشكلة والاستهانة بها أو ربما عدم انتشارها بالشكل الذي يورث خبرة كافية في التعامل معها أو حتى عدم وجود وسيلة ناجعة للتعامل معها؛ كل ذلك أدى لاستمرارها ولزيادتها في كل مرة كما سبق وأشرت حتى تحولت كل الأطعمة والأشربة إلى أشياء يلوكها الفم ويقلبها اللسان إلى مواد متعادلة لا فارق بين حلوها ومالحها، وشهيها ومقززها بل لعل للماء طعمًا إذا ما قورن بها بل إنك حرفيًّا لا تكاد تعرف فارقًا بين اللحم والخبز -هذا طبعًا إن وُجد اللحم.

 

عندئذ يصير الطعام والشراب، مجرد سددات للمعدة ومسكتات للجوع لا تشتهى، ولا يكاد المرء يقربها إلا حين يقرص ذلك الأخير أحشاءه.

 

للأمر بلا شك فوائد، فهذا الزهد الإجباري يعين على الحمية، ويساعد بشكل أسهل على إنقاص الوزن حيث لا مغريات سكرية ولا مشتهيات دهونية وما أيسر الاكتفاء بالخبز والماء فكل الطعام صار ببساطة، خبزا وماء والحمد لله على وجود الخبز والماء.

 

أيضا من أهم فوائد تلك التجربة في رأيي هو المزيد من الترسيخ لتلك القاعدة التي نغفل عنها كثيرًا وتأتي تلك الأشياء كل برهة لتؤكدها من جديد.

 قاعدة عدم إدراك قيمة الشيء الذي تملكه أو معرفته تمام المعرفة إلا حين يذهب ويختفي.

حين تفقده..

 

حينئذ قد يتوجه بصرك وفكرك إلى أشياء لا تعد ولا تحصى لم تختف بعد فتحمد مولاك عليها وتشكره.

فيزيدك..

 

أما أعظم فوائد تلك التجربة في رأيي؛ فهو لفت انتباهي إلى أن ثمة أشياء أخرى لها طعم ولذة ورائحة تبتغى وتراد ويمكن أن توجد وإن زالت كل الحواس الأخرى.

طعم الإيمان.

ورائحة الجنة.

 

الإيمان!

تلك الكلمة التي ما إن تذكر حتى تشعر ببردها يسرى من القلب لينساب بهدوء، وسكينة إلى سائر مكونات الروح، وثنايا النفس.

 

كلمة الإيمان.

كلمة حلوة!

نعم حلوة.

مذاقًا لا وصفًا.

مذاقها حلو لأن مذاق مدلولها حلو.

لكنها حلاوة يجد القلب مذاقها، وبها تلتذ النفس، ويطيب الوجدان، وتسمو الروح.

 

لقد حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجسد في وجدان المسلم، وشعوره معنى هذه الكلمة تجسيدًا مذهلاً في أحاديث لا تحصى حتى تكاد تلمس، وتتذوق، وتجد حلاوة المعنى في فمك لطلاوة الوصف، وبديع المثال.

 

تأمل قوله صلى الله عليه وسلم: «ذاق طعم الإيمان، من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولاً»  (مسلم: 34).

 

وقوله صلوات الله وسلامه عليه «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبدًا لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر، بعد إذ أنقذه الله، كما يكره أن يلقى في النار». (البخاري: 16).

 

وقوله صلى الله عليه وسلم «ولا تجد امرأة حلاوة الإيمان؛ حتى تؤدي حق زوجها»*. 

 

وكأنه صلى الله عليه وسلم يريد أن يشعرك بلذة تسري إلى روحك، ويتذوقها قلبك كلما ذكرت هذه الكلمة حتى يتطور الأمر وتجد في النهاية.

تلك الرائحة الزكية لثمرته، والتي توجد من مسيرة كذا وكذا.

بل قد يجدها المرء في عالم غير العالم، وفي دنياه قبل آخرته.

رائحة الجنة..

 

* حديث مرفوع: كشف الأستار 1384