وتبع فرعونُ مصر طاغوتَ تونس.. فمن يعتبر بهما؟

منذ 2011-02-12

كان وصف وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط -إبان سقوط طاغوت تونس- مخاوف البعض من امتداد ما يجرى في تونس إلى دول عربية أخرى بأنه «كلام فارغ» حماقة سياسية تنم عن عقليات العلو والاستكبار الليبرالي العسكري...


كان وصف وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط -إبان سقوط طاغوت تونس- مخاوف البعض من امتداد ما يجرى في تونس إلى دول عربية أخرى بأنه «كلام فارغ» حماقة سياسية تنم عن عقليات العلو والاستكبار الليبرالي العسكري التي لا ترى أبعد من أنفها، وكان إبقاؤه في منصبه بعد هذا الكلام المستفز لشعب مصر حماقة أخرى من النظام الفرعوني المصري.

لا أزعم أن مقولته هذه هي التي فجرت الوضع في مصر لكن احتقار قدرات الشعوب إلى هذه الدرجة، والاعتداد بالقوة يجعل الصورة لا تظهر كما هي أمام الأنظمة الطاغوتية الفرعونية التي لا تعرف إلا الحلول الأمنية..


كنت كتبت مقالاً قبل أيام بعنوان ( سقط طاغوت تونس.. فهل يعتبر كل طاغوت؟!) ذكرت فيه جملة من الدروس والعبر التي تستفاد من ذلك الحدث لا سيما وأنه مرشح للتكرار في دول أخرى، وهاهو يتكرر - على خلاف كل التوقعات - خلال أيام قلائل في أم الدنيا، وحصن الشرق الإسلامي، فيسقط شعبها الثائر الهادر فرعون مصر الذي تربع على عرشها ثلاثة عقود مليئة بالبطش والسرقة والاستكبار والخيانة والعمالة لإسرائيل، وأنواع الفشل السياسي والفساد الإداري والمالي الذي أرجع مصر إلى الوراء قروناً، وأفقدها كثيراً من وزنها الثقيل في المنطقة.

وهذه جملة من العبر والدروس أضمها إلى ما سبق في المقالة المشار إليها آنفاً محاولاً تفادي التكرار إلا عند الحاجة..

فمن عبر الحدث المصري: أنّ توشح الطغاة برداء الكبرياء والجبروت، مع جوقة المطبلين لهم تعميهم عن الحقائق، وتزين لهم سوء أعمالهم، وتجعلهم يظنون أنهم في مأمن من أي خطر ولو رأوه أمامهم، وتدفعهم إلى مزيد من العلو والاستكبار، والشعور بأمن كاذب، حتى إذا فات الأوان علموا بأن عقولهم قد غيبت فيما مضى عن الحقائق كما قال طاغية تونس (فهمتكم) وكان بإمكانه أن يفهم من قبل، وكما قال فرعون مصر (أني أعي مطالب الشعب) لكن فهم طاغية تونس، ووعي فرعون مصر كان بعد فوات الأوان، فلم يمنع سقوطهما إلى مزبلة التاريخ. وقبل أسابيع وبعد سقوط طاغوت تونس قال أبو الغيط في مصر: إرادة الشعب التونسي هي العنصر الأهم في هذا الخصوص.. ولا أحد يقاوم إرادة هذا الشعب.

لكن هذا المأفون الأحمق لم يستفد من هذه المقولة لا هو ولا فراعنته لما توترت الأوضاع في مصر، وساروا في البداية على نفس خطوات الأمن التونسي بخيار الحسم الأمني حتى قتلوا العشرات، وجرحوا المئات، ففجر ذلك الأوضاع إلى أن سقط الفرعون ومن معه.

عجيب أمرهم.. ينفي الواحد منهم قدرة أي أحد عن مقاومة إرادة الشعوب.. ثم يحاول هو ومن معه مقاومتها بالبطش، وقد رأى سقوط من قبله { فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } [الحج : 46 ]

ومن عبر هذا الحدث: أن هاتين الثورتين أسقطتا أقوى نظامين أمنيين عربيين، مما يعني أن سقوط غيرهما بثورات شعبية سيكون أكثر احتمالاً وسهولة، وسيغري ذلك الشعوب المقهورة على الثورة، ويجرئها على الوقوف في وجه حكوماتها، والقوة الأمنية للنظامين التونسي والمصري لا يتطرق إليها الشك؛ فالنظام التونسي حاصل على شهادات غربية وعربية في سحق شعبه، وكتم صوته، ومعرفة ما يدور داخل البيوت والغرف المظلمة، حتى كانت مخابراته ترصد السلوك العبادي والشخصي للأفراد كالصلاة والحجاب للمرأة..


ومن المشهور أيضاً أن أجهزة الأمن المصرية المتعددة أقدم أجهزة في المنطقة وأقواها، وقبل أسابيع أفردت مجلة (فورين بوليسي) الأميركية تقريرًا مطولاً تحدثت فيه بإسهاب عن قائمة أعدتها تحت عنوان (أقوى استخبارات في منطقة الشرق الأوسط) فحاز عمر سليمان رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية على المركز الأول، وله حظوة عند الغرب كبيرة بسبب جهوده في تفكيك الإسلاميين في مصر، وخنق المحاصرين في غزة.

وجهاز مباحث أمن الدولة المصري عمله الرئيس إضعاف المعارضة السياسية بكل أشكالها، وحماية النظام السياسي القائم، وردع من يجرؤ على رفع رأسه بكل وسيلة وحشية، وهو من أقوى أجهزة المباحث في المنطقة إن لم يكن أقواها على الإطلاق.

ومع ذلك لم تستطع هذه الأجهزة القمعية المرعبة فعل أي شيء، ولا حماية الطاغوتين، ولا الحيلولة دون سقوطهما، وسبب ذلك بكل بساطة: أن الثورتين كانتا تلقائيتين لشعبين طفح بهم كيل الظلم والطغيان الذي يصب على رؤوسهم، وكانتا على غير تخطيط مسبق، ومن غير قيادة أو تحريك منظم من أحد سوى وسائل الاتصال الحديثة بعد التقدير الرباني الذي لا يحول دونه شيء، فسبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم.

ومن عبر هذا الحدث: أن الطواغيت لا يحبون الاستقرار لشعوبهم وقت رحيلهم، ويجتهدون في الانتقام منهم على ثوراتهم، وقد فضحت الوثائق السرية المسربة من مراكز الشرطة المصرية التعليمات الصادرة إليها بتشكيل عصابات نهب وسرقة وسطو مسلح على الآمنين، وإطلاق عصابات الإجرام من السجناء على الناس وأمرهم بقتلهم لقاء أموال ووعود، مع سحب الشرطة من الميدان، بقصد بث الرعب في الشعب؛ ليطالبوا ببقاء السلطة الفاسدة، لكن الثوار المصريين ولجانهم الشعبية كانوا واعين لمثل هذه الأفعال، ووأدوها في مهدها، وفضحوا من كانوا وراءها، وأظهروا كفاءة عالية في ملئ الفراغ الذي خلفته الشرطة المنسحبة من الميدان مع وزير داخليتها الهارب. إضافة إلى أن نظام مبارك عطل العمل في أرجاء مصر من أجل شل حركة الناس والتأثير على أعمالهم ومصالحهم حتى يتذمروا من الثورة، ويطالبوا الثوار بإنهائها، لكن الله تعالى أفشل جهودهم، ورد عليهم كيدهم، ونصر المستضعفين المقهورين.
ومن عبر هذا الحدث: أن ثمة شرائح من الناس كثيرة تقف موقف المتفرج، حتى إذا ما بدا نجاح الثورة دخلوها لقطف ثمارها كما فعلت أطياف المعارضة المصرية؛ فإنهم تركوا الثوار خمسة أيام يواجهون مصيراً مجهولاً مع الحكومة، فلما ظهر أنهم نجحوا في زلزلة عرش الفرعون نزلت في اليوم السادس قيادات المعارضة إلى الشارع؛ لتظهر أنها تقود الثورة..مع أنه لا قيادة للثورة وإنما كانت تلقائية.


ومن المهم أن نعلم أن الثورات قد ينتج عنها إزالة أنظمة فاسدة، لكنها لا تستطيع صنع أنظمة صالحة؛ ولذا فالتفكير الأهم من الثورة يجب أن يكون فيما بعدها؛ إذ قد يعقب الأنظمة المستبدة المثار عليها أنظمة أشد استبداداً منها، كما كان الحال في الثورة البلشفية التي أزالت الحكم القيصري وجاءت بالحكم الشيوعي الدموي، والثورة على الإمبراطور الألماني (ولهم الثاني) وقيام الحكم الجمهوري الدستوري الذي مكن لهتلر النازي أن يصل إلى سدة الحكم، والثورة على ملكية فاروق الفاسدة أتت باشتراكية عبد الناصر المستبدة.

فما يسوقه بعض الفرحين من الثوريين بهذه الثورات واستبشارهم بها، وادعاؤهم أن الخلف لها سيكون خلفاً ديمقراطياً على غرار الغرب، أو خلفاً إسلامياً شرعياً لا يعدو أن يكون أمنيات لا يلزم أن تتحقق على أرض الواقع..

هذا في حالة استتباب الأمر عقب الثورة، وقد تدب الفوضى وتستمر، ويتمنى الناس لو بقي النظام الأول بفساده؛ ليخرج من الفوضى ثورة عسكرية مضادة تمكن لنظام قمعي مستبد من التخلق والإمساك بزمام الأمور، أو تدخل أجنبي سافر يعيد ترتيب أوراق الدولة وتقسيمها على ضوء مصالحه ومصالح الدولة الصهيونية، وإنها لمحنة عظيمة تمر بالشعوب الإسلامية أن توضع بين خيارين:

إما الرضا بحكومات فاسدة مستبدة تفقرها وتجوعها وتقهرها وتؤذيها في دينها وعبادة ربها سبحانه، وإما ثورة لا تعلم نتائجها ولا ما تئول إليه.
وكان من الخير للحكومات وللشعوب أن تصلح الحكومات من حالها، وتقضي على مظاهر الفساد فيها، وتقترب من شعوبها، ومن ظن من الحكام بعد هاتين الثورتين أن سلطانه في منأى عن الخطر فهو مدخول في عقله، مغرور بقوته، مخدوع بمن يزين له سوء عمله.

ومن عبر هذا الحدث: أن تغيير المواقف، وتبدل القناعات، والتخلي عن المبادئ من محتمات الارتزاق، وفي كل حدث يتسلق مرتزقة للدعاية لأنفسهم، أو لتسويق فكرهم، وقد قرأت في ثورة مصر لأحد حمقى الكوابيس الليبرالية السعودية يرى أن في هذه الثورة نهاية للقاعدة والتطرف، وانتشار الإسلام الوسطي المعتدل (ثورة ويقول إسلام وسطي) ثم يفسر هذيانه: بدخول الإخوان في الثورة وكونهم معادلة تم الاعتراف بها ومحاورتها من قبل رؤوس النظام المصري في هذه الأزمة باعتبار أنهم يمثلون إسلاماً معتدلاً، علماً أن هذا الكاتب كان من أعدى أعداء الإخوان، والتنظيم الحزبي عموماً، ويرى أنهم مؤدلجون، وأنهم صدروا الفكر الإخواني المتطرف للدول الأخرى، والآن صار إسلاماً وسطياً وهو في ثورة عامة.. وصدق من قال: المجانين في راحة من عقولهم.

وليبرالي حالم آخر كان يفتتح مقالاته ويختمها بشتم الإخوان المسلمين الذين أتوا لنا بحلقات التحفيظ والمراكز الصيفية والمخيمات الدعوية حسب زعمه، ولا يستبعد أنهم أتوا لنا بالهيئة والقضاء الشرعي والدعوة الوهابية برمتها، خاصة وأن هذا الكاتب مصاب بالتهاب حاد جداً اسمه: الإخوان المسلمون..
المهم أن هذا الكاتب أراد أن يثبت أن ثورة مصر الشعبية تدل على أن الإسلاميين الحركيين مجرد ظاهرة صوتية وليس لهم أي امتداد شعبي، ولا أحد يريدهم، وليس لهم تأثير في الناس، بدليل أن الثورة لا دور للإسلام الحركي فيها.

وأقول: إذا كان ذلك كذلك فلماذا كرس مقالاته منذ أن كتب - أو كُتب له- في التحذير من الإخوان والإسلام الحركي، فهل يملأ مساحة من صحيفته، ويأخذ وقت القراء بتيار ليس له أي تأثير ولا قيمة؟


عجباً للحقد الذي يعمي أصحابه، ويجعلهم يهذون بما لا يعقلون، ولست أدري هل علم الكاتب الليبرالي عدو الدعوة والقضاء وتحفيظ القرآن أن وزير الدفاع المصري المشير طنطاوي طلب بنفسه محاورة مرشد الإخوان المسلمين؛ لعلمه بتأثيرهم وشبابهم في هذه الثورة العارمة. بل كان فرعون مصر يعلل تشبثه بالحكم لدى المسئولين الأمريكيين والأوربيين بأن البديل له سيكون الإخوان المسلمين، وأن أي صناديق اقتراع نزيهة سيفوزون بها، فأين يعيش هذا الليبرالي الأحمق؟!

ولكن لا عجب فقد أفقدت هاتان الثورتان الليبراليين صوابهم، وهم أكبر خاسر فيها؛ لأن النظامين العسكريين الليبراليين سقطا على غير توقعهم؛ ولأنهم يعلمون أن الغربيين والأمريكيين بوجه خاص بدءوا يعلنون الانحياز إلى خيارات الشعوب حفاظاً على مصالحهم، والانحياز الغربي لخيار الشعوب سيرمي هؤلاء الليبراليين في مزابل الحراك الاجتماعي؛ لأنهم يستمدون وجودهم من السلطات المستبدة، ويحتمون بأمهم أمريكا؛ ولأن خيار الشعوب معروف أنه الإسلام.. ولا غيره، وفي كل الاقتراعات الصحيحة في طول العالم العربي وعرضه كان نصيب الأسد في المجالس البلدية والبرلمانية هو للإسلاميين..فإذا وقف الغرب عن دعم الاستبداد حفاظاً على مصالحة خرجت الأقلية الليبرالية العربية من معادلة الشعوب المسلمة.

ومن عبر هذا الحدث: أن الطواغيت يخُذَلون في الأزمات، ويتخبطون في أفعال تسارع بسقوطهم، وتزيد من سخط الناس عليهم؛ ففرعون مصر كرر فعلة طاغوت تونس بالحسم العسكري، فلما لم ينفع ذلك أراد إحلال الفوضى، فلما كشف أمره عمد إلى الوعود المعسولة، وأقال الحكومة ليستبدل بها حكومة جديدة، لكنه بعد يوم من ذلك كلف بعض وزراء الحكومة المقالة بمهام أمنية، فصار أضحوكة للعالم؛ إذ كيف يقيل وزراء، ثم يكلفهم وقد كفت أيديهم عن العمل؟! لولا أنه خذل، وأن كل إجراء يقوم به ليس إلا صباً لزيت على نار متقدة تقترب منه لتحرقه.

ومن خذلان الله تعالى له أنه خرج على الناس زاعماً أنه لا يسعى للسلطة، ولا يريد التجديد لنفسه مرة أخرى، في كذبة هي أكبر من جبل أحد -كرم الله تعالى جبل أحد عن الفراعنة- وهذه الكذبة أرت الشارع المصري ضعفه وتهاويه وبداية انهياره؛ لأن الناس كلهم يعلمون تشبثه بالسلطة وبيعه دينه ومروءته وكرامته وحقوق شعبه وأمته لليهود والأمريكان من أجل توريث الملك لولده من بعده.

وهي كذبة سجلها التاريخ عليه ولن يمحوها، ولولا أنه مخذول ما نطق بها وسلطانه يتهاوى، ثم عقب يوم واحد من خطاب الكذب استأجر وعصابته في الحزب الوطني اللصوص والمخربين، ودسهم في أوساط المظاهرين ليرهبوهم بالسلاح، ويشقوهم إلى أقسام، حتى قُتل أناس وجرح المئات، وكل ذلك من أجل تشبثه بالسلطة أخزاه الله تعالى في الدنيا والآخرة.


وحين ادعى أنه خدم مصر ثلاثين سنة فالصحيح أنه سرقها ثلاثين سنة وأضعفها وباعها للأعداء وهي حصن الإسلام المنيع الذي كسر التتار والصليبيين، حتى جمع من الثروة له ولأسرته خمسة وعشرين مليار جنيه استرليني، كما أفادت بذلك صحيفة (ميل أون صندي) البريطانية الصادرة اليوم الأحد 30 يناير، وقيل تصل ثروته إلى ثمانين مليار دولار، وهي أموال سرقها من الشعب وجمعها من عمالته لإسرائيل، وشعبه يتضور من الجوع والحاجة.
ومن عبر هذا الحدث: أن الذين يسترون فكرهم القبيح بالأصباغ والديكورات يفضحون في الأزمات، فالنظامان التونسي والمصري يمثلان رمز الليبرالية العسكرية العربية التي طالما أثنى عليها كتاب صحافتنا في قمعهم للإسلاميين والقوميين واليساريين، وتمثلت فضيحة الليبرالية العربية في ثورة مصر جلياً في مظاهر عدة أهمها:

المظهر الأول: تشبث الليبرالي الفرعوني حسني مبارك بالسلطة ولو أدى ذلك إلى حرق الناس جميعاً، وتدمير البلاد على رؤوسهم، وكثيراً ما كان الليبراليون يصرخون بأنهم وطنيون، وأن مصلحة الوطن فوق كل شيء، وإذا أحداثُ مصر تكشف أن المقصود بالوطنية عند الليبراليين هي ذواتهم المنتفخة بالنرجسية فقط، ولا أحد يشركهم في الوطن، وبالتالي يجوز قتل الناس وسحلهم في الشوارع، ودهسهم بالسيارات، وحرق الوطن الذي يتغنون به بأكمله إذا تعرضت ذواتهم أو زعاماتهم أو مناصبهم للخطر، وهي ذات الإقصائية والإجرام الذي يمارسه الليبراليون السعوديون في صحفهم وفضائياتهم؛ إذ كانوا ولا يزالون يكذبون على العلماء والدعاة والمحتسبين، ويؤلبون السلطة والشارع عليهم بكل فجاجة وصفاقة، ولو قدر أن السلطة كانت بأيديهم فأقسم بالله تعالى غير حانث أنهم سيسحقون الناس بالسيارات، ويسحلونهم في الشوارع، ويملئون بهم السجون، ويحرقون البلاد بمن فيها كما فعل أستاذهم فرعون مصر.


المظهر الثاني: كان الحداثي الليبرالي جابر عصفور رمزاً من الرموز الليبرالية الثقافية في مصر، ويجد كل تكريم واستضافة من الليبراليين السعوديين، وجلُّ إنتاجه الثقافي وعمله الإداري أميناً عاماً للمجلس الأعلى للثقافة كان مكرساً في محاربة الإسلام والإسلاميين، والدعوة للحرية والديمقراطية، حتى فسح المجال في معرض الكتاب وفعالياته الثقافية لكل من يريد النيل من الإسلام ومن يمثله، وحجب صوت الإسلام ودعاته عن المعرض في الوقت الذي أعطى الأقباط ورأسهم الإنباء شنودة حصة من النشاط الثقافي. ثم يفاجأ الجميع في خضم الثورة المصرية وأثناء تشكيل حسني مبارك للحكومة الجديدة لامتصاص غضب الثوار...يفاجأ الجميع بأن جابر عصفور المثقف الليبرالي داعية الحرية والديمقراطية ذليلاً في سلطة تترنح وتتهاوى، مقاداً بأذنه ليكون وزيراً فيها ولو لبضعة أيام، معيناً لدكتاتور مصر على ظلمه وطغيانه وكبته للحريات، وإرهابه للشعب، وسحقه للناس...هذا التنازل عن المبادئ هو من أجل حقيبة وزارية في حكومة ممزقة منهارة، فما أرخص الحرية حين يمثلها الليبراليون العرب!!

وبعد هذا يحق لنا أن نتساءل: من الذي يطلب السلطة والزعامة والحكم؟ ويسعى إليها؟ ويتشبث بها ولو سحق الناس جميعاً؟ من الذي يريد الزعامة والوزارة ولو لبضعة أيام؟ ولو ألغى كل المثل والشعارات التي كرسها في كتبه وتغنى بها طوال حياته؟! أهم الإسلاميون أم الليبراليون؟!


المظهر الثالث: أحد الليبراليين السعوديين - ويصنف بأنه أمريكي وصهيوني أكثر من الصهاينة والأمريكيين أنفسهم لا في مقالته اليومية ولا توجه قناته الفضائية- بالغ في نصح أمريكا وبيان خطئها حين تخلت عن الدكتاتور المخلوع وسلطانه يحتضر، وهو لا يزال عنده إلى لحظة سقوطه يكتسب الشرعية ولو سحق الناس في الشوارع، ودهسهم بالسيارات، ولو خرج الملايين لا يريدونه، فهذا أنموذج لمن نسميهم بالليبراليين عندنا، وهذا هو فكرهم في الوقوف مع مستبد زائل.

ومن عبر هذا الحدث: أن حجب الحقائق لا يجدي نفعاً، ولطالما كان الإعلام الرسمي للدول العربية يؤدي دور شاعر البلاط، وراقصة الباشا، حتى فقد الإعلام الرسمي - رغم ميزانياته الضخمة- أي تأثير في الناس، وأضحى عندهم مستنقع الأكاذيب وتزوير الحقائق، وعزفت الشعوب عنه إلى الإعلام الصادق الذي يحرص على الحقيقة، وكلما كان الإعلام أكثر صدقاً وأقرب إلى الحقيقة كان أكثر شعبية لدى الناس؛ وفي خضم ثورة مصر مارس الفرعون أقصى درجات التعتيم الإعلامي -الذي برعت أجهزة الإعلام الرسمية العربية في صناعته في حين أنها فشلت في إقناع شعوبها به حتى سمي عندها بالإعلام الغصب- وذلك بطريقين:

الأولى: تصوير قنوات التلفزة المصرية، والصحافة المصرية الرسمية، أن الأمور مستتبة، وأن الثائرين مجموعات من البلطجية أمكن احتواؤها وتتم محاسبتها، في حين أن وسائل الإعلام غير المصرية تنقل وقائع الشارع المصري وهو هادر بالثائرين، وهذه حماقة عسكر قد تكلست عقولهم.


وقد أخفقت قناة العربية إخفاقاً ذريعاً في نقل هذا المشهد؛ إذ تخبطت تخبط النظام المصري، فانتقلت فوراً من نبض الشارع إلى كونها قناة مصرية رسمية تحمي النظام المنهار، وتشاركه في إخفاء الحقيقة حتى لم يعد يجدي إخفاؤها، وكانت تظهر المظاهرة المؤيدة للفرعون الساقط بطريقة مخادعة للمشاهد حين تقرب الكاميرا من وجوه المتظاهرين حتى لا يظهر عددهم القليل، والمرجح أنهم من بوليس النظام البائد، فكان سقوط النظام الفرعوني سقوطاً لقناة العربية.
الثانية: قطع وسائل الاتصال: الهاتف والإنترنت، وإيقاف قناة الجزيرة، ومطاردة الإعلاميين وإرهابهم، ثم المحاولة اليائسة لمنع المظاهرات المليونية بإيقاف شبكة القطارات، وإغلاق الطرق المؤدية إلى القاهرة، في سابقة عصرية هي الأولى من نوعها يقوم بها نظام يحتضر، وهذه الإجراءات الفاشلة التي ظنوا بها إيقاف الثورة زادت السخط الشعبي، فمن كان لا ينوي المشاركة في المظاهرة شارك فيها تحدياً للحكومة، ومن كان متعاطفاً مع الرئيس المخلوع انقلب مناهضاً له..

ومن الخير للحكومات العربية التي يطبل إعلامها لها، ويهمل حقوق الشعوب ومعاناتها، حتى عزف الناس عنه، واستبدلوا به غيره.. أقول: من الخير لهذه الحكومات سرعة تغيير سياستها الإعلامية قبل أن تسقط تحت أقدام الثوار؛ فحجب الحقائق وممارسة الكذب بالمنجزات، والتعمية عن حقيقة الحال والنهب والسطو على المال العام ما عادت أساليب مجدية كما كانت في السابق..بل عليها محاسبة الإعلاميين الكذبة علناً، ومحاكمة لصوص المال العام لامتصاص غضب الناس، والاقتراب من الشعوب، وتقريب الناصحين، وإقصاء الوصوليين النفعيين.


ومن عبر هذا الحدث: أن الثورات لا تحتاج لأجل قيامها إلى شرع يسندها، أو قانون يؤيدها؛ لأنها لا تكون إلا حين يبلغ اليأس بالناس مداه، وحينها لا يفكرون في مشرعية ما يقومون به أو قانونيته أو ما يئول إليه، وينحصر تفكيرهم في تغيير النظام فحسب؛ ولذا فإن الجدل الدائر في الأوساط الشرعية حول هذه المظاهرات وما يصاحبها من شغب وتخريب من جهة مشروعيتها ومن جهة نتائجها في إسقاط الحكومة، وأن هذا من قبيل الخروج على الحاكم المنهي عنه شرعاً، وما يترتب على ذلك من آثار عدم الاستقرار والفراغ السياسي واختلال الأمن أثناء الأحداث وبعد إسقاط الرئيس وغير ذلك، فيما يرى آخرون أن هذا من الجهاد لإسقاط الأنظمة الطاغوتية المستبدة، وهو عمل مقصود لذاته، ولا سيما أن المظاهرات كانت سلمية وتطالب بحقوق مشروعة فهي من كلمة الحق أمام سلطان جائر.

أقول: في ظني أن هذا الجدل لا وزن له من جهة التأثير على الواقع، فلا فتوى منع الثورة ستنفع الحاكم، ولن تردع الناس عنها، ولا تكريس شرعيتها والدعوة إليها يدفع الناس لها، وسبب ذلك أن الثورات تلقائية لا يحركها محرك يمكن التفاوض معه، ولا يقودها أحد بعينه، ولا يستطيع أحد السيطرة عليها، ولا توقع ما تصير إليه.

والزعامات الشرعية في العالم العربي والإسلامي -وإن كانت محترمة فردياً ويرجع إليها في شئون الفتوى لدى الشارع-لا قيمة لها في الجوانب السياسية وخاصة جانب الثورة لا سلباً ولا إيجاباً، سواء كانت زعامات مؤسسات رسمية كالأزهر في مصر أو كانت زعامات مستقلة، وسبب ذلك أنها لا تتعاطى السياسة، والحكومات العربية والإسلامية لما أدخلت المؤسسات الشرعية تحت عباءتها، وجعلتها تابعة لها، فقدت ثقتها عند جمهور الناس في جوانب الإصلاح السياسي والمالي والإداري، وكرس فقدان الثقة عجزها عن الاحتساب في هذه الجوانب المهمة على كبار القوم، بل في بعض الأحيان تكون شريكاً في هذا الفساد، وقد استطاع السياسيون كسب الزعامات الدينية بإفسادها بالمال والجاه، لكنهم خسروها في وقت أحوج ما يكونون إليه، وهو في حال التوترات وبوادر الثورات.


ومن عبر هذا الحدث: أن الناس لا ينسون ظلم الطغاة والمستبدين حتى في حال ذلهم وضعفهم وضيق الخناق عليهم، ويفرحون بمصابهم، ويشمتون بهم، وكنت وأنا أرى الذل والذهول والخوف والصدمة في وجه فرعون مصر أيام الثورة لا يجول في خاطري إلا ما فعله بأطفال غزة حين خنقهم بالستار الفولاذي تحت الأرض؛ لئلا يصل الحليب إليهم فمات ألوف من الجوع بسبب ذلك، في دناءة وخسة وعمالة لا أجد لها مثيلاً في التاريخ، ليقبض ثمن ذلك وعوداً بتوريث الملك لولده من بعده، فسقط الحلم وصاحبه تحت أقدام الثوار، وإني والله لأعلم مدى الفرحة بسقوط الفرعون وزبانيته في قلوب أمهات أطفال غزة الذين قضوا من الجوع، وأظن أن دعواتهم عليه قد استجيبت، والحمد لله الذي شفى صدورهن منه..

ومن عبر هذا الحدث:أن من الحنكة والحكمة إمساك المرء عما لا يحسن، واشتغاله بما يحسن، وأعترف وبكل مرارة أن جمعاً من إخواننا السلفيين في مصر وخارجها قد فشلوا فشلاً ذريعاً في التعاطي مع هذه الأحداث، فبعض المشايخ كان له موقف معارض في أول الأحداث، ثم موقف متوسط في وسطها ثم موقف مؤيد في آخرها، وبعضهم يرى الشارع يغلي، والجموع تتدفق غاضبة ويريد أن يردهم عما هم فيه بدعوى أنها فتنة وهو لا يستطيع الانتصار لهم، ولا رفع الظلم عنهم، مما فسره كثير من الناس أن السلفيين أعوان للظلمة والمستبدين.


وكم كان غيظي شديداً حين رأيت عدو السلفية اللدود وزير الإعلام المصري أنس الفقي وهو يجر بعض مشايخ السلفية ليخرجهم في تلفزة النظام الرسمية ليعارضوا الثورة، وهو الذي قبل أشهر قليلة أغلق القنوات السلفية بجرة قلم وبلا جريرة، وألب عليها الرأي العام والمؤسسات الغربية، فأي فقه عند هؤلاء الشيوخ حين يتمندل بهم الطغاة، ويستخدمونهم استخدام التيس المستعار في زواج التحليل، ثم يرمونهم ويغلقون قنواتهم بعد انتهاء مهمتهم، وإهانة أمتهم؟!

ولو تأملنا مواقف كثير من أحزاب المعارضة والمستقلين والشخصيات السياسية والثقافية في أحداث مصر لوجدنا أنهم سكتوا متربصين إلى أن تبين لهم نجاح الثورة، وزلزلة عرش الفرعون فأعلنوا تأييدهم لها، ونزلوا إلى الشارع، بل حتى مشايخ الأزهر فعلوا ذلك، فلم يكن في فعلهم أي تخذيل ولا تناقض.. فما بال إخواننا السلفيين يتخبطون في مثل تلك الأحوال وهم المؤصلون شرعاً، وهذا يبين أهمية الحكمة للدعاة والعلماء، والإلمام بالواقع المعاصر، واستشارة أهل الرأي والتخصص قبل الوقوع في مثل هذه التخبطات التي تضر الدعوة ضرراً كبيراً.

ومن عبر هذا الحدث: أن الأنظمة الفاسدة تفتعل القلاقل في البلاد من أجل أن تقنع العالم في الخارج والداخل بأنه لا استقرار إلا بها، وتجلى ذلك واضحاً في الحالة المصرية، وذلك أن الأمن لما انفلت، وتوارت قوات الأمن، وانتشر السلب والنهب وإحراق المباني الحكومية والمتاجر وغيرها ما سمعنا ولا اعتداء واحداً من الناس لا على المساجد ولا على الكنائس، ولا من المسلمين على الأقباط، ولا العكس، مع توفر دواعي ذلك، وسنوح فرصته المواتية، وتراخي الأمن عن الحيلولة دونه؛ مما يعني أن المشكلة الطائفية في مصر هي من صنع النظام الفاسد، وهو الذي يؤججها ويغذيها طيلة السنوات الماضية؛ ليستمر العمل بقانون الطوارئ؛ وليقنع الداخل والخارج أنه في حالة زوال النظام ستندلع الحرب الطائفية فتتعرض مصالح الشعب والمصالح الغربية للخطر، ثم كانت الطامة الكبرى ما كشفته الاستخبارات البريطانية من ضلوع نظام مبارك ووزير داخليته في تفجير كنيسة الإسكندرية.


وكان ذلك والله أعلم لأجل صرف الأنظار عن ثورة تونس؛ ولأجل إيصال رسالة للعالم أن وضع مصر غير تونس، وأن الاحتراب بين المسلمين والأقباط سيكون حتمياً في حال زعزعة النظام، لكنَّ السحر انقلب على الساحر، وكانت هذه الفضيحة المدوية سبباً في غضب الناس على النظام، ولا سيما أن الداعية السلفي سيد بلال قُدم كبش فداء في تفجير الكنيسة، ومات تحت تعذيب أجهزة الأمن رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وشفى صدور ذويه من الظلمة المجرمين.


والعبر في هذين الحدثين كثيرة جداً، وهما حدثان لهما ما بعدهما، وإني من باب النصيحة لنفسي وأخواني وأمتي أختم مقالتي بتنبيهات ثلاثة أرى أنها مهمة:

الأول: يجب على الحكومات العربية والإسلامية سرعة تغيير سياستها تجاه الشعوب، والعناية الكبيرة بالشباب الغاضب اليائس بسبب الفساد الإداري والمالي الذي حرمه الوظائف والزواج والحياة الكريمة.. وهذا التغيير حتمي ويجب أن يكون عاجلاً لا يحتمل التأخير؛ فإن تباطؤ النظام المصري عن فهم ما جرى في تونس، وغروره بظاهر استقراره وإمساكه بالسلطة، أدى في مصر إلى ما أدت إليه ثورة تونس بعد سفك الدماء وخراب الديار وتعطيل الاقتصاد.


الثاني: يجب إعادة الوزن الشرعي للعلماء والدعاة، ويجب على العلماء والدعاة القيام بمهمتهم الاحتسابية في إصلاح الراعي والرعية، والسعي في رفع المظالم عن الناس؛ حتى تسمع لهم الجماهير عند حاجة الحكومات لهم..

أما إقصاء العلماء والدعاة، وتقريب المرتزقة ومن لا يمتلكون أي رصيد شعبي، وتسليط قطعان الليبرالية الشهوانية الذين لا يمثلون إلا أنفسهم في الإعلام على الدعاة والعلماء الذين هم نبض الأمة، وحقيقة من يمثلها، بل وجرأتهم على مفردات الشريعة وأحكامها المحكمة بالطعن والثلب والسخرية.. أقول: من شأن ذلك كله أن يوغر الصدور، ويزيد حالة الاحتقان، ويهيئ فرص الانفجار؛ فالحقيقة التي يتعامى عنها الليبراليون ويريدون حجبها عن السلاطين أن هذه الشعوب الثائرة شعوب مسلمة، لا ترضى المساس بدينها ولا بمن يبلغه، ومن رأى صلاة جموع الثائرين في ميدان التحرير في القاهرة، وفي شوارع تونس رغم سنوات القمع والإرهاب والتغريب بانت له هذه الحقيقة.


الثالث: رفع المظالم والمكوس عن الناس؛ فمقولة: جوع كلبك يتبعك، لم تعد صالحة في هذا الزمن، وللظلم مرارة أي مرارة، وقد تعوذ النبي صلى الله عليه وسلم من قهر الرجال، والمظلوم المقهور يتوقع منه أي فعل؛ لأن حالة الظلم والقهر التي يعيشها ترخص الحياة عنده.. فإذا كثر الظلم والقهر في الناس كانوا قنابل موقوتة معرضة للانفجار في أي لحظة، وفي السنوات الأخيرة صار تذمر الشعوب من حكوماتها في العلن ليسوا يخفونه، وهذا مؤشر على شدة الغضب الذي نتج عن الظلم والقهر..

ومراعاة هذه الأمور الثلاثة، وإزالة أسباب الغضب والاحتقان في الشعوب خير للحكومات وللشعوب من ثورة لا تعلم نتائجها..


حفظ الله تعالى بلادنا وبلاد المسلمين من كل مكروه.