الاجتهاد في عبادة قيام الليل

منذ 2017-11-17

بعض الناس يحذر ويقدم صلاة الليل بعد العشاء قبل أن ينام، وهذا - بالطبع - لا يطلق عليه تهجد وإنما التهجد بعد النوم ففي الحديث أن عمر رضي الله كان يصلى في آخر الليل وأبو بكر كان يصلي في أول الليل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قوي هذا وحذر هذا.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله

قال تعالى {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ} [سورة الحج: 78] وقال تعالى {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [سورة العنكبوت: 69].

كان أحد السلف دأبه أن يتناوب هو وشخصان آخران من أهاليه لإيقاظ من هو نائم ليقوم وليتعبد ربه في ثلث من الليل يعني ذلك أن يقوم كل واحد منهم ثلثا من الليل ليتعبد ربه وكل واحد يوقظ الآخر.

حتى مات أحد أهاليه فبقي اثنان فقام أحدهما في نصف الليل ليوقظ الآخر في النصف المتبقي من الليل حتى مات الآخر وبقي هو وحده ليقوم في الليل كله مخافة أن تفوته صلاة الليل وهو نائم!.

إذاً هذا مثال للاجتهاد في الطاعة وبالخصوص في عبادة صلاة الليل.

لكن بعض الناس يحذر ويقدم صلاة الليل بعد العشاء قبل أن ينام، وهذا - بالطبع - لا يطلق عليه تهجد وإنما التهجد بعد النوم ففي الحديث أن عمر رضي الله كان يصلى في آخر الليل وأبو بكر كان يصلي في أول الليل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قوي هذا وحذر هذا.

والحديث في نيل الأوطار. لمن أراد بحثه لكن بلا الشك القوة في القيام في الثلث الآخر أفضل لما فيه القيام في التهجد لله وفيه وقت نزول الله في السماء الدنيا ويقول هل من داع فاستجيب له هل من سائل فأعطيه وهل من مستغفر فأغفر له.

حَدَّثَنَا حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ، قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ، قَالَ: أنا حَجَّاجُ، قَالَ: أنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ شَطْرُهُ، نَزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: " هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ "، حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ». رواه الداراقطتي رحمه الله.

وقد كان السلف الصالح يقومون رهبانا في الليل وفرسانا في النهار وقد كان ذلك سراً من أسرار نجاحهم ونصرهم على أعدائهم.


قال الشاعر:

                         عباد ليل إذا جن الظلام بهم                              كم عابد دمعه في الخد أجراه

                         وأسد غاب إذا نادي الجهاد بهم                         هبوا إلى الموت يستجدون رؤياه

                         يارب فابعث لنا من مثلهم نفرا                          يشيدون لنا مجدا أضعناه

وفي هذا العصر فعل أحد المجتهدين للقيام في صلاة الليل ما سيأتي قريباً وهو ما أثار للكتابة في هذا الموضوع ليقتدي به المتكاسلون أو المتقاعسون عن العبادة والمشتغلون عنها باللهو واللعب في المباريات أو النظر في التلفاز ونحو ذلك مما يعبثون به من الإنترنت وغيره كالألعاب ونحوها وما أكثر هؤلاء لا كثرهم الله.

فهذا الشخص شخص يحب عبادة القيام في صلاة الليل ولكنه ابتلي بثقل النوم فماذا فعل؟!.

غيَّر أولا فراشه الوتير واستبدل به بفراشٍ خشنٍ صحي ولكن بدون جدوى.

رمى المخدة وتوسد بطرف ثوبه لعله يقوم في الليل ولكن بدون جدوى.

نام بعد العشاء تقريبا ولكن بدون جدوى.

وضع عنده كوباً من الماء ليرشه على وجهه إن قام من النوم ولكن بدون جدوى.

قال لعل ذلك الأمر من الشيطان فترك المسجل قارئاً للقرآن طول الليل ولكن بدون جدوى.

ثم أرغم على نفسه بكثرة شرب الماء والشاي ليقوم إلى دورة المياة فقام والحمد لله عدة مرات ولكن النوم مع ذلك يأتيه وهو في الصلاة وأحيانا ينام على الكرسي وهو يريد أن يتوضأ.

ثم انتهى إلى قراره الأخير الاجتهادي أن ينام ليلة ويسهرفي الليلة الأخرى مع الاستعانة بالله أولا ثم بالشاي وكلما أحسَّ بنومٍ أو نعاسٍ شرب شاياً حتى أعانه الله بما أراد والحمد لله.

فأنظر معي – رعاك الله وأرشدنا إلى طاعته - وتأمَّل معي هذا الاجتهاد وترويض النفس وإرغامها على العبادة وعدم استسلامه لها حتى استطاع أخيراً أن يجد حلاً لمشكلته لأن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله هي الجنة. كما في الحديث: حدثنا أبو بكر بن أبي النضر حدثنا أبو النضر حدثنا أبو عقيل الثقفي حدثنا أبو فروة يزيد بن سنان التميمي حدثني بكير بن فيروز قال سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي النضر.

قال المبارك فوري رحمه الله في تحفة الأحوذي في شرح هذا الحديث " قوله: (من خاف) أي البيات والإغارة من العدو وقت السحر (أدلج) بالتخفيف من سار أول الليل وبالتشديد من آخره (ومن أدلج بلغ المنزل) أي وصل إلى المطلب. قال الطيبي -رحمه الله-: هذا مثل ضربه النبي -صلى الله عليه وسلم- لسالك الآخرة فإن الشيطان على طريقه والنفس وأمانيه الكاذبة أعوانه، فإن تيقظ في مسيره وأخلص النية في عمله أمن من الشيطان وكيده، ومن قطع الطريق بأعوانه ثم أرشد إلى أن سلوك طريق الآخرة صعب، وتحصيل الآخرة متعسر لا يحصل بأدنى سعي فقال (ألا) بالتخفيف للتنبيه (إن سلعة الله )) أي من متاعه من نعيم الجنة (غالية) بالغين المعجمة أي رفيعة القدر (ألا إن سلعة الله الجنة) يعني؛ ثمنها الأعمال الباقية المشار إليها بقوله سبحانه: والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا وبقوله: إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة. انتهى.

ومن ذلك أنه كان يقوم في دحر عدوه الشيطان فإذا لم يقم مثلا في ليلٍ كان يصلي في النهار ما فاته من قيامه في الليل لقوله تعالى {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [سورة الفرقان: 62] وهكذا كلما شغله أو وسوسه الشيطان في عباده زاد هو في العبادة وقس على سائر أحواله فإذا رأى مزرعة زرعها تذكر بزَرعِه نخله في الجتة إذا قال سبحان الله وبحمده , وإذا سمع أغنية تشاغل بالقرآن حتى لا يسمعه أوتشاغل بالأذكار وكأن أحوال الدنيا والمعاصي تذكره بالإزدياد من زاد الآخرة وقد قال تعالى {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: 197] فسبحان الله وما ذلك إلا لأجل أن يُبكي شيطانه ويخزيه ويدحره ولا يغلبه في حربه عليه لأن الله سبحانه قال تعالى {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [سورة فاطر: 6 ].

وقلت:

                         ما فرحة في هذه الدنيا تنفع                           إذا كان ملك الموت لا يسمع

                         كم ملك في هذه الدنيا يُسمع                          وبعد قليلٍ إذا في أكفانه يُشيَّع

                         ثم تركوه في قبره وهو يسمع                          قرع نعالهم ومن بعدُ لا يُسمع

                         تزوَّد في هذه الدنيا بالسماع                            قول الإلاه الواحد المطاع

                         لتنجوا من النيران التي تلفع                            والصراط الخطر منه أن تقع

                         وابرأ من الديمقراطية والبدع                          والشرك والردة والنفاق المتميع

                         وقل أف وكبر عليهم الأربع                              معتصماً بالعادل القوي السميع

                         وكل من لا يرضى بالشرع                               كافر ولا هو موحد ولا متبع

                         وكن صبورا تقيا لا يتزعزع                             وقد بدأ هذا لحق أن يتشعشع

                         واترك العينة والرضا بالزرع                             وقد زال الذل بالجهاد الراجع

                         وكن مجاهداً يا صاح يتطلع                            حور العين في الجنة يستمتع

                         ولك في قرابتك سبعين تشفع                          بما كنت ربك وحده تطيع

                         تصور كيف كراماتك ترتفع                               مع النبيين والصديقين تستمتع

                         و تخلد في قصور ربك الواسع                         والحزن زائل يا ليت من يسمع

                         ثم رضا الله والنظر إليه الممتع                         فيا له من حظٍ عظيم من المشرع

والله أعلم.

أبو عبدالله عبد الفتاح بن آدم المقدشي