دروس من استشهاد الإمام الحسين (1)

منذ 2018-01-30

صالحون بدون سلطان وقوة ستتركهم الجماهير حتى ولوكان ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فما بالكم بغيرهم من المسلمين البقية في المقال اللاحق كيف خرج الحسين وكيف واجه خذلان اهل الكوفة ولما استمر وكيف استشهد سيد شباب اهل الجنة

بطولة ووفاء وثبات مسلم بن عقيل قصة محزنة استشهاد بطل مسلم بن عقيل البداية عندما بويع ليزيد بالخلافة سنة ستين من الهجرة، ورفض ان يبايع الحسين بن علي و عبد الله بن الزبير وكانا في الـمدينة، ولـما طلب منهما أن يبايعا ليزيد قال عبد الله بن الزبير: أنظر هذه الليلة وأخبركم برأيي، فقالوا: نعم، فلـما كان الليل خرج من الـمدينة هاربا إلى مكة ولم يبايع.

 

ولـما جيء بالحسين بن علي وقيل له: بايع.

قال: إني لا أبايع سرا ولكن أبايع جهرا بين الناس.

قالوا: نعم، ولـما كان الليل خرج خلف عبد الله بن الزبير.

- هنا نتوقف فقد كان الحسين يرفض البيعة فقط منكرا ولاية يزيد ولم يكن تجهز للخروج عليه الا بعد مراسلة اهل العراق له فزادت قناعته انه له منعة..

حيث اتفقت كتب اهل العراق انهم لا يريدون إلا عليا وأولاده رضي الله تبارك وتعالى عنهم، فأرسلوا الكتب إلى الحسين بن علي يقولون في كتبهم: إنا بايعناك ولا نريد إلا أنت، وليس في عنقنا بيعة ليزيد بل البيعة لك، وتكاثرت الكتب على الحسين بن علي حتى بلغت أكثر من خمسمائة كتاب كلها جاءته من أهل الكوفة يدعونه إليهم.

 

- هنا ادرك الامام الحسين ان ثورته ورفضه لولاية يزيد يمكن باهل العراق ان تكون وسيلة للتغير مما يؤكد ان رفضه لم يكن شعورا حماسيا او غضبيا فقط..

 

- وعملا بالأسباب اراد تقصى الامر فأرسل ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب لتقصي الأمور هناك وليعرف حقيقة الأمر وجليته، فلـما وصل مسلم بن عقيل إلى الكوفة ايضا هو تدبر الاسباب صار يسأل حتى علم أن الناس هناك لا يريدون يزيد بل الحسين بن علي و نزل عند هانئ بن عروة، وجاء الناس جماعات ووحدانا يبايعون مسلم بن عقيل على بيعة الحسين رضي الله تبارك وتعالى عنهم أجمعين حتى بلغوا 18الف.

 

وكان النعمان بن بشير أميرا على الكوفة من قبل يزيد بن معاوية فلـما بلغه الأمر أن مسلم بن عقيل بين ظهرانيهم وأنه يأتيه الناس ويبايعونه للحسين أظهر كأنه لم يسمع شيئا ولم يعبأ بالأمر، حتى خرج بعض الذين عنده إلى يزيد في الشام وأخبروه بالأمر، وأن مسلما يبايعه الناس وأن النعمان بن بشير غير مكترث بهذا الأمر (الصحابى الجليل نعمان بن البشير راوى حديث الحلال بين والحرام وبينهن امور مشتبهات كانه اراد ان يكون منفذا للحديث رغم ولايته من قبل بنى امية الا انه ابتعد عن كل شبهة تجعله في مواجهة مع الحسين تقوى لله )لم يعجب يزيد موقف النعمان بن بشير أمر يزيد بعزله، وأرسل عبيد الله بن زياد واليا على الكوفة وكان قاسيا شديد الولاء لبنى امية فوصل عبيد الله بن زياد ليلا إلى الكوفة متلثما وقد شاع بين الناس خبر قدوم الحسين فباتوا ينتظرونه فلما دخل زياد متلثما كان عندما يمر على الناس يسلم عليهم يقولون: وعليك السلام يا ابن بنت رسول الله يظنون أنها لحسين وأنه دخل متخفيا متلثما ليلا، فادرك عبيد الله بن زياد خطورة الوضع وأن الأمر جد وأن الناس ينتظرون الحسين بن علي، عند ذلك دخل القصر ثم أرسل مولى له اسمه معقل ليتقصى الأمر ويعرف من الرأس الـمدبر في هذه الـمسألة؟

فذهب معقل على أنه رجل من «حمص» وأنه جاء بثلاثة آلاف دينار لـمساندة الحسين رضي الله عنه فصار يسأل حتى دل على دار هانئ بن عروة، فدخل ووجد مسلم بن عقيل وبايعه وأعطاه الثلاثة آلاف دينار وصار يتردد أياما حتى عرف ما عندهم ورجع بعد ذلك إلى عبيد الله بن زياد وأخبره الخبر.

 

بعد أن استقرت الأمور وبايع كثير من الناس لـمسلم بن عقيل، أرسل إلى الحسين أن أقدم فإن الأمر قد تهيأ، بمعنى يوجد العدد الكاف من المناصرين والاتباع فخرج الحسين علي رضي الله عنهما في يوم التروية، وكان عبيد الله قد علم ما قام به مسلم بن عقيل فقال: علي بهانئ بن عروة، فجيء به فسأله: أين مسلم بن عقيل؟

 قال: لا أدري..

فنادى مولاه معقلا فدخل عليه فقال: هل تعرفه؟

 قال: نعم فأسقط في يده، وعرف أن الـمسألة كانت خدعة من عبيد الله بن زياد، فقال له عبيد الله بن زياد عند ذلك: أين مسلم بن عقيل؟ (وهنا يضرب هانئ بن عروة وهو من كبار القوم اروع مثال في الشهامة والوفاء والشجاعة)..

فقال: والله لو كان تحت قدمي ما رفعتها، فضربه عبيد الله بن زياد ثم أمر بحبسه وقتله بعد ذلك وبلغ خبر القبض على هانئ مسلم لن عقيل فلم يسكت البطل فجمع انصاره وخرج بأربعة آلاف وحاصر قصر عبيد الله وخرج أهل الكوفة معه، وكان عند عبيد الله في ذلك الوقت أشراف الناس أي كبار القوم فقال لهم خذلوا الناس عن مسلم بن عقيل، ووعدهم بالعطايا وخوفهم بجيش الشام، فصار الأمراء يخذلون الناس عن مسلم بن عقيل، فما زالت الـمرأة تأتي وتأخذ ولدها، ويأتي الرجل ويأخذ أخاه، ويأتي أمير القبيلة فينهى الناس، حتى لم يبق معه إلا ثلاثون رجلا من أربعة آلاف! وما غابت الشمس إلا ومسلم بن عقيل وحده، ذهب كل الناس عنه، وبقي وحيدا يمشي في دروب الكوفة لا يدري أين يذهب (وهنا وقفة مع ما حدث فعموم الناس الا ما رحم ربى تخشى قوة السلطان الحاكم حتى لو كانوا رافضين له في انفسهم وعموم الناس الا ما رحم ربى المال والذهب تغير من قرارتهم واعمالهم وهذا مشاهد ومحسوس خاصة عند حالات الاصطدام بسلطان فكم تخاذل رجال ونكسوا على عقبيهم) تكتمل القصة الحزينة المبكية لمسلم بن عقيل عندما وجد نفسه وحيدا في دروب الكوفة عطشان لا يعرف طريقا للخروج وجد امامه باب بيت فطرق الباب على امرأة من كندة..

فقال لها: أريد ماء، فاستغربت منه ثم قالت له: من أنت؟ فقال: أنا مسلم بن عقيل وأخبرها الخبر وأن الناس خذلوه، وأن الحسين سيأتي؛ لأنه أرسل إليه أن أقدم فأدخلته عندها في بيت مجاور، وأتته بالـماء والطعام ولكن ولدها قام بإخبار عبيد الله بن زياد بمكان مسلم بن عقيل، (يا لها من تداعيات محزنة الخيانة لا تترك البطل مسلم بن عقيل حتى في كوب ماء يشربه) فأرسل عبيد الله بن زياد إلي مسلم سبعين رجلا فحاصروه فقاتلهم في شجاعة باسلة ندران يسمع بها التاريخ فاضطروا ان يأمنوه عندها استسلم لهم فأخذ وه إلى قصر الإمارة الذي فيه عبيد الله بن زياد، فلـما دخل سأله عبيد الله عن سبب خروجه هذا؟.

فقال: بيعة في أعناقنا للحسين بن علي قال: أو ليست في عنقك بيعة ليزيد؟

فقال له عبيد الله: إني قاتلك.

قال: دعني أوصي.

قال: نعم أوص.

 

فالتفت فوجد عمر بن سعد بن أبي وقاص، فقال له: أنت أقرب الناس مني رحما تعال أوصيك، فأخذه في جانب من الدار وأوصاه بأن يرسل إلى الحسين بأن يرجع، فأرسل عمر بن سعد رجلا إلى الحسين ليخبره بأن الأمر قد انقضى، وأن أهل الكوفة قد خدعوه. وقال مسلم كلمته الـمشهورة: «ارجع بأهلك ولا يغرنك أهل الكوفة فإن أهل الكوفة قد كذبوك وكذبوني وليس لكاذب رأي».

 

قتل عند ذلك مسلم بن عقيل في يوم عرفة وكان الحسين قد خرج من مكة في يوم التروية قبل مقتل مسلم بن عقيل بيوم واحد.

 

قصة مسلم بن عقيل بن ابى طالب رغم احزانها الانها فيه فوايد منها:

1_ثباته وحده رغم خذلان الناس وهو امر صعب جداجدا على النفس ان يتجمع لك 18الف من الانصار ثم يخذلوك جميعا ولا تتراجع وتثبت حتى تقتل وحدك يا الله ولكنه مسلم بن عقيل من ال البيت الكرام تقبله الله من الشهداء.

 

2_ عدم الاعتماد على الجماهير المتحمسة في الحركات والعمل المسلح بل لابد من الدراسة والاعتماد على نخبة منتقاة.

 

3_دراسة عادات وطباءع الناس فلم يكن الخذلان الاول من اهل الكوفة.

 

وقد كان كثير من النخبة يعارضون خروج الحسين ليس رفضا لموقفه من يزيد ابدا والله فهم مؤيدين للحسين ولكن لعدم القدرة على التغيير مع المفسدة الراجحة ولعدم ثقتهم في اهل الكوفة..

 

1_ منهم الصحابي الجليل حبر الامة ابن عباس قال للحسين لـما أراد الخروج: لولا أن يزري بي وبك الناس لشبثت يدي في رأسك فلم أترك تذهب. ( البداية والنهاية 8/161).

 

2_ قال الشعبي: كان ابن عمر بمكة فبلغه أن الحسين قد توجه إلى العراق فلحقه على مسيرة ثلاث ليال فقال: أين تريد؟

 

قال: العراق، وأخرج له الكتب التي أرسلت من العراق يعلنون أنهم معه وقال: هذه كتبهم وبيعتهم، (قد غروه رضي الله عنه).

 

قال ابن عمر: لا تأتهم، فأبى الحسين إلا أن يذهب.

 

فقال ابن عمر:

إني محدثك حديثا، إن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فخيره بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا، وإنك بضعة منه، والله لا يليها أحد منكم أبدا، وما صرفها الله عنكم إلا للذي هو خير لكم، فأبى أن يرجع فاعتنقه عبد الله بن عمر وبكى وقال: « أستودعك الله من قتيل »( البداية والنهاية 8/162).

 

3- عبد الله بن الزبير:

قال للحسين: أين تذهب؟! تذهب إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك.

لا تذهب فأبى الحسين إلا أن يخرج. ( البداية والنهاية8/163).

 

4- أبو سعيد الـخدري:

قال: يا أبا عبد الله إني لك ناصح وإني عليكم مشفق، قد بلغني أنه قد كاتبكم قوم من شيعتكم بالكوفة يدعونك إلى الخروج إليهم فلا تخرج إليهم، فإني سمعت أباك يقول في الكوفة: والله لقد مللتهم وأبغضتهم وملوني وأبغضوني، وما يكون منهم وفاء قط، ومن فاز بهم فاز بالسهم الأخيب، والله ما لهم نيات ولا عزم على أمر ولا صبر على سيف.(البداية والنهاية 8/163).

 

وممن أشار على الحسين بعدم الخروج من غير الصحابة:

الفرزدق الشاعر: وذلك بعد خروج الحسين لقي الفرزدق الشاعر، فقال له: من أين؟

قال من العراق، قال: كيف حال أهل العراق؟

قال: قلوبهم معك، وسيوفهم مع بني أمية. فأبى إلا أن يخرج وقال: الله الـمستعان.

 

يتضح مما سبق..

 1- ان رفض الصحابة كان بسبب عدم ثقتهم تماما في نصرة اهل الكوفة للحسين وذلك يرجح عدم التكافؤ في القدرة..

2- لم تخرج من الصحابة كلمة واحدة للحسين ترفض مبدا الخروج على الحاكم الفاسق المسلم وعدم طاعته..

3- وجوب معرفة وتقدير الاسباب المادية عند الخروج المسلح ومعرفة طبيعة الشعوب والمناصرين وان الجماهير مهما كانت متحمسة لكن كما قال الفرزدق قلوبهم معك وسيوفهم مع بنى امية وهذا حال تجده في كثير من الشعوب تتعاطف ولكن تتوقف عند التعاطف الا ان يملك الصالحون سلطان فتصفق لهم الجماهير..

لكن صالحون بدون سلطان وقوة ستتركهم الجماهير حتى ولوكان ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فما بالكم بغيرهم من المسلمين البقية في المقال اللاحق كيف خرج الحسين وكيف واجه خذلان اهل الكوفة ولما استمر وكيف استشهد سيد شباب اهل الجنة..