انفلات الفتوى وتفكك المجتمعات السنية

منذ 2018-02-18

دائماً في منطقة الشرق الأوسط أي مشكلة سياسية لا يمكن حلها دون أن نتعرض لتأثير العامل الديني، لسبب بسيط هو أن الدين منصة ضخمة للقوة والاحتشاد والحركة الاجتماعية سواء من قبل الدولة أم المعارضة وكذلك فإن الدين هو المحرك الأول بالنسبة للمجتمعات الإسلامية.

تعتبر منطقة الشرق الأوسط البؤرة الأشد حدة من حيث مركزية الصراع العالمي على مستويات الدين والأمن والاقتصاد، ولهذا الصراع انعكاسات عميقة على الاستقرار العالمي وإعادة بناء وتشكيل الأحلاف السياسية والعسكرية في العالم. وإن كنا نريد أن نكون أكثر وضوحاً فإننا سنجعل الصراع الديني هو الأساس فيما سبق، سواء لكون تلك المنطقة شهدت ظهور الرسالات السماوية الثلاث، أم لكونها تضم الأماكن الدينية الأكثر تقديساً لأتباع الإسلام واليهودية والمسيحية.

يحمل التاريخ لنا خلفية صلبة عن فشل الحملات الصليبية الاستيطانية في مساعيها للسيطرة على العالم الإسلامي، ولم تتوقف تلك المساعي حتى بعد أن ارتدت اوروبا رداء العلمانية والحداثة وأخذت على عاتقها عبر تشكيل المنظمات الدولية التطلع لدور جديد للوصول إلى مصادر الثروة والنفوذ في الشرق الأوسط وافريقيا والإبقاء على تلك المنطقة عبارة عن كنتونات يتم تقسيمها بالتساوي بين الحلفاء الذين خرجوا منتصرين في الحرب العالمية الثانية على الدولة العثمانية التي كانت تعتبر نفسها بمثابة الخلافة الإسلامية.

أفرزت "سايكس بيكو" حالة دينية جديدة في المجتمعات الإسلامية وسعت الدول المستعمرة إلى وضع بنية جديدة لتلك المجتمعات بهدف السيطرة عليها، من خلال ما عرف بالإسلام "الحكومي" أو "الرسمي" مع مجموعة من السياسيين الذين يدينون بالولاء للمستعمر الفرنسي أو البريطاني أو الإيطالي. وتمخضت تلك التجربة عن تعزيز دور طوائف دينية مثل الصوفية والأحمدية والبهائية والشيعية وغيرها من الجيوب التي اندست في جسد العالم السني لتتحول تحت مظلة مراكز إفتاء تتبع حكومات الانتداب إلى أدوات لتطويع المجتمعات ومنع انفلاتها ضد سلطات المستعمر وزيادة الفجوة الداخلية وضياع الهوية في المجتمعات السنية، لكن خرجت حالات ترفض الاحتلال والاستعمار وترفض الإجرام والقتل والسرقة وترفض الانقلاب على هوية المجتمع السني المسلم من قبل الاستعمار وعملاءه، ففي ليبيا خرج عمر المختار أحد رموز التدين الخارج عن نطاق السلطة الاستعمارية الإيطالية، وتبعه أطياف ضخمة من مختلف الأقاليم الليبية وكان من رموز التحرر الليبي من الاستعمار، وكذلك في الجزائر خرجت جمعية علماء المسلمين ضد المستعمر الفرنسي للحفاظ على الهوية الإسلامية للمجتمع الجزائري، بقيادة الشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس. كذلك في القدس المحتلة خرج الحاج أمين الحسيني أحد رموز التدين المطالبين برحيل الانتداب البريطاني ومحذراً من خطر الاستيطان الصهيوني في فلسطين.

ومقارنة بالقوة الدينية التحررية التي أفرزتها ظروف الاستعمار في تلك الفترة، يمكننا اليوم أن نرى مشهداً جديداً في المنطقة يشكل ملامح الحالة الدينية وخصوصاً فيما يتعلق بالمجتمعات السنية التي تعد المستهدف الأول في مشروع الاستعمار الغربي للمنطقة إذ امتدت التقسيمات الدينية السابقة للعصر الحالي باستثناء بعض التجارب مثل السعودية وبعض مشيخات الخليج التي لم تكن تعيش تجربة الاستعمار وافرازاته، ففي غالب البلدان الإسلامية سنجد المراجع الدينية الرسمية الخاصة بالفتوى والبحوث الإسلامية مثل دور الإفتاء أو وزارات الشؤون الدينية والأوقاف، وهي تعد منظمات حكومية وتخضع لأنظمة وقوانين الدولة و تمول من خلالها، وهناك المراكز غير الرسمية التي يتم تغذيتها من مصادر مختلفة وفقاً لسياسيات وغايات في الغالب تعد تكاملية مع سياسيات الدولة في الحفاظ على هوية المجتمع الإسلامية الوسطية كما يركز عليها في الخطابات الرسمية.

كذلك يوجد العديد من المراكز الإسلامية التي تتبنى وجهات نظر أكثر تحررية من المؤسسات الرسمية الخاضعة لإشراف الدولة، وتعد أكثر عالمية في رسالتها خصوصاً التي تستهدف الأعمال الخيرية أو الرسالة الدعوية للإسلام، ومن تلك المنظمات "الإغاثة الإسلامية" التي تتخذ من بريطانيا مقراً لها، وتعتبر جزء من المنظمات الأممية.

لكن الأزمة الحقيقية ظهرت عقب ما يعرف بــ "الربيع العربي" وتوسع دائرة وسائل التواصل الاجتماعي، فقد نشط في تلك الفترة عشرات الآلاف من الفضائيات والمواقع والصفحات التي تروج لشخصيات ورموز ومراكز وجماعات تحمل الصبغة الدينية وتحاول التأثير في مجريات الهجمة الشرسة على المسلمين في العراق وسوريا وعدد من البلدان التي تأثرت من أحداث "الربيع العربي"، كما ساهمت هذه الحالة من الفوضى بإذكاء ما عرف بـملف "الإرهاب" وأوجدت مبررات كبيرة لاستهدف العالم الإسلامي والمسلمين السنة بشكل خاص، وأصبح من الصعب أمام العوام التعريف بتلك الجماعات أو المنظمات أو المراجع سواء كانت شريك في القتال ضد "الإرهاب" أم جزء منه وتحاول تعزيز قوته، أم هي مجرد أبواق  تستخدم من قبل أجهزة مخابرات بهدف زيادة حدة الصراع الطائفي والسياسي في المنطقة.

دائماً في منطقة الشرق الأوسط أي مشكلة سياسية لا يمكن حلها دون أن نتعرض لتأثير العامل الديني، لسبب بسيط هو أن الدين منصة ضخمة للقوة والاحتشاد والحركة الاجتماعية سواء من قبل الدولة أم المعارضة وكذلك فإن الدين هو المحرك الأول بالنسبة للمجتمعات الإسلامية. في أغلب دساتير بلدان العالم الإسلامي التي ورثت جزء كبير منها عن المستعمر يكون الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، كون تلك البلدان يقطنها أغلبية مسلمة، وامتداداً لذلك فإن هذا الأمر ينعكس على التعليم وغيرها من الأمور مثل جمع أموال الزكاة وقوانين الأحوال الشخصية. في ظل الفوضى الإعلامية الراهنة واتساع دائرة المراجع الدينية سواء كانت موثوقة أو غير موثوقة فإن الكثير من تلك المراجع تحاول تحشيد الرأي العام الإسلامي حولها والاستفادة من ذلك لصالح قضايا سياسية وأمنية مؤثرة في تركيبة المنطقة وخير شاهد على هذه التجربة نموذج "داعش" الذي وجد فئة كبيرة من المتعاطفين معه رغم كل جرائمه التي ارتكبها. كذلك انتشرت العديد من الجماعات المقاتلة باسم الإسلام في ليبيا وساهمت في زيادة حدة الصراع بين المختلفين وحولت الصراع الليبي بدلاً من كونه صراع بين الشعب الليبي وبين بقايا النظام الليبي السابق إلى صراع بين جماعات إسلامية منقسمة!.

كما أوجدت تلك الفوضى مبرراً لدى المنظمات الأممية والغربية لتضييق الخناق على كل ما يحمل صفة الإسلام، وأوجد الغرب ذريعة جديدة للتضييق على المسلمين عرفت بــ "الإسلاموفوبيا" ومحاربة أي نشاط يهدف لنشر العمل الخيري الإسلامي حتى لو كان ذلك بناء مسجد أو مدرسة.

وتحولت مساحة الحرية في الفضاء الإلكتروني إلى طريقة من طرق السيطرة والرصد لكل ما يرتبط بالإسلام، حتى ضغط الولايات المتحدة باتجاه تغيير مناهج التعليم الإسلامي في بلدان العالم مثل مصر والاردن، وسنت قوانين غربية مثل قانون "جاستا" الأمريكي لمحاصرة بلدان مثل السعودية وتحميلها وزر "الإرهاب" العالمي كونها تمثل رمزية عميقة لأكثر من 1.6 مليار انسان يدينون بالإسلام.

يمكن القول إن تخلي المؤسسات الدينية الرسمية عن مهامها كان الدافع الأبرز لانطلاق مثل المراجع الدينية غير الموثوقة وحولها إلى ملجأ للكثير من العوام بديلاً عن المرجعيات الدينية الرسمية التي تحولت إلى مؤسسات بيروقراطية حكومية غير مؤثرة. لا سيما حينما التزمت الصمت تجاه العديد من القضايا التي أشغلت الرأي العام العربي والإسلامي في الفترة الماضية، فلو عدنا إلى فترة الاستعمار الأجنبي للمنطقة لوجدنا أن الأزهر الشريف في مصر كان أحد أبرز الحاضنين لمشروع مقاومة المستعمر البريطاني في مصر، كذلك في بلدان المغرب العربي كانت الرموز الدينية هي الموجه الأبرز للمجتمعات لأنها وقف معها في معركة التحرر من الاستعمار الفرنسي والإيطالي، لذلك فإن تغييب الرموز الدينية والتقليل من شأنها وتسطيحها يعني السماح للمجتمع بإفراز بدائل غير مؤهلة ومنفلتة وغالباً ما تتحرك بأيديولوجيات متطرفة يصعب التحكم بها والسيطرة عليها في فضاء واسع ليس له قيود أو حدود، كذلك فإن مثل هذه التجارب تسمح لأعداء الأمة بتجنيد طاقات مشابهة بهدف زيادة حدة الطائفية وتكريس الانقسام الاجتماعي و الديني داخل الدولة  الواحدة ولدينا مع التجربة الإيرانية في المنطقة مثال يمكن البحث في تفاصيلها بعمق.

في جميع بلدان العالم الإسلامي يوجد مفتي يمكن الأخذ برأيه في قضايا الشريعة بالنسبة للمسلمين، لكن لا يوجد ضمانة لإجبار الناس على الالتزام والثقة برأي ذلك المفتي. فالكثير من الذين تحولوا إلى نجوم في الإعلام الإلكتروني مثل "يوتيوب" و "انستغرام" و "فيسبوك" و "توتير"  لا يمتلكون أي مؤهلات في الشريعة أو الدراسات الدينية ولا يمكن اعتبارهم مراجع للفتوى والتشريع، لكنهم استطاعوا حشد الملايين من المعجبين حولهم وأصبحوا قدوات للكثيرين في العالم الافتراضي لسبب واحد وهو القدرة على إيصال الرسالة وانتقاء الجيل المستهدف، ويوجد نماذج كثيرة في مقاييس التشريع وعلوم الشريعة لا يمكن الجزم بقدرتهم على الفتوى لكن جرأتهم على الدين والغرور دفعهم للتنظير في قضايا ساهمت في إرباك الحالة الأمنية والسياسية في بلدانهم.

يمكن ملاحظة كمية المادة الدينية التي تنشرها الإذاعات والمحطات الرسمية التي تسيطر عليها الدولة، سواء كانت محاضرات أم صلوات وخطب جمعة، أم دروس دينية، تلك المادة كانت تصلح في تسعينيات القرن الماضي حينما كان الإعلام تحت سيطرة الدولة، فمنذ ظهور الإعلام الخاص وتحطيم نظرية الاحتكار لوسائل الإعلام ظهرت برامج دينية أكثر جرأة في الطرح وتأثيراً من البرامج الرسمية وترتب على ذلك ظهور نوع جديد من المراجع الدينية التي أضحت أكثر تأثيراً من الرموز والمراجع المعتمدة من الدولة، هذه الحالة أوجدت تنافسية عالية بين مشاهير الإعلام الديني وحولتهم من رموز ومراجع رسالتهم تعزيز الهوية الإسلامية في المجتمعات إلى نقاط جدل و خلاف في المجتمعات.

إن الحل الوحيد للتخلص من هذه الفوضى من خلال التركيز على التعليم في المؤسسات والمدارس والمعاهد الدينية، سواء من خلال المناهج التدريسية أو نوعية الدعاة و طلبة العلوم الشرعية التي تخرجهم تلك المعاهد، وهناك نماذج مختلفة للمعاهد الإسلامية سواء معهد الحرم المكي أو مركز تكوين العلماء في موريتانيا أو الأزهر في مصر، لكل منها شروطها ولكن الثمرة نهائية تظهر من خلال نوعية العلماء والدعاة التي تصدرهم تلك المعاهد للعالم الإسلامي، وهنا يمكن القول إن المسؤوليات المترتبة على الحكومات كبيرة جداً في هذا المقام، فيجب عليها الأخذ بالاعتبار للغاية مصداقية المؤسسات الإسلامية الرسمية، فبقدر أهمية دورها في الحفاظ على الهوية الدينية للمجتمع والسيطرة على الحالة الدينية فيه، يجب عليها أن تحصل على ثقة المجتمع وتظهر حالة تمثيل قوي لرسالتها الأساسية وهي الحفاظ على الهوية الإسلامية للمجتمع، والقيام في دور فاعل وقت الأزمات التي تعيشها الأمة، ففي ظل الحالة الإعلامية الحالية واستهداف الأمة من الخارج والداخل ينبغي أن يكون الهدف جمع الصف وتوحيد الكلمة وتوحيد المرجع للحفاظ على تماسك المجتمع الإسلامي.

كذلك من المهم دعم المنصات الإعلامية للعلماء والدعاة المؤهلين الذين يستطيعون حماية المجتمع من الاجتهادات الشاذة والدخيلة، لكي تكون جهداً من الجهود التي تبذل للتصدي للمشاريع المعادية للعالم السني. في أغسطس/2010 صدر أمر ملكي سعودي ينص على قصر الفتوى على أعضاء هيئة كبار العلماء وهي الجهة الشرعية المخولة في السعودية للنظر في الأمور الشرعية، كانت تلك الخطوة إيجابية جداً تجاه القضاء على الشذوذ في الفتوى الذي مارسه بعض المجتهدين أو المندفعين بقصد الشهرة أو تحقيق الإثارة أو بقصد إثارة المجتمعات من الداخل، لكن يجب أن يقابل ذلك منح مثل هذه المراجع الدور الكافي للقيام بدورها ازاء قضايا الأمة الإسلامية من حيث توجيه الرأي العام والتضامن معه وتعزيز أهمية الوحدة والتماسك فيه.

 

الكاتب: أحمد أبو دقة