الرحلة إلى الدار الآخرة

منذ 2018-03-25

مَنْ كَانَ هَمُّهُ الْآخِرَةَ، جَمَعَ اللهُ شَمْلَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ الدُّنْيَا، فَرَّقَ اللهُ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ. ورواه ابن ماجه والدارمي وابن حبان.

بسم الله الرحمن الرحيم..

وقد قال تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20) سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}[ لبحديد:21]..

 

وقد وجَّهنا االله سبحانه - كما ترى - في هذه الآيات في سورة الحديد التسابق إلى المغفرة وجنة عرضها السموات والأرض بعد ما أعلمنا الله سبحانه أن الحياة الدنيا لعبٌ ولهوٌ وزينةٌ وتفاخرٌ وتكاثرٌ في الأموال والأولاد.

 

وقد ضرب الله لنا مثلاً بذلك لزيادة التوضيح أنها كمثل غيثٍ أعجب االكفار أي لمزارعوان نبانه ثم يزول نضرته وجماله ليصفر ثم يكون في نهاية المطاف حطاماً , بمعنى ذلك: أنها لا تستحق حالة حياة كهذه بالتشاغل بها والتنافس بها ما دامت إلى الزوال والإضمحلال. ولذالك أمر الله سبحانه التسابق إلى مغفرة من الرب جل جلاله وإلى نعيم جناتٍ عرضها السموات والأرص  وهي الباقيات الصالحات وليست بالخاويات الفانيات أبداً.

 

فقد روى الإمام أحمد عن زيد بن ثابت أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مَنْ كَانَ هَمُّهُ الْآخِرَةَ، جَمَعَ اللهُ شَمْلَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ الدُّنْيَا، فَرَّقَ اللهُ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ. ورواه ابن ماجه والدارمي وابن حبان، والبيهقي في شعب الإيمان، قال العراقي ـ رحمه الله ـ في تخريج الإحياء: رواه ابن ماجه من حديث زيد بن ثابت بإسناد جيد ـ وصححه الشيخ الألباني ـ رحمه الله ـ في سلسلة الأحاديث الصحيحة.     

 

أما حقيقة الدنيا فانظر معي كيف صوَّرها لنا بعض الشعراء كما قال الشاعر  أبو الحسن التهامي:

 

حُكمُ المَنِيَّةِ في البَرِيَّةِ جاري *** ما هَذِهِ الدُنيا بِدار قَرار

بَينا يَرى الإِنسان فيها مُخبِراً *** حَتّى يُرى خَبَراً مِنَ الأَخبارِ

طُبِعَت عَلى كدرٍ وَأَنتَ تُريدُها *** صَفواً مِنَ الأَقذاءِ وَالأَكدار

 

ويقول الحريري في مقاماته، المقامة الشعرية: [من الكامل]:

 

يا خاطِبَ الدّنيا الـدّنِـيّةِ إنّـهـا *** شرَكُ الرّدى وقَرارَةُ الأكـدارِ

دارٌ متى ما أضْحكتْ في يومِها *** أبْكَتْ غداً بُعْداً لهـا مـنْ دارِ

وإذا أظَلّ سَحابُها لم ينـتَـقِـعْ *** منْه صدًى لجَهامِـهِ الـغـرّارِ

غاراتُها ما تنْقَضي وأسـيرُهـا *** لا يُفتَدى بجـلائِلِ الأخْـطـارِ

 

وقال علي رضي الله عنه:

 

النفس تبكى على الدنيا وقد علمت *** آن السلامة فيها, ترك ما فيها

لا دار للمرء بعد الموت يسكنها *** إلا التي كان قبل الموت يبنيها

فان بناها بخير طاب مسكنها ** وان بناها بشر, خاب بانيها

أين الملوك التى كانت مسلطنه *** حتى سقاها بكأس الموت ساقيها

أموالنا: لذوى الميراث نجمعها *** ودورنا: لخراب الدهر نبنيها

كم من مدائن في الآفاق قد بليت *** أمست خرابا, وافنى الموت أهليها

 

وقلت:

 

دار حُلوها مرٌ وسُرورها غمٌ *** نكدٌ كلها فأين لها من نعيمٍ

متى ما أحببتها أنستك نعيم *** الآخرة كم كارهاً لها لجهنم

فيا غافلُ المشتغل من الأهمِّ *** اتستبدل الخسيس بالأعظم

ويا ناصحُ لنفسه خُذِ العلم *** واعمل به وقم بالدِّين للأنام

واعبد ربك لا تفتننَّك فكم *** من نادمٍ فرَّط لا ينفعه الندم

 

 

وقال الإمام ابن القيم فيوصف الجنة:

 

وأقدم ولا تقنع بعيش منغص *** فما فاز باللذات من ليس يقدم

وإن ضاقت الدنيا عليك بأسرها *** ولم يك فيها منزل لك يعلم

فحي على جنات عدن فإنها *** منازلنا الأولى وفيها المخيم

ولكننا سبى العدو فهل ترى *** نعود إلى أوطاننا ونسلم

 

وقلت:

 

لا تغرنك فانية أنت مسافر فيها *** بل تأهب لباقية أنت مخلد فيها

تشقى لخدمتها وأنت معذب فيها *** حبذا لواسترحت منها وادعا فيها

قرير العينين بعبادات ربك فيها *** لا تصرفنك فِتنها كن سالما فيها

إن الغريب في بلدة مسافر فيها *** ولا قرار له لا يبني القصور فيها

لا تعلم متى الرحيل أتلعب فيها.*** كن على استعداد أنت مباغت فيها

في القبر ملكان بعد سكرات فيها *** هما منكر ونكير ويقتنانك فيها

انتبه فيه ضمة سيضيقونك فيها *** لا ينجوا منها أحد وكيف بنا فيها

إن كنت تقيا ستسريح حتما فيها *** أو عاصيا بلا شك ستتعذب فيها

ستأتي يا تقي المحشر وفدا فيها *** ويأتي المجرم وهم يسوقون فيها

هنيئا بظل العرش مستمتعا فيها *** والناس تحت الشمس يتعذبون فيها

وهنيئا بشربة وما أحسن ما فيها *** من حوض نبيك يا سني مكرما فيها

والبدعي الذي بدّل سيعطش فيها  *** فسحقا لهم اولئك قوم خسروا فيها

ثم الميزان وثقلت حسناتك فيها *** والصحائف والصراط أنت فائز فيها

ثم تدخل إلى الجنة هنيئا لك فيها *** وذلك هو الفوز مع لقيٍّ لربك فيها

في حنة غرسها بيده ليكرمك فيها *** وأنت الملك المرضي خالدا فيها

تلك هي الحياة ما أحسن الحياة فيها *** وحور العين مستمتعا معهن فيها

وكلما اشتهيت أمامك لا تفكر فيها *** وكلما رغبت فرغبتك مقبولة فيها

وكلما تمنيت فأمنيتك محققة فيها  *** مع عدم الهم والمرض والموت فيها

ولا نصب ولا نوم ولا أذى فيها *** جائزة من الرحمن ستُقِرُّعينونك فيها

لا تفوِّتنَّها بفانية أنت مغرور فيها *** فتندم حين لا ينفعه الندم اعتبر فيها