القرآن بين المنبر والمحراب.. والحياة!

منذ 2019-05-01

ومع إيماننا النّظري بذلك، فأين نحن من القرآن تلاوة، وتدبرًا، وحفظًا وعملًا، ونشرًا؟ أين نحن منه في دعوة الخلق، وبيان الحقّ؟

 

بين آونة وأختها، يعتلي خطيب جامعنا الشَّيخ خالد الصّبيح-وفقه الله- منبر الجمعة، فيقرأ سورة (ق)، ويفعل خطيبنا ذلك مع أنَّه لا تنقصه الفكرة النَّاضجة، مع البيان المشرق، والاستدلال الصّحيح، بيد أنَّه يقتدي بسُّنة سيدِّنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وحسنًا يفعل.

 

ويجتهد كثير من أئمّة الفروض في اختيار الآيات التي يقرؤونها في المحاريب، ويحرص بعضهم على موافقة السُّنة المحفوظة، كما في قراءة سورتي السَّجدة والإنسان في فجر الجمعة، ولازالت الآذان تذكر ترديد الشّيخ د. صالح بن حميد لها في جنبات الحرم الأقدس، وإنَّ عرض القرآن على النّاس كاملًا في الفروض لأمر يسير على الحافظ؛ دون أن يشقّ على المصلين، وما أحوجنا لسماع كلام ربِّنا.

 

ويحوي القرآن العزيز، عقيدة، وشريعة، وأخبارًا، وأخلاقًا، وإعجازا بلغته وبيانه، وإفحامًا في منطقه واستدلاله، وإبهارًا في سياقه التَّاريخي، ولا عجب في ذلك، فهو كتاب الله الحكيم العليم الخبير، نزل به الرُّوح الأمين، من الّلوح المحفوظ، على قلب خير الخلق وأكملهم، في أفضل زمن، وأطهر مكان.

 

وحين بعث نبينا عليه الصَّلاة والسَّلام، لم يكن معه معجزات خوارق، ولا قوى ظاهرة أو خفيّة، وإنِّما كان القرآن الكريم حجّته الأقوى، وسلاحه الأمضى، فقاوم به صلف قريش، وبهتان الكفار، واستكبارهم على الحق، وفي الوقت نفسه كان بيانه الدَّعوي يبدأ من القرآن وينتهي إليه، سواء كاتب الملوك والزُّعماء، أو خاطب العامّة والجموع، ، أو أراد الوعظ، والتّعليم.

 

وقد أسلم كثير ممن أسلموا بعد سماع القرآن يتلى، ومنهم عمر بن الخطَّاب رضوان الله عليه فيما يروى، وعاد الوليد بن المغيرة بعد سماع الآيات ليقول قولته الخالدة بحلاوة القرآن وطلاوته؛ ويعلن حكمه في لحظة صدق بأنَّه كتاب يعلو ولا يعلى عليه! حتى خشي قومه من إسلامه. ووضع الطُّفيل بن عمرو القطن في أذنيه كي لا يسمع؛ ثم رجع لرشده؛ فسمع وآمن، ومثله رقاة وسحرة وشعراء يعرفون مواقع الكلام وفنونه، وقفوا عاجزين أمام هيبة النَّص القرآني، وجلاله، وجماله، وكماله.

 

ولا ينحصر الأمر في العرب، أو القدماء، أو يرتبط بشخصيّة الرَّسول على عظمتها، فقد أسلم الطَّبيب الفرنسي موريس بوكاي، بعد أن نصحه الملك فيصل بقراءة القرآن، وقال بوكاي كلمته المشهورة: القرآن فوق مستوى العرب، بل فوق مستوى العالم! والأمثلة لمن شاء البحث كثيرة متواترة.

 

ومع إيماننا النّظري بذلك، فأين نحن من القرآن تلاوة، وتدبرًا، وحفظًا وعملًا، ونشرًا؟ أين نحن منه في دعوة الخلق، وبيان الحقّ؟ وأين نحن منه في بثّ المفاهيم الكبرى، ونشر الحقائق الثّابتة التي لا تتغير؟ وأين نحن من مشاريع خدمته؛ وفي خدمته الشّرف الأسنى؟ وأين نحن منه إذا أغلقت الأبواب، وأقفلت الطُّرق؟!

 

إنَّ كثير الكلام ينسى، وتبقى حقائق القرآن شاهدة على عداوة اليهود، ومخبرة عن شرط رضى أهل الكتاب علينا، وموضِّحة لموقف المشركين من أمّتنا، وفاضحة كيد المنافقين بنا، فضلًا عن مقاومة الغلو والإفراط، ومعالجة الجفاء والتَّفريط، وفي عصرنا لا مناص من الإشارة إلى كشف الشَّهوانيين والمرجفين؛ فما أقربهم للفاحشة ونشرها، وما أحرصهم على التَّفريق والتَّحريش.

 

كما أنّ معالم الكتاب المجيد جليّة في الحديث عن الخالق والمخلوق، وحول الدّنيا والآخرة، وبين العقل والنّقل، وترسيخ وحدة الأمّة، ومرجعيّة الحكم والتّحاكم، وفقه الحرب والسّلم، وشؤون المال والأسرة، ودستور الأخلاق، وغير ذلك من أصول التّوحيد، والفقه، التي جاءت السّنة الشّريفة، والسّيرة العطرة، بتطبيقها، وتفسيرها.

 

ولأنّ القرآن فيه تبيان لكلّ شيء كما وصفه خالقنا ومنزلِه سبحانه، وأحاط بكلِّ شيء لمن رزق التّدبر والاستنباط، فهو حقيق أن يحوي العلم والعمل والنَّجاة، ويكون فيه كلّ الغَنَاء، ونتيجته الهداية للتي هي أقوم، وكيف لا يكون كذلك، وليست الأرض منبته ولا منبعه، بل من السَّماء مطلعه ومهبطه، كما يقول العلّامة المرتبط بالقرآن في كلِّ دراساته ومؤلفاته، الشَّيخ الرّاحل د. محمد بن عبد الله درّاز.

 

أحمد بن عبد المحسن العسَّاف-الرِّياض

مدونة أحمد بن عبد المحسن العسَّاف