تحريم الذهاب إلى أرض الفتنة

منذ 2019-06-06

لا يجوز للمسلم الذهاب للقتال في أرض الفِتَن التي يتقاتل فيها المسلمون، ويتعرَّض فيها لأن يقتل الأبرياء وقد أمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالبعد عن مواطن الفتن حتى لا تصيبه.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أما بعد:


فلا يجوز للمسلم الذهاب للقتال في أرض الفِتَن التي يتقاتل فيها المسلمون، ويتعرَّض فيها لأن يقتل الأبرياء وقد أمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالبعد عن مواطن الفتن حتى لا تصيبه،

قَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ، فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَاتِيهِ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَيَتَّبِعُهُ؛ مِمَّا يَبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ»  (رواه أبو داود (4319))، وصححه الألباني في صحيح الجامع (6301).


وهذا كعب بن مالك رضي الله عنه حسم مادة الفتنة حين عرضت له قال كعب بن مالك في قصة تخلفه عن غزوة تبوك لما جاءته رسالة من ملك غسان يغريه باللحاق به: " فَقُلْتُ لَمَّا قَرَأتُهَا: وَهَذَا أَيْضًا مِنْ الْبَلاءِ؛ فَتَيَمَّمْتُ [قصدتُ] بِهَا التَّنُّورَ، فَسَجَرْتُهُ [أوقدته] بِهَا " رواه البخاري (4418)، ومسلم (2769).
قال ابن حجر: "لَمَّا احْتُمِلَ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مِنَ الِافْتِتَانِ؛ حَسَمَ الْمَادَّةَ، وَأَحْرَقَ الْكِتَابَ، وَمَنَعَ الْجَوَابَ" فتح الباري (8/ 121).
فكيف يذهب المسلم بقدميه إلى موطن الفتن ليُعَرِّض نفسه لها؟

ولا يجوز القتال تحت الرايات العمياء:

القتال في مواطن الفتن إنما هو قتال تحت رايات عمية، فتجد مئات الرايات، وكلهم يدَّعون أنهم يجاهدون في سبيل الله، وليسوا كذلك كما قيل:

                                                    وَكُلُّ يَدَّعِي وَصْلًا بِلَيْلَى     ***    وَلَيْلَى لَا تُقِرُّ لَهُمْ بِذَاكَا

وقال ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: "سَتَجِدُونَ أَقْوَامًا يَدْعُونَكُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ، وَقَدْ نَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ؛ فَعَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّبَدُّعَ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَطُّعَ، وَعَلَيْكُمْ بِالْعَتِيقِ [أي: القديم وهو فهم الصحابة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم]". جامع بيان العلم وفضله (2363)، تذكرة الحفاظ (1/ 17).
فلا يجوز للمسلم أن يذهب إليها؛ حتى لا يشارك في الفتن.
قَالَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَدْعُو عَصَبِيَّةً، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبِيَّةً؛ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ». (رواه مسلم: 1850).


قوله: تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ كنايةٌ عن جماعة مُجتمعين على أمرٍ مجهولٍ لا يُعْرَفُ أنه حقٌّ أو باطلٌ فيدعون الناس إليه، ويقاتلون له، فمن قاتل تعصُّبًا لا لإظهار دين، ولا لإعلاء كلمة الله كان على الباطل، (فقُتِلَ) أي: في تلك الأحوال، فقتلة جاهليَّةٌ " مرقاة المفاتيح (11/ 306) باختصار.
قال إسحاق: قلتُ [يعني للإمام أحمد]: من قتل في عمية؟
قال[للإمام أحمد]: الأمر العمي العصبية لا يستبين ما وجهه.
قال إسحاق: "إنما معنى هذا في تحارج القوم، وقتل بعضهم بعضاً يقول من مات فيها، أو قتل كان هالكاً، إلاّ أن يرحمه الله عزّ وجلَّ ولا يكون فيها قود، ولا دية" مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه (7/3343).
وقال شيخ الإسلام: "هُوَ الَّذِي يُقَاتِلُ لِأَجْلِ الْعَصَبِيَّةِ؛ وَالرِّيَاسَةِ؛ لَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ: مِثْلِ قَيْسٍ وَيُمْنٍ" مجموع الفتاوى (35/13).
 

وقد حذَّر النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كثيرًا من المشاركة في الفتن:

قَالَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  «سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي» [كناية عن درجة المشاركة في الفتنة، فمن شارك في الفتنة أكثر؛ كان إثمه أكبر، فهناك فرق بين المُتسبِّب في الفتنة، والمُباشِر لها]، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ [أَيْ: من تَطَلَّعَ لَهَا بِأَنْ يَتَصَدَّى، وَيَتَعَرَّضَ لَهَا، وَلَا يُعْرِضُ عَنْهَا تُهْلِكْهُ. فتح الباري (13/ 31)]، فَمَنْ وَجَدَ مِنْهَا مَلْجَأً، أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ. رواه البخاري (7081)، ومسلم (2886).


قال ابن حجر: "فِيهِ التَّحْذِيرُ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَالْحَثُّ عَلَى اجْتِنَابِ الدُّخُولِ فِيهَا، وَأَنَّ شَرَّهَا يَكُونُ بِحَسَبِ التَّعَلُّقِ بِهَا". فتح الباري (13/ 31).


فإذا كان الماشي في الفتن أعظم إثمًا من الساعي فكيف بمن يسافر إليها من دولة إلى دولة ليشعل نار الفتنة.
وقد قال النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنِ، إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنُ، وَلَمَنِ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ»  رواه أبو داود (4263)، وصححه الألباني في الصحيحة (975).
 

وأمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ باعتزال مواطن الفتن:

قال النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ » رواه البخاري (19).
وأَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟
فَقَالَ: «رَجُلٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ».
قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟
قَالَ: «مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَعْبُدُ اللَّهَ رَبَّهُ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ» رواه البخاري (2786)، ومسلم (1888).
فيه: أن اعتزال الناس عند ظهور الفتن والهرب عنهم أسلم للدين من مخالطتهم" شرح ابن بطال على صحيح البخاري (10/ 204).
 

والقتال في أرض الفتن يُسْهِم في إشعال نار الفتنة، وليس جهادًا في سبيل الله:

وهذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يُغلق الباب في وجه من يريد إشعال نار الفتنة: فقد أَتَاهُ رَجُلَانِ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَا: إِنَّ النَّاسَ صَنَعُوا، وَأَنْتَ ابْنُ عُمَرَ، وَصَاحِبُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَخْرُجَ؟
فَقَالَ: "يَمْنَعُنِي أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ دَمَ أَخِي".
فَقَالَا: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ؟
فَقَالَ: " قَاتَلْنَا حَتَّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ، وَكَانَ الدِّينُ لِلَّهِ، وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَيَكُونَ الدِّينُ لِغَيْرِ اللَّهِ " رواه البخاري (4515).
 

وأمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بلزوم البيوت في زمن الفتن:

قال عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا النَّجَاةُ؟
قَالَ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ» رواه الترمذي (2406) وصححه الألباني في الصحيحة (888).


وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «طُوبَى لِمَنْ مَلَكَ لِسَانَهُ، وَوَسِعَهُ بَيْتُهُ، وَبَكَى عَلَى خَطِيئَتِهِ» رواه الطبراني في الأوسط (2340) وحسنه الألباني في صحيح الجامع (3929).


وقال رجل لسفيان الثوري: أوصني.
قال: "هذا زمان السكوت، ولزوم البيوت " العزلة والإنفراد لابن أبي الدنيا (94).
عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ ذَكَرَ الْفِتْنَةَ، فَقَالَ: «كَيْفَ بِكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو إِذَا أُبْقِيتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ , قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ , وَاخْتَلَفُوا فَصَارُوا هَكَذَا. وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ».
قَالَ: فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: كَيْفَ أَفْعَلُ عِنْدَ ذَلِكَ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ؟
قَالَ: «الْزَمْ بَيْتَكَ، وَامْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَخُذْ بِمَا تَعْرِفُ، وَدَعْ مَا تُنْكِرُ، وَعَلَيْكَ بِأَمْرِ خَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَامَّةِ» رواه أبو داود (4343)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (570).


وعَنْ أَبِي بُرْدَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ وَفُرْقَةٌ وَاخْتِلاَفٌ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأْتِ بِسَيْفِكَ أُحُدًا، فَاضْرِبْهُ حَتَّى يَنْقَطِعَ، ثُمَّ اجْلِسْ فِي بَيْتِكَ، حَتَّى تَأْتِيَكَ يَدٌ خَاطِئَةٌ، أَوْ مَنِيَّةٌ قَاضِيَةٌ، أَوْ يُعَافِيَكَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ».
فَقَدْ وَقَعَتْ وَفَعَلْتُ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ. رواه أحمد (16029)، وابن ماجة (3962)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (2432).
وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُبَيْقٍ، قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ بَكَّارٍ سَنَةَ سِتٍّ وَمِائَتَيْنِ: أَيْنَ تَسْكُنُ؟
قُلْتُ: بِأَنْطَاكِيَّةَ.
قَالَ: "الْزَمْ بَيْتَكَ، فَإِذَا كَانَتْ لَكَ حَاجَةٌ، فَاقْصِدْ قَضَاءَ حَاجَتِكَ، فَمَا دُمْتَ تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِكَ إِلَى سُوقِكَ لَا يَلْقَاكَ مَنْ يَلْطِمُ عَيْنَكَ فَلَيْسَ لِحَالِكَ بَأْسٌ" حلية الأولياء (9/ 318).
عن طَاوُسٍ، قَالَ: " لَمَّا وَقَعَتْ فِتْنَةُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، قَالَ رَجُلٌ لِأَهْلِهِ: قَيِّدُونِي فَإِنِّي مَجْنُونٌ".
فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ قَالَ: "حُلُّوا عَنِّي الْقَيْدَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِنَ الْجُنُونِ، وَنَجَّانِي مِنْ فِتْنَةِ عُثْمَانَ" الإبانة (762)، الرسالة المغنية (29)، فضيلة الشكر للخرائطي (42).
 
فالحذر الحذر من الذهاب للقتال إلى أرض الفتنة حيث كانت وليحذر الشباب هذا الأمر لاضطراب الأوضاع، والتباس الأحوال، وعدم وضوح الرايات، ومن الوقوع فريسة سهلة لكل من أراد الإفساد.
 
نسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين وأن ينصر دينه وكتابه وسنة نبيه وعباده الصالحين.

محمد صالح المنجد

أحد طلبة العلم والدعاة المتميزين بالسعودية. وهو من تلاميذ العالم الإمام عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه.