التتار من البداية إلى عين جالوت - احتلال التتار لمرو وإبادة أهلها

منذ 2019-07-10

أمر ابن جنكيز خان بعد أن قُتلوا جميعاً أن يقوم التتار بإحصاء القتلى، فكانوا نحواً من سبعمائة ألف قتيل.

عاد جنكيز خان مع مرور الأيام إلى بلخ وأمر أهلها أن يأتوا معه ليعاونوه في فتح مدينة المسلمة، فجاءوا معه لمحاربة أهل مرو، والجميع من المسلمين، ولكن الهزيمة النفسية الرهيبة التي كان يعاني منها أهل بلخ نتيجة الأعمال البشعة التي تمت في مدينة ترمذ المجاورة جعلتهم ينصاعون لأوامر جنكيز خان، حتى وإن كانوا سيقتلون إخوانهم، وبذلك يكون جنكيز خان قد وفّر قواته لمعارك أخرى، وضرب المسلمين بعضهم ببعض.


وهذا نراه في بقاع كثيرة من العالم الإسلامي الآن، فقد استخدم الأمريكان أهل الشمال في أفغانستان -نفس منطقة بلخ- لحرب المسلمين في كابل سنة 2002م، واستخدموا أيضاً أكراد الشمال العراقي في حرب بقية العراق، وهذا كما استخدم التتار أكراد الشمال العراقي في حرب بغداد.


فهناك تطابق غريب في الأحداث، وهذه سنة من سنن رب العالمين سبحانه وتعالى، والتاريخ يتكرر بحذافيره، ولذلك نقص القصص للعبرة.
أتى الجيش المسلم من بلخ مع الجيش التتري لفتح مرو، وكانت مرو مدينة كبيرة جداً في ذلك الوقت، وهي تقع الآن في دولة تركمانستان المسلمة على بعد حوالي 250 كيلو متر شرق مدينة بلخ الأفغانية، وكان على رأس جيش التتار بعض أولاد جنكيز خان،

ولم تذكر الروايات عدد جيش التتار، ولكنه كان جيشاً هائلاً يقدر بمئات الألوف، غير من معه من المسلمين الذين أتوا معه من بلخ، وعلى أبواب مرو وجد التتار أن المسلمين في مرو قد جمعوا لهم خارج المدينة جيشاً يزيد على مائتي ألف رجل مسلم، وكان جيشاً كبيراً جداً بقياسات ذلك الزمن، وكانت موقعة رهيبة بين الطرفين على أبواب مرو،

وحدثت المأساة العظيمة، ودارت الدائرة على المسلمين، وانطلق التتار يذبحون في الجيش المسلم حتى قتلوا معظمهم وأسروا الباقين، ولم يسلم إلا أقل القليل، ونهبت الأموال والأسلحة والدواب من الجيش، وقد علق ابن الأثير في أسى وإحباط شديدين على هذه الموقعة بقوله: فلما وصل التتر إليهم التقوا واقتتلوا، فصبر المسلمون ولكن التتار لا يعرفون الهزيمة.


وتخيل جنداً يقاتلون عدواً يعتقدون أنه لا يهزم! كيف تكون نفسياتهم ومعنوياتهم؟ في الحضيض، فوقعت الهزيمة المرة بالجيش المسلم، وفتح الطريق إلى مدينة مرو ذات الأسوار العظيمة، وكان سكانها أكثر من سبعمائة ألف مسلم من الرجال والنساء والأطفال،

ولما حاصر التتار المدينة الكبيرة دب الرعب في قلوب أهلها بعد أن فني جيشهم أمام أعينهم، فلم يفتحوا الأبواب للتتار مدة أربعة أيام، ثم في اليوم الخامس أرسل قائد التتار رسالة إلى حاكم مدينة مرو يقول فيها: لا تهلك نفسك وأهل البلد، واخرج إلينا نجعلك أمير هذه البلدة ونرحل عنك، فصدّق أمير البلاد ما قاله زعيم التتار، أو أوهم نفسه بالتصديق وخرج إليه فاستقبله قائد التتار استقبالاً حافلاً واحترمه وقربه، ثم قال له في خبث: أخرج إلينا أصحابك ومقربيك ورؤساء القوم حتى ننظر من يصلح لخدمتنا فنعطيه العطايا ونقطع له الاقطاعات ويكون معنا،

فأرسل الأمير المخدوع إلى معاونيه وكبار وزرائه وجنده لحضور الاجتماع الهام مع ابن جنكيز خان شخصياً، وخرج الوفد الكبير إلى التتار، ولما تمكن منهم التتار قبضوا عليهم جميعاً وقيدوهم بالحبال، ثم طلبوا منهم أن يكتبوا قائمتين طويلتين، الأولى بأسماء كبار التجار وأصحاب الأموال في المدينة، والثانية بأصحاب الحرف والصناع المهرة، ثم أمر ابن جنكيز خان بأن يخرج أهل البلد أجمعين خارج البلد، فخرجوا جميعاً من البلد حتى لم يبق فيها أحد، ثم جاءوا بكرسي من الذهب جلس عليه ابن جنكيز خان ثم بدأ يصدر الأوامر:

الأمر الأول: أن يأتوا بأمير البلاد وبكبار القادة والرؤساء فيُقتلون جميعاً أمام عامة أهل البلد، فقتلوا جميعاً.
الأمر الثاني: إخراج أصحاب الحرف والصُنّاع المهرة وإرسالهم إلى منغوليا للاستفادة من خبراتهم الصناعية هناك.
الأمر الثالث: إخراج أصحاب الأموال وتعذيبهم حتى يخبروا عن كل أموالهم، ففعلوا ذلك، ومنهم من كان يموت من شدة الضرب ولا يجد ما يكفي لافتداء نفسه.
الأمر الرابع: دخول المدينة وتفتيش البيوت بحثاً عن المال والمتاع والذهب والفضة، حتى إنهم نبشوا قبر السلطان سنجر -وهو من سلاطين خوارزم القدماء- بحثاً عن الأموال والذهب، واستمر هذا البحث ثلاثة أيام.
الأمر الخامس: أن يُقتل أهل البلد أجمعون، فبدأ التتار يقتلون كل سكان مرو من الرجال والنساء والأطفال، وقالوا: إن المدينة عصت علينا وقاومت، ومن قاوم فهذا مصيره.


يقول ابن الأثير رحمه الله: وأمر ابن جنكيز خان بعد أن قُتلوا جميعاً أن يقوم التتار بإحصاء القتلى، فكانوا نحواً من سبعمائة ألف قتيل.
فإنا لله وإنا إليه راجعون.
قتل من مرو سبعمائة ألف مسلم ومسلمة، وهذا ما لا يتخيل، وحقاً إنه لم تمر على البشرية منذ خلق آدم ما يشبه هذه الأفعال مطلقاً من قريب ولا بعيد، ولا حول ولا قوة إلا بالله

راغب السرجاني

أستاذ جراحة المسالك البولية بكلية طب القصر العيني بمصر.

المقال السابق
تقليد هولاكو إمارة حلب للأشرف الأيوبي
المقال التالي
اجتياح التتار لإقليم خوارزم