قصة فيها عبرة

منذ 2019-07-03

فأجابه: ليس لي إلا أملٌ واحد، وهو أن أُغمض عيني ثم أفتحها، فلا أرى غطاءً على وجه أي امرأة في بلدي، وإني أُريدُ أن أكون أول مَن يبدأ بهذا الأمر في بلدي، فعرضتُ هذا الأمر على زوجتي

بسم الله الرحمن الرحيم

فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد:

فقد قال الله جل وجلاله: ﴿  {فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}  ﴾ [الأعراف: 176]، ففي قصِّ القصص فوائد وعبر لأصحاب العقول، وأولي النهى؛ قال عز وجل: ﴿ { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ}  ﴾ [يوسف: 111]، فمن فوائد القصص ترسيخُ العِظة والعبرة في النفس، فتتأسَّى بالنماذج الحسنة، وتَحذَر من النماذج السيئة، وتَجتنب سلوكها وطريقَها.

قصتنا حدَثت فصولها قبل ما يقارب مائة سنة، ومرور هذه المدة لا يغير من نتائجها شيئًا، بل إن مرور هذه المدة الزمنية، وما ظهَر في المجتمع المسلم من وسائل إغواءٍ وفتنة متنوعة متعددة، يزيد القناعة بنتائجها، وإنه ينبغي على الجميع الاستيقاظ مِن رَقدتهم، والانتباه مِن غَفلتهم.

كاتب هذه القصة هو الأديب الشهير "مصطفى لطفي المفلوطي" المتوفى عام 1343هجرية، رحمه الله، قال عنه الشيخ علي بن حسن بن علي عبدالحميد: له مؤلفات عدة، يغلبُ عليها الالتزام، وفيها رُوح دينية ظاهرة.

القصة سأذكرها مختصرة، مع تصرُّف يسير، لا يغيِّر من حقائقها شيئًا، أسأل الله أن ينفعَ الجميع بها.

 

 

ــــ(3)

القصة لرجل ذهب للدراسة في بلاد الغرب، ولبث فيها بضع سنين.

ذهب وما يُنكر أهله من أمره شيئًا، وعاد وما بقِي مما كانوا يعرفون منه شيءٌ.

ذهب وما على وجه الأرض أحبَّ إليه من دينه، وعاد ودينه أصغرُ شيء في عينيه.

دخل صاحب له عليه يومًا، فوجده مكتئبًا، فسأله عن سبب اكتئابه؟

فأجابه: إن السبب زوجته، هذه الصخرة العاتية القائمة في طريق مطالبه وأماليه.

فسأله صاحبه: وما هي آمالك؟

فأجابه: ليس لي إلا أملٌ واحد، وهو أن أُغمض عيني ثم أفتحها، فلا أرى غطاءً على وجه أي امرأة في بلدي، وإني أُريدُ أن أكون أول مَن يبدأ بهذا الأمر في بلدي، فعرضتُ هذا الأمر على زوجتي، فأكبرته وأعظمتُه، وخُيِّل إليها أنني جئتها بنَكبة من نكبات الدهر، أو رزيئةٍ من رزاياه، وزعمتْ أنها إن برزتْ إلى الرجال مكشوفة الوجه، فإنها لن تستطيع أن تبرز إلى النساء بعد ذلك حياءً منهن وخجلًا، ولذا فإني فسوف أُعالج هذا الرأس القاسي المتحجر علاجًا ينتهي إما بكسره أو شفائه!

فحزن صاحبه واغتمَّ لِما سمِعه منه، وقال له: أتعلم خطورة ما تقول؟

فقال له: وما خطورة ذلك؟

قال له صاحبه: إني أخاف على عرضك أن يلمَّ به من الرجال ما يَهتكه.

فقال له: إن المرأة الشريفة تستطيع أن تعيش بين الرجال في حصن حصين لا تمتد إليه الأعناق.

فقال له صاحبه بحرقة وآلم: تلك الخدعة التي يخدعُكُم بها الشيطان، فالرجل إذا خلا بالمرأة الأجنبية عنه، فالشيطان ثالثهما، والفاحشة قريبة منهما.

 

ــــ(4)

ثم قال صاحبه: ما هذا الولع بقضية المرأة وأمر حجابها وسفورها وحريتها وأسرها؟

كأنما قد قمتُم بكل حقٍّ واجب للأمة عليكم في أنفسكم، فلم يبقَ إلا الحديث عن حرية المرأة، دعوا هذا الباب مُوصدًا، فإنكم إن فتحتموه فتحتُم على أنفسكم ويلًا عظيمًا، وشقاءً طويلًا

 ما شكت المرأة إليكم ظلمًا، ولا تقدَّمت إليكم طالبة أن تحلُّوا قيدها، وتُطلقوها من أسرها، فما دخولكم بينها وبين نفسها؟

إنها لا تشكو إلا فُضولكم وإسفافَكم بها.

إنكم لا ترثون لها، بل ترثون لأنفسكم، وتودون أن ترونها سافرةً متبرجة تستمتعون بها، كما قيل لأحدكم: لِم لم تتزوج؟ فأجاب: نساء الأُمة جميعًا نسائي!

لقد عاشت المرأة حِقبة من دهرها هادئة مُطمئنةً في بيتها، راضية عن نفسها وعن عيشها، ترى السعادة كل السعادة في واجب تُؤديه لنفسها، أو وقفة تقفها بين يدي ربها، أو عطفةٍ تعطفها على ولدها، وترى الكرامة والسعادة في خضوعها لأبيها، وائتمارها بأمر زوجها، ونزولها عند رضاهما.

كانت تفهَم معنى الحب، وتجهل معنى الغرام، فتُحب زوجها لأنه زوجها، كما تُحبُّ ولدها لأنه ولدها.

إذا رأى غيرها أن الحبَّ أساسُ الزواج، رأت هي أن الزواج أساسُ الحُبِّ.

لكنكم خدَعتموها فقلتُم لها: اختاري زوجَك بنفسك، فالحب أساس الزواج، فما زالت تُقلب عينيها في وجوه الرجال مُصعدة مُصوبةً حتى شغلها الحبُّ عن الزواج، وإذا تزوجت لم يزد عمرُ سعادتها على يوم وليلة، ثم الشقاء الطويل بعد ذلك، والعذاب الأليم!

ــــ(5)

ذلك بكاؤكم على المرأة أيها الراحمون، وهذا رثاؤكم لها، وعطفكم عليها.

إنَّا نطلب منكم أن تتركوا البقية الباقية من نساء الأمة مُطمئنات في بيوتهن، ولا تُزعجوهنَّ بأحلامكم وآمالكم كما أزعجتم مَن قبلهنَّ.

فكل جرح من جروح الأمة له دواء إلا جرح الشرف، فلا دواء له.

فما زاد صاحب القصة على أن ابتسمَ في وجه صاحبه ابتسامة الهزء والسخرية، وقال: تلك حماقات ما جئنا إلا لمعالجتها، فلنصطبر عليها حتى يقضي الله بيننا وبينها

عند ذاك قال صاحبه: ائذن لي أن أقول لك: إني لا أستطيع أن أَزورك بعد اليوم، ثم انصرَف عنه، وتركه، وبعد أيام سمع من الناس أنه هتَك الستر في بيته، وأنه أصبح مغشيًّا مِن قِبَل الأصدقاء والخِلان، فذرفتْ عيناه دمعةً، لا يعرف هل هي دمعة الغيرة على عرض صاحبه أو الحزن على صاحبه القديم؟!

ومرت ثلاث سنوات على تلك الحادثة، وفي ليلة من الليالي عندما كان صاحبه عائدًا إلى منزله، وإذ به يشاهده يمشي مشية المضطرب الحائر، وبجانبه جندي من الشرطة، فاهتمَّ بأمره ودنا منه، وسأله: ما شأنك؟

قال: لا علم لي بشيء سوى أن هذا الجندي قد طرق الساعة بابي يدعوني إلى مخفر الشرطة ولا أعلم لهذه الدعوة سببًا وما أنا بالرجل المذنب ولا المريب، فهل يمكن يا صديقي القديم أن تذهب معي لمركز الشرطة، فقد يعرض لي ما قد أكون بحاجة لك

فقال له صاحبة: لا أَحبَّ إليَّ من ذلك.

ومشي معه لا يحدثه برهة، ثم قال له: ألم تستطع أن تتذكر لهذه الدعوة سببًا؟

فقال: إن أخوف ما أخاف أن يكون قد حدث لزوجتي الليلة حادث، فقد رابني من أمرها أنها لم تعد إلى منزلها حتى الساعة.

ــــ(6)

قال له صاحبه: ألا تعلم المكان الذي ذهبت إليه؟ قال: لا.

كانا قد وصلا لمركز الشرطة، فدخلا، فقال له مأمور القسم:

يسوؤني أن أقول لك: إن رجال الشرطة قد عثروا الليلة في مكان من أمكنة الريبة على رجل وامرأة في حال غير صالحةٍ، فاقتادوهما إلى المركز، فزعمت المرأة أن لها بك صلةً، فدعوناك لتكشف لنا الحقيقة في أمرها، وأمر صاحبها، وهاهما وراءك فانظرهما.

وكان الجندي قد جاء بهما، فنظر فإذا المرأة زوجته وإذا الرجل أحدُ أصدقائه، فصرخ صرخة رجَفت لها جوانب المخفر، وملأت نوافذه وأبوابه عُيونًا وآذانًا، ثم سقط في مكانه مغشيًّا عليه.

فحُمِل إلى منزله، وأُحضِر له طبيبٌ، فقرر أنه مُصاب بحُمى دماغية شديدة، ولبث صاحبه معه حتى إذا دنا الصباح فتح عينيه، فقال له صاحبة: هل لك من حاجة؟

فأجاب بصوت خافت ضعيف وعيناه مُبتلتان بالدموع: أتعلم أين زوجتي الآن؟

فقال صاحبه: إنها في بيت أبيها.

فقال: وارحمتاه لها، ولأبيها، ولجميع قومها، فلقد كانوا قبل أن يتَّصلوا بي شرفاءَ أماجدَ، فألبستْهم مُذ عرفوني ثوبًا من العار لا تبلوه الأيام.

مَن لي بِمَن يُبلغهُم عني جميعًا أنني رجل مريض قد اقترب أجلي، وأنني أخشى الله إن لقيتُه بدمائهم، وأنني أضرَع إليهم أن يَصفحوا عني، قبل أن يسبق إلي أجلي.

لقد كنت أقسمتُ لأبيها يوم تزوجتُها أن أصونَ عِرضها صيانتي لحياتي، وأن أمنعها مما أمنع منه نفسي، فحنثتُ في يمني، فهل يغفر لي ذنبي، فيغفر لي الله بغفرانه؟

 

ــــ(7)

إنها قتلتني، ولكني أنا الذي وضعتُ في يدها الخنجر الذي أغمدتُه في صدري، فلا يسألها أحد عن ذنبي!

البيت بيتي، والزوجة زوجتي، والصديق صديقي، وأنا الذي فتحت باب بيتي لصديقي إلى زوجتي، فلم يذنب إليَّ أحدٌ سواي.

ثم أمسك عن الكلام برهة، ثم قال: آهٍ ما أشدَّ الظلام كان أمام عيني، كنتُ أراهما في هذه الغرفة، على هذا المقعد، تحت هذا السقف، يتحدثان، فتمتلئ نفسي غِبطةً وسرورًا أن رُزقتُ صديقًا وفيًّا، يُؤنس زوجتي في وَحدتها، وزوجة سمحةً كريمة تُكرمُ صديقي في غَيبتي، فقولوا للناس جميعًا:

إن ذلك الرجل الذي كان يفخرُ بالأمس بذكائه وفِطنته، ويزعُم أنه أكيسُ الناس وأحزمهم، قد أصبح يعترفُ اليوم أنه أبلهُ إلى الغاية من البلاهة، وغبيٌّ إلى الغاية التي لا غاية وراءها.

ثم أغمض عينيه وعاد إلى ذهوله واستغراقه.

وهُنا دخلت الحجرة مرضعُ ولده، تحملُهُ على يدها، حتى دنتْ به من فراشه، فتركتهُ وانصرفت.

فما زال الطفلُ يدبُّ على يديه حتى علا صدر أبيه، فأحسَّ به ففتح عينيه، فرآه، فابتسم لمرآه، وضمهُ إليه ضمَّة الرِّفق والحنان، وأدنى فمهُ من وجهه كأنما يُريدُ أن يُقبلهُ، ثم انتفض فجأةً، ودفَعه عنه بيده دفعًا شديدًا، فانكفأ على وجهه يبكي ويصيحُ، وقال: أبعدوه عني لا أعرفه، ليس لي أولاد ولا نساء، سلوا أمَّه عن أبيه: أين مكانه؟

واذهبوا به إليه، لا ألبسُ العار في حياتي وأتركُهُ أثرًا خالدًا ورائي بعد مماتي.

ــــ(8)

وكانت المرضعُ قد سمعت صياح الطفل فعادت إليه وحملته وذهبتْ به.

فسمع صوته وهو يبتعد عنه شيئًا فشيئًا، فأنصتَ إليه واستعبر باكيًا وصاح: أرجعوه إليَّ فعادت به المرضع، فتناوله من يدها، وأنشأَ يُقلبُ نظرهُ في وجهه، ويقول:

يا بُنيَّ، ما خلَّف لك أَبوكُ من اليتم، وما خلفتْ لك أُمُّك من العار، فاغفر لهما ذنبهما إليك، فلقد سقطت أُمك، وكان أبوك حسنَ النية في جريمته التي اجترَمها، فأساء من حيثُ أراد الإحسانَ!

سواء أكنت ولدي أو ولدَ الجريمة، فإني قد سعدتُ بك بُرهة من الدهر، فلا أنسى يدك عني حيًّا أو ميتًا!

ثم احتضنَه إليه وقبَّله في جبينه قُبلة لا يُعلمُ: هل هي قُبلةُ الأب الرحيم، أو الرجل الكريم!

وكان قد بلغ منه الجهد، فعاودته الحُمَّى، وغلت نارُها في رأسه، وما زال يثقل شيئًا فشيئًا، ثم بدأ ينزعُ نزعًا شديدًا، ويئن أنينًا مُؤلِمًا، فلم تبقَ عينٌ من العيون المحيطة به إلا بكت وسالتْ مدامعها.

وفجأة دخلتْ امرأة الحجرة، وتقدَّمت نحوه ببُطء حتى جلستْ بجانبه، ثم أكبَّت على يده الممتدة فوق صدره فقبَّلتها، وأخذت تقول له:

لا تخرج من الدنيا وأنت مرتاب في ولدك، فإن أُمَّهُ تعترفُ بين يديك وأنت ذاهبٌ إلى ربك أنها وإن كانت دنَت من الجريمة، فإنها لم ترتكبها فاعفُ عني يا والد ولدي، واسأل الله أن يلحقني بك، فلا خيرَ لي في الحياة من بعدك، ثم انفجرت باكيةً، ففتح عينيه، وألقى على وجهها نظرةً باسمة كانتْ هي آخر عهده بالحياة، ثم مات.

ــــ(9)

قال كاتب القصة الأديب مصطفى المنفلوطي رحمه الله: عدتُ من المقبرة بعد ما دفنتُ صديقي بيدي، وأَودعتُ حُفرةَ القبر ذلك الشابَ الناضر، والروض الزاهر، وجلستُ لكتابة هذه السطور، وأنا لا أَملِكُ مدامعي وزفراتي!

قال مُختصر القصة:

هذه قصة واقعية فيها عبرة وعظة، قال الله عز وجل: ﴿ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ [الحشر: 2]، فهذه القصة يستفيد منها العقلاء الذين يتفكرون فيها، فإذا تفكروا تجنَّبوا زلات صاحبها وأخطائه؛ لئلا يكونوا مثله، ويصيروا لحاله، أسأل الله الكريم السلامة والعافية لي ولجميع المسلمين، ومما يستفاد من هذه القصة:

الامتثال لأمر الله ورسوله فيما يخصُّ المرأة، ففي ذلك نجاةٌ وسلامة من كل مكروهٍ:

الإسلام يعني الاستلام لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بالطاعة والانقياد، وذلك بفعل المأمور وترك المحظور؛ قال سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ [النساء: 59]، فتجب طاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإن خالفتْ هوى العبد، هذه هي الطاعة الحقيقية، وهذا هو الإيمان التام؛ قال الله عز وجل: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65]، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: يُقسِم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور، فما حكَم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنًا وظاهرًا.

فالمؤمن يُسلم لحكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم مِن غير مدافعة ولا منازعة، ولو أن صاحب القصة سلَّم لأمر الله عز وجل وأمر رسوله صلى الله عليه

ــــ(10)

وسلم فيما خصَّ المرأة من تعاليم وأحكام وآداب، لسَلِمَ مما حدث له، فالمرأة تتمتع في ظل تعاليم الإسلام بحقوق كاملة، ومكانة سامية؛ لأن تلك التعاليم تعاليمُ ربانية تتميز بالثبات والشمول والديمومة، غير قابلة للأخذ والرد، والمناقشة والاستفتاء، ويا ليتَه عَلِمَ أن المرأة قد كُرِّمت في دين الإسلام تكريمًا لن تجده له مثيلًا، لا في قوانين بشرية ولا معاهدات دولية ولا مؤتمرات عالمية ولا في غيرها، مما يضعه البشر

بُعد النساء عن الرجال وعدم الاختلاط والخلوة بهم:

المرأة أعظم فتنة للرجل، فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه: ((ما تركتُ بعدي فتنةً أضرَّ على الرجال من النساء))، ولهذا جاء الإسلام بتشريعات تحمي الرجل وتحمى المرأة من فتنة كل واحد منهما بالآخر، فقد حذَّرت نصوص الشرع مِن خلوة المرأة بالرجل الأجنبي عنها، فلا خلوة إلا بوجود محرم، فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يخلونَّ أحدُكم بامرأة إلا مع ذي محرم)).

وقد جاءت النصوص تُنبه وتحذِّر أن الرجل إذا خلا بامرأة أجنبية عنه، فإن الشيطان ثالثهما، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا لا يخلونَّ رجُل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما))، قال أهل العلم: إلا كان الشيطان ثالثهما، بالوسوسة وتهيج الشهوة، ورفع الحياء، وتسويل المعصية، حتى يجمع بينهما الجماع، أو فيما دونه من مقدماته التي تُوشك أن تُوقع فيه، والنهي للتحريم.

كما جاءت النصوص بالتحذير من خلوة المرأة بأجنبي، ولو كان هذا الرجل الأجنبي من أقارب الزوج، بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم سماه الموت، ــــ(11)

فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إيَّاكم والدخول على النساء))، فقال رجل: أفرأيتَ الحموَ، فقال صلى الله عليه وسلم: ((الحمو الموت))، قال أهل العلم: الحمو: أقارب الزوج كأخيه وعمه وخاله، وما أشبه ذلك، وقوله صلى الله عليه وسلم: (الحمو الموت) معناها المبالغة في التحذير؛ أي: كما تحذر من الموت، فاحذَر من الحمو، والموت الإنسان لا يحذَر منه فقط، بل يفرُّ منه.. فكأنه صلى الله عليه وسلم بالَغ في التحذير من الحمو.

وإذا حدث الاختلاط بين الرجال والنساء، وحدثت الخلوة بين الرجل بالمرأة، فوقوع الفاحشة بينهما ليس بمستبعد غريب، بل قد يقال: إن عدم وقوعها هو المستبعد الغريب، فامرأة العزيز لما انفردتْ بيوسف عليه السلام، جرى منها ما جرى حتى راودته تلك المراودة، فالشيطان هو ثالث للرجل والمرأة في الخلوة، وقد يُغري الرجلَ بالمرأة، وقد يغري المرأة بالرجلِ.

والشاب الذي عمل أجيرًا عند رجل متزوج، لما تمت الخلوة بينه وبين زوجة مَن يعمل لديه، زنى بها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام رجل فقال: يا رسول الله، اقضِ لي بكتاب الله، فقام خَصمه، فقال: صدَق يا رسول الله، اقضِ له بكتاب الله، وائذن لي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((قل))، فقال: إن ابني كان عسيفًا على هذا - والعسيف الأجير - فزنى بامرأته.

لقد وثق صاحب القصة بصديقه، وجعله يخلو مع زوجته، فكانت النهاية: الفاجعة الأليمة، فينبغي الحذر وعدم التساهل باختلاط النساء مع الرجال، فالاختلاط البوابة للخلوة، والخلوة تعني حضور الشيطان، والتهيج لفعل الفاحشة.

وعدم اختلاط النساء بالرجال ليس بأمر صعبٍ، كما يصوِّره الشيطانُ وأعوانه من ــــ(12)  

شياطين الإنس، فهذه امرأة ألمانية أسلَمت، ذكرها مؤلف كتاب "نساء عرفنَ الله"؛ الأستاذ مجدي السيد، تقول: تعلمتُ أن أرضَى بالوضع الذي يجلس فيه زوجي مع إخوانه -وقد أسلَمَ قبلها - يتجاذب وإياهم أطراف الحديث، في الوقت الذي أُعدُّ لهم الشاي، وأقدِّمه عند الباب، دون أن أعرف الأشخاص الذين أعددتُ لهم ذلك.

ستر المرأة لوجهها ومفاتنها عن الرجال الأجانب:

الحجاب وهو تغطية المسلمة لوجهها عن الرجال الأجانب عنها، قال سماحة المفتي العام للمملكة العربية السعودية العلامة عبدالعزيز بن باز رحمه الله: تغطية المرأة لوجهها ومفاتنها أمرٌ واجب دلَّ على وجوبه الكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح.... وقد أجمع علماء السلف على وجوب ستر المرأة المسلمة لوجهها، وأنه عورة يجبُ عليها ستره إلا من محرم.

صاحب القصة طلب من زوجته أن تكشِف وجهها, وأن تكون أول امرأة في بلده تكشف عن وجهها, فأين هو من قصة ذكرها أهل السير والتراجم في كتبهم, لامرأة ادَّعى وليُّها على زوجها أنه لم يدفع مهرَها, فأنكر الزوج وجاء بالشهود على ذلك، فلمَّا طلب القاضي من زوجته أن تكشف وجهها ليشير إليها الشهود رفض الزوج ذلك وأقرَّ بالمهر لها فلما رأت غيرته عليها تنازلت عن دعواها.

يا ليت صاحب القصة علِم أن المسلم لا يحجب امرأته عن الرجال الأجانب أسرًا لها، ولا عدم ثقة بها، لكن أَنَفَةً عليها، وحمايةً لها من كثير من الرجال التي أثبت الحوادث والوقائع الكثيرة أنهم - كما وصفهم أحدهم - لا تنجو مِن حِيَلهم الشيطانية الأسودُ في آجامها، ولا الثعابين في أوكارها، ولا العقبان في شواهقها! فكيف بالمرأة الضعيفة السافرة عن وجهها؟

ــــ(13)

يا ليت صاحب القصة علِم أن زوجته عندما لم تمتثل في البداية لأمره، ولم تكشف عن وجهها للرجال الأجانب عنها، أرادت أن تقول له: إنها إذا كانت محجبة، فإنها عزيزة الجانب، منيعة الحوزة، فيكون يأس الرجال منها تامًّا، قالت امرأة روسية لزوجها بعد أن أسلمت ورأتْ في أحد الأيام في السوق امرأة تغطي وجهها، وكانت أول مرة ترى امرأة متحجبة، لماذا هذه المرأة بهذا الشكل؟

فأجابها زوجها: المرأة تحتجب هذا الحجاب؛ لأنه الحجاب الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى لعباده، والذي أمر به رسوله صلى الله عليه وسلم.

فقالت له: نعم هذا هو الحجاب الإسلامي.

فقال لها زوجها: وما أدراكِ؟

فأجابت: أنا إذا دخلت أي محل تجاري، لا تنزل أعين أصحاب المحل عن وجهي، تكاد تلتهمُ وجهي قطعة قطعةً! إذًا وجهي هذا لا بد أن يغطَّى، لا بد أن يكون لزوجي فقط، فلن أخرج من هذه السوق إلا بمثل هذا الحجاب، ثم ابتاعتْه وارتدَتْه.

عدم طاعة الزوجة لزوجها في معصية الله:

زوجة صاحب القصة لها دورٌ في هذه النهاية الأليمة، فالبداية كانت منها؛ لأنها أطاعت زوجها في معصية الله، والطاعة إنما تكون في المعروف؛ قال عليه الصلاة والسلام: ((إنما الطاعة في المعروف))، وقال: ((لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصية الخالق)).

صحيح أن الرجل يؤثر في المرأة أكثر مما تؤثِّر المرأة في الرجل، ولذا مُنعت المسلمة من الزواج بكافر؛ لأن الرجل له سُلطة على المرأة، لكن لا يعني هذا أن تستجيب الزوجة لطلبات الزوج التي فيها معصية لله تعالى ولرسوله؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن أحدُكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين)).

ــــ(14)

ويدخل في الناس الزوج، فمحبة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وطاعتهما - مقدمةٌ على محبة الزوج وطاعته.

 وقد بوَّب الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الصحيح في " كتاب النكاح" باب: (لا تُطيع المرأة زوجها في معصية)، وأورد حديث أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما أن امرأة من الأنصار زوَّجت ابنتها، فتمعَّط شعر رأسها - أي: سقط - فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، وقالت: إن زوجها أمرني أن أصِل في شعرها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا، إنه قد لُعن الموصلات))، قال أهل العلم: في هذا دليل على أن الرجل إذا أمر زوجته بمعصية، فإنه لا يحلَّ لها أن تطيعه.

اختيار الزوجة لزوجها يكون على أساس دينه وخلقه:

ينبغي للمرأة إذا تقدم لها رجلٌ لخطبتها أن يكون الدين والخُلق مِعيارَيْن للقَبول والرد؛ قال الرسول علية الصلاة والسلام: ((إذا أتاكم مَن ترضون خُلقه ودينه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض وفساد عريض)).

ولتعلم أنها إذا أخذتْ بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسوف تسعَد في حياتها الزوجية.

ولتحذَر المرأة من الزواج برجلٍ غير صالح بدعوى أنها ستدعوه إلى الله، فقد لا يحصل لها ذلك، وربما أثَّر فيها فسلَكت مسالكه، ومشَت معه في دُروبه، وزوجة صاحب القصة - عفا الله عنا وعنها - كانت صالحة مستقيمة، بدليل أنه رفضت في البداية السفور وكشفَ الوجه للأجانب، فضلًا عن الاختلاط والخلوة بهم، وأكبرتْ وأعظمت ذلك، لكنها ضعُفت بعد ذلك.

ــــ(15)

 تقنين الدراسة في الخارج وتهيئة الطلاب لذلك:

لقد ذهب صاحب القصة للدراسة في بلاد غير إسلامية، فترتَّب على بقائه عندهم فترة من الزمن، خللٌ في نظرته لأحكام دينه وتعاليمه، فلم يعد ينظر إليها بتسليم وإذعانٍ، وطاعة واستسلام، ويوجد أعداد من أبناء المسلمين ذهبوا إلى تلك الديار، فعادوا بدين غير الدين الذي ذهبوا به، فذَهابُ أبناء المسلمين للدراسة في بلاد غير إسلامية، مع عدم وجود حصانة لديهم ضد الشُّبهات والشهوات، تجعل بعضهم يَفتتن في دينه، وللوقاية من أخطار الدراسة في الخارج ينبغي أن يكون هناك اختيارٌ لمن يذهب، فيختار مَن كان صُلب الدين، قويَّ الإرادة، متقدمَ السن، محصنًا من التأثر، مع متابعته هناك، فيُذكَّرُ إن غفل، ويُعان إذا ذكَر، مع توجيهه وإرشاده قبل ذهابه لما يمكن أن يواجهَ مِن شُبهات وشهوات، وكيف يُقاومها ويتغلَّب عليها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لَمَّا بعث معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن داعيًا إلى الله، قال له: إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب....الحديث، قال أهل العلم رحمهم الله: قوله علية الصلاة والسلام: (إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب)، فيه توطين وتوطئةٌ للنفس بأن يُهيئ نفسه لمناظرتهم.

فلو هيَّأ المسلمون أبناءَهم - ممن يكون هناك حاجة ماسَّة لذهابهم للدراسة في تلك البلاد - لو فعلوا ذلك، لسلِم كثير من الأبناء من أخطار الدراسة في الخارج، ولأصبح هؤلاء الأبناء مؤثِّرين في غيرهم، غير مُتأثِّرين بغيرهم.

اللهم يا رحمن يا رحيم، احفَظ أعراضنا وأعراض جميع المسلمين، اللهم احفَظ أبناء المسلمين الذين يدرسون في تلك البلاد من الشُّبهات والشهوات، اللهم وفِّق نساءنا ونساء المسلمين للتجمل بالحياء والتزيُّن بالحجاب، والبُعد عن مخالطة الرجال.

ــــ(16)