حديث المنزل والفؤاد...!

منذ 2019-07-07

وللمنزل حديثٌ وللقلب أسرار وأحاديث، وللديار مشاعر وأشجان... والدار لو كلمتنا ذاتُ أخبار....! وهو ما سيبثه هنا تخليدا لذكريات، واتعاظا بمواقف، واحتفاءً بأسرار لشخص غال على النفوس


• في هدأةٍ من الليل وسَحَره الساكن بظلامه الدامس، يلجلج صوت يترامى في الجدران ليوقظ من في البيت لسحور رمضان - هيا السحور .. قوموا،.. هداكم الله - فيسمعه الطفل ذو الست السنوات، فيعرف أباه، ويستطعم نداه، فيقوم على ثِقل لتناول طُعيّم ميسور ،غير مبالغ ولا متكلّف، في بيت شعبي مستأجر، وبلا أضواء ولا مصابيح، إلا مصابيح معتقة قديمة، يطوف بها من يريدها لحاجته ...! وذاك شكل من حديث المنزل والقلب في ذكرياته الذاهبة في عقود غابرة، وسنين خالية....!

• وللمنزل حديثٌ وللقلب أسرار وأحاديث، وللديار مشاعر وأشجان... والدار لو كلمتنا ذاتُ أخبار....! وهو ما سيبثه هنا تخليدا لذكريات، واتعاظا بمواقف، واحتفاءً بأسرار لشخص غال على النفوس، ومن يتحدث عن حميم قريب كوالده أو أخ عزيز، لا يستطيع ضبط مشاعره، ولكنه سيحرص على ما سجلته الذاكرة والسماع من أصدقائه وأحبابه بلا مبالغة.....

• والحمد لله أنه مات وقضى نحبه، ودوداً خَلوقا، سليم الصدر، بلا مشاكل أو خصومات..! كل يدعو له، ويثني، ويبارك... وكم انطلقتُ لقرى ومَحال للمشاركة الدعوية، فيستقبلني أكابرها حبا للوالد، وتقديرا لمحاسنه في مستشفى محايل وعلاقاته، وسموه الأخلاقي تجاههم....!

• وأذكر أن أحدهم أول ما استقرّينا في حي الضرس سنة ١٤١٥هـ، قال لي، يا حمزة: عرفتك الآن، وأعرف والدك منذ ١٤٠٤، ...! والسبب كان معنا مريض، ولَم نُخدم، وأشار آخرون بالذهاب إلى فايع الفتحي،،، فقضى حاجتنا ويسر لنا سريرا، ولَم ننس موقفه، فهو سمح ميسور مع الخلائق ....! وكثيرون من أهل القرى عرفوه بتسهيل قضاياهم في المستشفى .

• وفِي مناطق ساعدهم في حفر آبار لهم، وكانوا مُمحلين من الماء، قبل نحو أربعين سنة، والحياة صعبة، والمعيشة مكدرة...!

• وفِي وجه السموح لنا سماحٌ/ وبسْمات تطل ولا جُناحُ..! 

• هبت عليه نسمات الخير المتدفق، والنابض بفضل السفر وأهميته، وأنه مفتاح للعلم والرزق والاستكشاف وجني ثروت نادرة، فهاجر مع المهاجرين، ونأى مع النائين في السبعينيات الهجرية، وبقي مدةً ليست بالقليلة...! فقرر مغادرة محايل والذهاب إلى الغربية، فتنقل مكافحا ما بين مكة وجدة والطائف...! وإن كان مولوداً في محايل، وربا في قرية الريش عند أخواله، وتعلم منهم مآثر القبيلة وعاداتها... ولكن حانت ساعة الفراق، ولحظات التكوين والقدر المنتظر ... 

• وهنالك في الغربية تعلّم ودرس وعاين حياة راقية، اختلفت عن الوضع البائس القديم، عرفَ الشعرَ وأهله، واستطعمَ العلم وجماله، وشمّ الثقافة على أصولها ، فعاد جمّاعةً للعلم، مكتنزا للكتب، باحثا عن روائع الأسفار والأفكار .... ودائماً ما يترنم بقول ابن الوردي: حبّك الأوطانَ عجز ٌظاهرٌ...فاغترب تلق عن الأهل بدلْ...! وقول الإمام الشافعي: سافر ٌتجد عوضا عمن تفارقه...وانصَب فإنّ لذيذ العيش في النصبِ...!

• برغم شدة الظروف قرر أن يتعلم وأن يتجاوز جبال التخلف المنصوبة في فترة مضت والمفروضة تلك الأيام ، فدرس إلى المرحلة المتوسطة، ثم اشتغل في وزارة الصحة، وتدرج وظيفيا حتى بلغ مدير الخدمات وشؤون المرضى ..ثم أميناً لمكتبةالمشفى، قبل تقاعدة سنة ١٤١٨ هـ تقريبا .

• عاد من رحلة الغربة سنة(٩٣) هجريا، حدثني هو بذلك ومحبوه، وعمري تقريبا ثلاث سنوات، لا أذكر شيئا عن الطائف، وقد ولدت فيه إلا ما يشبه الخيال.... يحدثونني عن طيب العيش هنالك، وكيف اغتنى الوالد وملك بيتين، وأسس بقالة، يزوره فيها طلاب محايل، ويستدينون إلى الراتب...! 

• ولما وصل استقبله أهلها، وتغير نمط الحياة،...! فلا تقارن محايل بالطائف طيباً وغنىً ومَراحا، وكانت تجربة مريرة في أولها، واشترى مزرعة، وبدا يؤسس نفسه من جديد،،،! وقد عاتبناه في ذلك،،؟ فقال: أرضنا وساقنا القدر لذلك ،،،، فسكتنا...!

• وفي وزارة الصحة منحته صحةً معنوية تتمثل في العناية بالعقل وتزكيته بصنوف المجلدات والأسفار الباهيات...

• وكثيرا ما تُرسلني الوالدة بطلبات، شبه أسبوعيا، ولعدة أيام،،، منها: اللحمة اليومية والخضار، وطلبات المطبخ الشعبية.... من العم محمد الألمعي حفظه الله... فأمرّه المشفى فيأخذني بعد ما يأمرني بالسلام على زملاء المهنة، ثم نمر المجزرة فالخضار والفاكهة في (برَحة محايل)،،، ويلم من الطريق ما طاب، ولحظت في تلك المدة: إفشاءه السلام، وكثرة محبيه، ووقوفه لكل أمر غالبا، ويداري عني بعض سواليف السوقيين السوقة، فلقد ربانا على العفة والنزاهة....! وهذا شيء عجيب لم أفقهه إلا مع الكِبَر.....!

• وقد طلعنا على الدنيا والوالد يملك مكتبة ضخمة في قمة الجودة والزخارة....ويجهدنا نقلها، ونتهمم بحملها، ونضيق من كثرتها، وإذا تنزلت الأمطار بتنا في شقاءٍ مرير، وأمر مَريج.... وإذا ضجرنا من حملها قرع أسماعنا بقول المتنبي: أعزُّ مكان في الدنا سرجُ سابحٍ...وخير جليس في الزمان كتابُ...! وآلت اليه آخر سني عمره الوظيفي مكتبة المستشفى تأسيساً وتنظيما، فاغتبط للقراءة والصفاء ...!

• ربانا على الصلاة ومكارم الأخلاق، وعدم الإساءة إلى الناس....! ولَم أره مسيئا أو ساخرا من أحد، وما رد محتاجا قط، وكان عفّ اللسان مع غالب الناس....! 

• وأشعل بيتَنا بالشعر وحبه، وكان يعقد المساجلات بيننا ويقسمنا إلى فريقين، وكم حفظت منه من درر شعرية، ويعتني بشعر الحجازيين كثيرا . ومما حفظنا منه :

• أُذكّر بالأيام لو تنفع الذكرى... عسى نستعيد المجد والعز والنصرا... واذكر صلاحَ الدين وهو مظفر ٌ....وجيشُ الصليبيين في حبله أسرى ...!

• وكان كثيرا ما يُردد لايليا أبو ماضي : لِم تشتكي وتقول إنك معدِمُ... والأرض ملكك والسما والأنجمُ؟!.... إن كنت مكتئباً لعز قد مضى... هيهات يُرجعه إليك تندمُ...!

• وتأسره أبيات حجازية ،؟لما فيها من أشواق الحرية والكفاح المعيشي، وتجاوز صعوبات الحياة ومكدراتها، كقول الشاعر أحمد قنديل رحمه الله، وكان يحبها كثيرا : جاهر برأيك في الحياة ولا تخفْ... غِراً تذرعَ بالسفاهة أو حسودْ
وانهج إلى المثل الشريف فحبذا.. المــثل الشريف وحبذ الشرف العتيدْ
واسلك سبيلك كيفما تختاره...
ما دمتَ مصطحبا به الرأيَ السديد..
فإذا سلمتَ به فأنت موفقٌ...
واذا عثرتَ فمن عِثارك تستفيد
إن الحياة تجاربٌ مملوءةٌ
عبراً ...تقدّم درسَها للمستفيد
والفوزُ في شتى المواقف حافزٌ...
للمرء داعيه إلى شرف المزيدْ..

• وكنت أحاول العثور عليها لإعطائه بالكامل، حيث لا نملك الديوان، حتى انفجر العالم بالنت وظهرت النوادر والمستخفيات من العلوم والدرر والعجائب فصورتها ومنحته إياها، فسُر بذلك وأعجب...! 

• ولكثرة ما عايشوا وجيله من التعب والرهق، يعتني كثيرا بأبيات الفرج واليسر بعد العسر، فينشد كثيرا: وكم لله من عسر ويسرٍ....وكم لله من فرج قريبِ...!

• عسى الكربُ الذي أمسيت فيه،..يكون وراءه فرجٌ قريب... فيأمنُ خائفٌ ويفك عانٍ...ويأتي أهلُه النائي الغريبُ... وقول الأعرابي لمعن بن زائدة: أتذكر إذ لحافك جلد شاةٍ...وإذ نعلاك من جلد البعيرِ... فسبحان الذي أعطاك ملكاً... وعلمك الجلوسَ على السريرِ...! فرد: نعم أذكر...!

• ولما اعتلت صحته قبل سنة وحُول إلى مستشفى عسير بأبها ، قلت لما قام سليما ومعافى:

ماذا أقولُ ومسكُ الدار قد وَجَما// وطائرُ الحي ما أزجى وما نغَما؟!
نشيدُ روحيَ في غمٍ ونائبةٍ// وخط حزنيَ في جدٍّ وقد رسَما
لازلتَ والله صلباً تدفعُ السقما/ إني رأيتكَ مِقداماً ومنسجما
وما عرفتُكَ الا صابرا ألِقاً/ رغم الشدائدِ كنت الثابتَ العلَما...!

• كان يحظى بقبول اجتماعي بين الناس، وخدوماً بشوشا لهم، وقلما يُرى مكفهرا متضايقا،،... واستيقظتُ مرةً في الصبا، والوالد يصلي الفجر على سجادته ، وسلّمت عليه وطلبت منه أشياء ، وكنت صغيرا، فحيّاني متغير الوجه، قليل البسمة، فلم أفهم حتى كبِرت، وعرفت أنه كان يعالج مشكلة شديدة ذلك المساء...، مع تباعده قدر المستطاع عن الشقاقات والنزاعات..! فمع شدة العيش وتنغيص الحياة، يخفي ذلك تماما، ويحاول إسعاد الجميع من الناس ومن أبنائه، ولفرط طيبته وتبسمه تُهكم به، وأنه ضيع حقوقه ومزارعه، وبلغ الخمسين وليس فيه بياض، فقالوا: من بروده أو قلبه بارد....!

• ولكن القلب البارد ذلك، تعلمنا منه شرف الأخلاق وحسن المروءة ، ومحبة الناس وودادهم، والصفح بلا حساب، ونبذ العنصرية والشتائم، حتى لما رآه بعض الناس وهو يشاهد جفاء من حوله، قال والله: إن بينك وبينهم كما بين السماء والأرض...!! والأعجب أن بعض من اهتبل ماله لطيبته، يجالسهم في الغد ضاحكا منشرحا، وينسى ما حصل ليلا....!

• وكان سعيدا من أشرح الناس فؤاداً ، وأكثرهم انبساطا، ليس بالمال ولا الوجاهة، ولا المراتب المزيفة في المجتمع ولكنها بالحب والصفاء والتواضع ، قال الأديب مصطفى المنفلوطي رحمه الله ( حسبُك من السعادة في الدنيا : ضمير نقي، ونفس هادئة ، وقلب شريف ).

• وكان الشيخ الوالد علي أبو سراح الفتحي حفظه الله يثني عليه وعلى طيبته وصفاء نيته وحب الناس له، ويعيد صلاح أبنائه إلى ذلك، ويقول: أبو محمد طيب ومشغول جدا، ولكنه توفيق من الله لهذا الرجل...! وكان بينهما من الحب والتواضع والتوافق الشيء العجيب...! 

• وأحسِبُ أن الوالد الكريم حقّق جزءا عاليا من تلكم الصفات، فأحبه الكثير، وأثنت عليه الفئات المختلفة في منطقتنا.....!

• قد يخفى على كثيرين أن الأب كالسد العالي، تفخر بطوله، وتحتمي بارتفاعه ، وتستند عليه في الملمات ...! وكان هو كذلك، كل مشكلاتنا يتسع لها صدره، ويبادر إلى حلها، وحتى بعد زواجنا وإنجابنا، كان محضنا لنا، يقضي الحوائج، ويبذل المعونات...!

• ومن الطريف أنه يحب حضور المحاضرات ، وقال لي بعض الأحبة في مرضه الأول: والدكم من رواد المحاضرات وخليق بِنَا نعوده ونطمئن عليه،،،! وكان كل إعلان يأتيه، فتفاجأت مرة أنه حاضر لي في جامع مثلث الريش للشيخ الزهري( كيف ترتقي الهمم ) وشعرت بالإحراج.. .! وفِي جامع إدريس الفلقي بالحماطة، وجدته في درس علمي في المصطلح ، وكأنه استغرب لغة الدرس..! فقال لي بعد ذلك: خفّف لغة الدرس أو تكلم في شيء سهل... ولَم يدر أن ذلك درس أسبوعي........!! 

• ثقافته في السيرة والشعر عالية جدا، ومغرم بها، ويطالعها في أكثر الأحوال ، ولما أعطي بعض المختصرات رفضها، وطالب بالجوامع ، فأهدي له( سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد ) للصالحي الشامي. 

• قصّرت في تحضير مقرر التعبير، ونسيت منه، فكتبه لي صباحا لعله كان في الصف الخامس وعن (بر الوالدين)، وكم نقّط لي للكتابة، في الصف الأول ثم آل الأمر للأخوين محمد وعبدالله، وساعداني حتى انطلقت في عالم الدراسة....!

• كان شغوفا بالسيرة النبوية، ويطالع الكثير منها، ويستشهد بها، وقال: سميت حمزة بأسد الله ورسوله، فيزيدك مثل ذلك بهجة وافتخارا، فتبيت مربوطا بالجيل الفريد، وبذلك الرعيل الذهبي...! وقال: قرأت قصة سلمان الفارسي: الباحث عن الحقيقة فبكيت وتأثرت، وفِي قصة بلال معانٍ للصبر والاحتساب...!

• ويعجب ويتأثر ويثني من (وصف أم معبد) لرسول الله عليه الصلاة والسلام.. رأيت رجلا ظاهر الوضاءة... ويحفظ بعضه، ويقول هو من أحسن الكلام، ولا يستطيعه أساتذة الجامعات والبلغاء الآن...!!

• وربما أنه استفرد به كثيرا بعد زواج الكبار، وبات يسمع منه قصص الماضين، وحكايات كبار السن، وكان فيها متعة ولذاذة ويجملها باستشهاداته الشعرية ومنتقياته النادرة...! 

• وذات عشية وقف على أطلال قصيدة مداوي المتحمي الرائعة، التي بعث بها من الأسر كما توحي القصيدة، وقص قصتَه : سلامٌ على عرق اللوا عدد القطر...وحيّاه هطالٌ يحليه بالزهرِ... ديار إذا شمّت من الغيث نفحةً...تضوّع فيها طيّب النبت بالعطر ِ... سلامٌ على أعلامها وسهولها.. سلام على سكانها البدو والحضْرِ....! فاستكتبه عشرة أبيات منها وقرر حفظها...!

• وله عناية بالشعر العامي ويتحفظ منه، وكتب في النوعين، وذهب أكثره، وقد حاولت جمع ذلك، وقلت له: هاتها وسأنشرها وأعلّق عليها، ولكنه غير آبهٍ بالجمع ولا التأليف...! وظفرت منه بمقدمة صغيرة لكتاب ( نسمات من أم القرى )وتردد فيها، إلى أن اقتنع، وكانت كالتاج على رأسي، وكالترياق في فؤادي، وانتشر الكتاب ونفع الله به، واعتبرت ذلك من رد الجميل ومن الوفاء لأعز إنسان ، تعب عليك ونفعك...!

• وأُهدي نسخة من ديوان( خمائل محايل )لكي يقدم له، لا سيما والشعر مجاله وعشقه، فانشغل إلى أن داهمه المرض، ونسينا وشغلنا والحمد لله على كل حال....! لكنه لا يخفي فرحته النادرة بتقديم والده في النسمات، وهو الكتاب المسجدي القريب الموطأ لجماهير الناس....! 

• وكان الوالد حفيا بالعلم الشرعي وأهله، ويجل ابن باز والمشيخة الكبار ، ويطالع الكتب ، وراسل بعضهم، ولكنه متدين بالفطرة، ولَم يكن متشددا، وفرح باستقامتنا، وراجعنا في مسائل محددة، فاستفدنا وأفدنا، ولكن ميله للأدب والثقافة عموما غلبت عليه، فجزاه الله خيرا على ما قدم وبذل وأثمر ، والحمد لله رب العالمين .

حمزة بن فايع الفتحي

رئيس قسم الشريعة بجامعة الملك خالد فرع تهامة، وخطيب جامع الفهد بمحايل عسير