مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ - (017) طارق بن زياد

منذ 2019-08-08

أدركنا يا لوذريق. . . . فإنه قد نزل علينا قومٌ لا ندري أهم من أهل الأرض أم من أهل السماء!

جَادَكَ الغيثُ إِذا الغيثُ هَمَى

" أدركنا يا لوذريق. . . . فإنه قد نزل علينا قومٌ لا ندري أهم من أهل الأرض أم من أهل السماء! "
(قائد القوات القوطية)


للَّه درُّ بلاد الجزائر كم أخرجت من عظيم لهذه الأمة، فعظيمنا الآن هو فاتح إسلامي خرج من صحراء هذه الأرض العظيمة التي دأبت على تخريج الأبطال وكأنها مدرسة للثوار، فبطلنا هو "طارق بن زياد" فاتح الأندلس العظيم. والحقيقة أن الحديث عن الأندلس لهو حديث طويل في سرده، غزير في أحداثه، شجيٌ في ذكرياته، يمتد إلى ما يزيد عن 800 سنة في تاريخ أمة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، أي أكثر من نصفها، لذلك سوف أتطرق إلى قصة الأندلس تباعًا في هذا الكتاب إن شاء اللَّه، لا من أجل البكاء على اللبن المسكوب، فليس ذلك أبدًا ما أرمي إليه، ولكنني أحسب أن تاريخ الأندلس كقصة صعودٍ وهبوطٍ متكررةٍ خلال ثمانية قرونٍ أو يزيد من حكم المسلمين يجسد خير مثالٍ يمكن أن يوضح لشباب هذه الأمة أسباب الصعود وأسباب الانحدار، فمن حكمة اللَّه سبحانه وتعالى أن جعل سنته في الأرض ثابتة لا تتغير، فإذا ما درسنا أسباب صعود المسلمين وانتصاراتهم في فترة من الفترات ثم عملنا بها، فإننا حتمًا سنصعد وننتصر، وإذا ما درسنا أسباب الهزيمة والانحدار تجنبناها. . . وهكذا.

ثم إن قصة الحضارة الإسلامية في الأندلس لهي قصة فريدة من نوعها، لم تعرف البشرية مثلها من رقي وعلم وازدهار وتسامح بين الشعوب والأديان، حتى من وجهة النظر الغربية.
وقبل أن ندرس حكاية هذا البطل العظيم أو نحكي حكاية الأندلس هناك نقطة وجب طرحها: لماذا قطع العرب المسلمون آلاف الأميال من صحراء جزيرتهم للوصول إلى أراضي شعوب أخرى كالبربر والفرس والروم؟ أليس ذلك نوعٌ من الاحتلال لأراضي الغير؟

الحقيقة أن هذا السؤال قد يثير الريبة لدى البعض، وقد يذهب البعض إلى مقارنة الفتوحات الإسلامية بالاستخراب الأوروبي في القرنين التاسع عشر والعشرين، والواقع أنه ليس هناك وجه للمقارنة في ذلك، فالمُطلِعُ على تاريخ الحروب منذ أيام الإسكندر المقدوني مرورًا بغزوات الرومان والمغول وحتى الحروب الحديثة من نابليون إلى هتلر يجد أن هدف الجيوش على مر التاريخ لا يخرج عن ثلاثة، فإما الامتداد الجغرافي والاقتصادي كحال الإمبراطورية الرومانية (إمبراطورية اكتسحت ثلاث قارات)، أو السيطرة والهيمنة الفكرية كحالة أمريكا مثلًا (نشر المثل الأمريكية في العالم)، أو حتى اللا هدف أو العبثية كحالة التتار المغول (لم يكن للتتار أي هدف في حروبهم!).

أما في حالة المسلمين فقد كان الوضع مختلفا بالكلية، فكانت الحروب الإسلامية استثناء لهذه القاعدة الثلاثية الأبعاد، فقد كان للمسلمين هدفٌ واحدٌ فقط: تبليغ رسالة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- لكل البشر في كل أصقاع الأرض. وهنا يعلق البعض: لماذا حارب المسلمون ودمرّوا الإمبراطوريات المختلفة ولم يكتفوا بالتبليغ فقط من دون حروب؟ والإجابة هي أن هذا بالفعل ما فعله المسلمون في البداية، فلقد أرسل المسلمون الرسل تلو الرسل إلى حكام الأرض فقتلوهم قبل أن تصل رسالة الإسلام إلى شعوبهم، فرسالة الإسلام بما تحمله من أفكار تساوي بين البشر تتعارض بالضرورة مع شريعة الملوك الطبقية التي تستعبد الشعوب وتضطهد الفقراء، فمن الطبيعي أن يمنع هؤلاء شعوبهم من أن يعرفوا شيئًا عن الإسلام بما يحمله من خطورة على عروشهم، فواللَّه ما أخرجنا الجيوش إلّا بعد قتل الرسل والدعاة، أما في حالة إتاحة الحرية للرسل والدعاة ليبلغوا دعوة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- للإنسانية فإنه لم يُرفع سيف واحد هناك، ولعل أندونيسيا أكبر دولة إسلامية أكبر مثالٍ على ذلك.

ولكن إن كان الهدف من الفتوحات هو نشر الإسلام فلماذا لا نجد وجودًا للمسلمين في الأندلس أي من سكان إسبانيا والبرتغال الآن؟ والإجابة على ذلك أن أغلبية المسلمين في الأندلس (إسبانيا والبرتغال) كانوا أصلًا من السكان الأصليين الذين اعتنقوا الإسلام وليس كما يظن البعض أنهم من المهاجرين العرب والبربر، ولكن هؤلاء المسلمين إمّ رُحِّلوا من ديارهم أو قتلوا في محاكم التفتيش (كما سنرى في طيات هذا العمل لاحقًا!). أما السر الخفي في فتح المسلمين للأندلس والذي قد يعجب منه الكثيرون، أن الأندلس كانت بالفعل أرضًا إسلامية لعشرات السنين حتى قبل أن يولد طارق بن زياد نفسه!

بل إن الأندلس كانت دولة إسلامية مستقلة حتى 20 عامًا قبل بعثة رسول اللَّه!! ومن أراد معرفة ذلك السر الدفين، فعليه أن ينتظر قليلًا في هذا الكتاب، حتى يأتي ذكر عظيمٍ آخرَ من عظماء أمة الإسلام المائة يقال له. . . . (آريوس)!
وقصة الأندلس تبدأ عندما استوطن القوط الغربيون هذه البلاد، والقوط الغربيون ليسوا من هذه البلاد أصلًا، بل هم من بلاد أخرى، وبالتحديد من شمال أوروبا، والأندلس اسم كان يطلق على شبه القارة الإيبيرية، والتي تكوِّن الآن دولتي إسبانيا والبرتغال، وكان يحكم القوط الغربيين في هذا الوقت ملك اسمه (غيطشة)، غيطشة هذا قتله أمير ماجن اسمه (لوذريق) والذي قام بالاستيلاء على العرش وفرض الضرائب الباهظة، فكرهه الشعب الأندلسي، وساد القهر والظلم في أرجاء الأندلس. أمّا في الجهة الأخرى من اليابسة وبالتحديد في مدينة طنجة فكان يحكمها رجل أشقر الشعر، أزرق العينين، طويل القامة، مفتول العضلات ينتمي إلى شعب البربر الذي تعود جذوره إلى أوروبا وبالتحديد من العنصر اللاتيني هناك، هذا الرجل كان وثنيًا يعبد الأصنام من دون اللَّه، فجاءه العرب بالإسلام، فأعجبته تعاليمه الرائعة وفكرته البسيطة في الوحدانية، فآمن بهذا الدين وأصبح شغله الشاغل هو تعريف بقية البشر بهذا الدين، فبعد أن كان هو وقومه عبيدًا للرومان الذين كانوا يحكمونهم بالسيف، جعله الفاتحون العرب حاكمًا لطنجة ليحكم المسلمين عربًا وبربرًا على حد سواء، هذا الرجل هو طارق بن زياد البطل الإسلامي العظيم والي الأمويين في طنجة. فبعد أن تسلم طارق رسالة من "القيروان" من القائد العام لإفريقيا يخبره فيها بإذن الخليفة الأموي (الوليد بن عبد الملك) رحمه اللَّه بنشر الإسلام في الأندلس، عبر طارق البحر بسبعة آلاف مقاتل غالبيتهم العظمى من البربر الذين دخلوا الإسلام جديدًا، ليقاتل المسلمون الحامية القوطية في الجنوب قبل أن يمحقوها محقًا، عندها هرب قائد الحامية، ليرجع سرًا بالليل إلى أولئك الفاتحين المجهولين يراقبهم لكي يعرف سر قوتهم، عندها رأى ذلك الرجل العجب!
لقد رأى ذلك القائد القوطي أولئك المقاتلين الأشداء الذين كانوا يقاتلون كالأسود المفترسة في الصباح وهم يصلون لربهم ويقيمون الليل ركّعًا سجّدًا، رآهم يقرؤون كتابًا تسيل دموعهم وهم يتلونه، فلم يصدق هذا القائد ما رآه، فأسرع برسالة إلى الملك لوذريق في "طليطلة" العاصمة بكتاب من جملة واحدة: "أدركنا يا لوذريق فإنه قد نزل علينا قوم لا ندري أهم من أهل الأرض أم من أهل السماء! ".


وفعلًا تقدم الملك لوذريق بجيش قوامه 100 ألف فارس مجهزين بأحدث الأسلحة، وقد أمرهم لوذريق أن يجلبوا معهم حبالًا كثيرة لربط المسلمين بها بعد أن يهزمهم، فأرسل طارق بن زياد إلى القائد العام للمسلمين في أفريقيا يطلب منه المدد، فوصل مدد إسلامي لطارق قوامه 5 آلاف مقاتل فقط ليصبح مجموع جيش المسلمين 12 ألف جلهم من المشاة مقابل 100 ألف فارس من النصارى القوط. والتقى الجيشان في معركة "وادي برباط" الخالدة في 28 رمضان من عام 92 هـ، هذه المعركة التي لا نعرف عنها شيئًا لا تقل عظمة عن معركتي "اليرموك" و"القادسية".


وبدأت المعركة. . . . واندفعت أمواج النصارى نحو المسلمين كالموج الهادر، ولكن شتان ما بين جيشين اختصموا في اللَّه، فئة تقاتل ومعها الحبال وفئة تقاتل ومعها اللَّه! وبعد 8 أيام من القتال فيها عيد الفطر، وبعد استشهاد 3 آلاف مسلم، انتصر المسلمون، وقتل المسلمون الملكَ المغرور لوذريق صاحب الحبال، فانطلق طارق يفتح المدن الأندلسية واحدة تلو الأخرى دون قتال، بعد ما سمعه الشعب الأندلسي عن شراسة هذا الجيش المرعب وسماحة الحكم الإسلامي، لتنتشر كتائب النور الإسلامية في رحاب الأندلس تنشر الإسلام في ربوعها لتنير شعلة التوحيد في هذه البلاد من جديد!


هناك مسألة خطيرة وجب التنبيه إليها ونحن نذكر قصة هذا القائد العظيم. . . . ألا وهي تلك المقولة التي ورثناها أبًّا عن جد ودرسناها في مدارسنا وأصبحت وكأنها حقيقة كونية، ألا وهي المقولة التي نسبت للقائد الإسلامي طارق بن زياد "البحر من خلفكم والعدو من أمامكم".

والحقيقة أن هذه الرواية ما هي إلا رواية كاذبة ومزورة وضعها المستشرقون ليبرِّروا هزيمة 100 ألف من النصارى أمام 12 ألف من المسلمين، أولئك المستشرقون أرادوا إيهامنا أن المسلمين إنما قاتلوا الصليبيين مكرهين لعدم وجود سفن للهروب! ولعل أولئك المستشرقين لم يفهموا بعد أن المسلمين يبحثون عن الشهادة بحثًا، وكأن المسلمين انتصروا يومًا بكثرة العدد؟! ثم إن هذه الرواية لم ترد أبدًا في أمهات كتب التاريخ الإسلامية بل وردت في المصادر الأوروبية فقط، ولم يرد في أي كتاب من الكتب الإسلامية تعقيب على هذه الفعلة المزعومة إن كانت حرامًا أو حلالًا، ثم إن قائدًا محنكًا مثل طارق كان يعرف بالتأكيد إمكانية هزيمته (وهذا شيء وارد)، فكان لزامًا عليه أن ينسحب بالجند إلى البر الآخر حيث المسلمين، وهذا أمر جائز في الشريعة وليس عيبًا، والأهم من ذلك كله وهو الذي يفند هذه الرواية الخبيثة تفنيدًا تامًا أن تلك السفن لم تكن ملكًا للمسلمين أساسًا حتى يسمح المسلمون لأنفسهم بحرقها!


فلمن كانت ملكية تلك السفن؟ وما العرض العجيب الذي تلقاه طارق بن زياد رحمه اللَّه وهو في طنجة؟ ومن هو ذلك البطل العظيم الذي يرجع الفضل إليه قبل طارق وبعد اللَّه في فتح الأندلس؟ ولماذا تجاهلته كتب التاريخ الحديثة؟ وكم كان عمره عندما قاد جيوش الفتح الإسلامي في أوروبا؟ وما هي الخطة العجيبة التي أراد فيها هذا القائد الإسلامي العظيم احتلال أوروبا بأسرها؟!
يتبع. . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المؤلف/ جهاد الترباني

المقال السابق
(016) البربر الأمازيغ
المقال التالي
(018) " القائد العابد" (موسى بن نصير)