فوائد من تحفة المودود بأحكام المولود لابن القيم(1-2)

منذ 2019-10-06

ويجنبه الكذب, والخيانة أعظم مما يجنبه السم الناقع, فإنه متى سهَّل له سبيل الكذب والخيانة أفسد عليه سعادة الدنيا والآخرة وحرمه كلَّ خير.

 

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين....أما بعد: فالعلامة ابن القيم رحمه الله من العلماء الذين تنوعت مصنفاتهم ومؤلفاتهم, فمؤلفاته لم تقتصر على فن واحد, بل كان له إسهام في مختلف الفنون, ومن ذلك التصنيف في مجال " التربية " من خلال كتابه الموسوم بـ " تحفة المودود بأحكام المولود "  فقد تكلم عن الأحكام والأمور المتعلقة بالمولود, وسال قلمه بكثير من الفوائد في مجال تربية الأولاد, وفي غيرها, وقد اخترت شيئاً من تلك الفوائد, وجعلتها في ثلاثة أقسام:

فوائد تتعلق بالمولود

وفوائد تتعلق بتربية الأولاد

وفوائد متفرقة.

أسأل الله الكريم أن ينفع بها, ويبارك فيها.

فوائد تتعلق بالمولود

تسلية من رزق بالبنات:

قال يعقوب بن بختان: وُلِدَ لي سبعُ بنات, فكنتُ كلَّما وُلِدَ لي ابنة دخلت على أحمد بن حنبل فيقول لي: يا أبا يوسف ! الأنبياءُ آباءُ بناتٍ. فكان يُذهبُ قوله همِّي.

سرُّ التأذين في أذن المولود:

عن أبي رافع قال « رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أذَّن في أُذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة» [رواه أبو داود والترمذي, وقال:حديث صحيح] وسرُّ التأذين-والله أعلم-أن يكون أول ما يقرعُ سمع الإنسان كلماته المتضمنة لكبرياء الربِّ وعظمته, والشهادة التي أول ما يدخل بها في الإسلام, فكان ذلك كالتلقين له شعار الإسلام عند دخوله إلى الدنيا, كما يُلقنُ كلمة التوحيد عند خروجه منها.

وغير مستنكر وصول أثر التأذين إلى قلبه وتأثره به وإن لم يشعر, مع ما في ذلك من فائدة أخرى, وهي هروب الشيطان من كلمات الأذان.

وفيه معنى آخر: وهو أن تكون دعوته إلى الله وإلى دينه الإسلام وإلى عبادته سابقة على دعوة الشيطان, كما كانت فطرة الله التي فُطِرَ عليها سابقة على تغيير الشيطان لها, ونقله عنها, ولغير ذلك من الحِكَمِ. والله أعلم.

تسمية المولود بأحسن الأسماء, فإن للأسماء تأثير في مسمياتها:

قال البيهقي في سننه: باب تسمية المولود حين يولد.

 وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إنكم تُدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم ) رواه أبو داود بإسناد حسن

وبين الاسمِ والمُسمى علاقة ورابطة تُناسبه وقلما يتخلف ذلك, فالألفاظ قوالب المعاني, والأسماء قوالب المسميات.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «إنَّ أحبَّ أسمائكم إلى الله عز وجل: عبدالله, وعبدالرحمن» ) [رواه مسلم في صحيحه] .

وقُبحُ الاسم عنوانُ قُبح المسمى, قال أبو داود في السنن: وغيَّر النبي صلى الله عليه وسلم اسم العاص, وعزيز, وعَتَلَهَ, وشيطانٍ, والحَكَم, وغُراب, وشهاب....

وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم غير اسم عاصية, وقال: ( « أنت جميلة» )

وهذا باب عجيب من أبواب الدِّين, وهو العدول عن الاسم الذي تستقبحه العُقُولُ وتنفرُ منه النفوس إلى الاسم الذي هو أحسن منه, والنفوس إليه أميلُ.

ومن تأمل السنة وجد معاني الأسماء مرتبطة بها حتى كأن معانيها مأخوذة منها وكأن الأسماء مشتقة من معانيها فتأمل قوله صلى الله عليه وسلم ( «أسلمُ سالمها الله, وغفار غفر الله لها, وعصيّةُ عصتِ الله » ) وقوله لما جاء سهيل بن عمرو قال:( «سهُل أمركم» )

وإذا أردت أن تعرف تأثير الأسماء في مسمياتها فتأمل حديث سعيد بن المسيب عن أبيه عن جده قال: «أتيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( ما اسمك؟)   قلتُ: حَزن, فقال: أنت سهل, قال: لا أغيِّر اسماً سمَّانيهُ أبي. قال ابن المسيب: فما زالت تلك الحُزُونة فينا بعد» , [ رواه البخاري في صحيحه] , والحزونةُ: الغلظة.

سُنِّية العقيقة, وفوائدها, وأنها أفضل من التَّصُّق بثمنها ولو زاد

قال الخلال: " باب ما يستحب من العقيقة وفضلها على الصدقة" أخبرنا سليمان بن الأشعث: قال: سُئل أبو عبدالله – وأنا أسمع – عن العقيقة: أحبُّ إليك, أو تدفعُ ثمنها في المساكين ؟ قال: العقيقة.

قال صالح: قلت لأبي: يولد للرجل وليس عنده ما يعقُّ, أحبُّ إليك أن يستقرض ويعُقَّ عنه, أم يؤخِّر ذلك حتى يُوسر ؟

فقال: أشدُّ ما سمعت في العقيقة حديث الحسن بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( «كلُّ غلام رهينة بعقيقته» ) وإني لأرجو إن استقرض أن يُعجل الله له الخلف, لأنه أحيا سُنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبع ما جاء به.

وهذا لأنها سنة ونسيكة مشروعة بسبب تجدد نعمة الله على الوالدين, وفيها سر بديع مورث عن فداء إسماعيل بالكبش الذي ذُبح عنه وفداه الله به, فصار سنة في أولاده بعده: أن يفدي أحدهم عند ولادته بذبحٍ يُذبحُ عنه.

ولا يستنكر أن يكون هذا حرزاً له من ضرر الشيطان بعد ولادته, كما كان ذكر اسم الله عند وضعه في الرحم حرزاً له من ضرر الشيطان.

فوائد في تربية الأبناء

تأديب الأولاد وتعليمهم:

قال الله تعالى:   {يا أيها الذين أمنوا قُوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناسُ والحجارة} [التحريم:6] قال علي رضي الله عنه: علَّموهم وأدبوهُم.

وقال الحسن: مُرُوهُم بطاعة الله وعلموهم الخير.

وفي المسند وسنن أبي داود من حديث عمرو بن شعيب, عن أبيه, عن جده, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «مُرُوا أبناءكم بالصلاة لسبعٍ, واضربوهم عليها لعشرٍ, وفرقوا بينهم في المضاجع » )

ففي هذا الحديث ثلاثة آداب: أمرهم بها, وضربهم عليها لعشر, والتفريق بينهم في المضاجع.

وقال عبدالله بن عمر: أدَّب ابنك, فإنك مسؤول عنه, ماذا أدبتهً ؟ وماذا علمته ؟ وهو مسؤول عن بِرّك وطواعيته لك.

فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه, وتركه سدى, فقد أساء إليه غاية الإساءة.

وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء وإهمالهم لهم, وترك تعليمهم فرائض الدين وسننهُ, فأضاعوهم صغاراً, فلم ينتفعوا بأنفسهم, ولم ينفعوا آباءهم كباراً, كما عاتب بعضهم ولده على العقوق, فقال: يا أبَتِ إنّك عققتني صغيراً, فعققتك كبيراً, وأضعتني وليداً, فأضعتك شيخاً كبيراً.

فمما يحتاج إليه الطفل غاية الاحتياج: الاعتناء بأمر خُلُقه, فإنه ينشأ على ما عوده المربي في صغره...فيصعب عليه في كبره تلافي ذلك.

لذلك يجب أن يجنب الصبيُّ إذا عقل: مجالس اللهو والباطل, والغناء, وسماع الفحش, والبدع, ومنطق السُّوء, فإنه إذا علق بسمعه عسر عليه مفارقته في الكبر.

وينبغي لوليه أن يجنبه الأخذ من غيره غاية التجنب, فإنه متى اعتاد الأخذ صار له طبيعة, ونشأ بأن يأخذ لا بأن يُعطي, ويعوَّده البذل والإعطاء.

ويجنبه الكذب, والخيانة أعظم مما يجنبه السم الناقع, فإنه متى سهَّل له سبيل الكذب والخيانة أفسد عليه سعادة الدنيا والآخرة وحرمه كلَّ خير. 

ويجنبه الكسل والبطالة والدعة والراحة, بل يأخذ بأضدادها,...فإن للكسل والبطالة عواقب سُوءٍ, ومغبة ندمٍ, وللجدِّ والتعبِ عواقب حميدة, إما في الدنيا وإما في العقبى, وإما فيهما, ويجنبه مضار الشهوات المتعلقة بالبطن والفرج غاية التجنب, فإن تمكينه من أسبابها والفسح له فيها يفسده فساداً يعزُّ عليه بعده صلاحه.

والحذر كلَّ الحذر من تمكينه من تناول ما يزيل عقله من مسكر وغيره, أو عشرة من يخشى فساده أو كلامه له....فإن ذلك الهلاك كله.

فما أفسد الأبناء مثل تغفل الآباء وإهمالهم...وكم ممن أشقى ولده وفلذة كبده في الدنيا والآخرة بإهماله وترك تأديبه, وإعانته على شهواته, ويزعم أنه يكرمه وقد أهانه, وأنه يرحمه وقد ظلمه وحرمه, ففاته انتفاعه بولده, وفوت عليه حظه في الدنيا والآخرة, وإذا اعتبرت الفساد في الأولاد رأيت عامته من قبل الآباء.