معركة بروزة

منذ 2019-12-30

تمكَّن أسطولٌ عثماني بقيادة القائد المسلم "خير الدين برباروسا" من هزيمة أسطول تحالف أوروبي مكوَّن من 600 سفينة في 5 ساعات فقط، دون أن يخسر أيَّ سفينة من سفنه، وتعرف هذه المعركة بمعركة "بروزة" في 4 من جمادى الأولى 945 هـ

أيام خالدة منسية

معركة بروزة

مجد البحرية العثمانية

 

يقول المؤرِّخ "كانتويل سميث" في كتابه "الإسلام في العصر الحديث": "إن أوروبا لا تستطيع أن تنسى الفزَع الذي ظلَّت تزاوله خمسة قرون متوالية والإسلامُ يغزوها"، ويقول أيضًا: "محمَّد هو التحدِّي الحقيقي الذي واجهَتْه الحضارةُ الغربية في تاريخها كلِّه".

 

ويقصد الكاتِب بهذا الخطَر الإسلامي - المؤرِّق لأوروبا في تاريخها القديم - الإمبراطوريَّة العثمانيَّة التي ظلَّت تجوب أرجاءَ البحر المتوسِّط دون وجود أيِّ قوَّة تستطيع الصمودَ أمامها وأمام أسطولِها البحري، الذي كان يعدُّ القوة البحريَّة الأولى في العالَم لعدَّة قرون متوالية.

 

ويحتفظ تاريخ المعارك البحريَّة بمعركةٍ من أقوى المعارك التي كتبَت المجد الأبديَّ لأسطولِ الدَّولة العثمانيَّة؛ حيث لم تجرؤ دولة أوروبيَّة بعدها بسنوات على التفكير في محاولة خوض هذه التجربة الألِيمة مرَّة أخرى.

 

فقد تمكَّن أسطولٌ عثماني بقيادة القائد المسلم "خير الدين برباروسا" من هزيمة أسطول تحالف أوروبي مكوَّن من 600 سفينة في 5 ساعات فقط، دون أن يخسر أيَّ سفينة من سفنه، ومكبِّدًا أسطولَ التحالف خسارة 13 سفينة قام المسلمون بتدميرها بالكامل بمَن على متنِها من بحَّارة، وأَسر 36 سفينة أخرى، وما يقارب 3000 أسير أوروبي، هذا حسب المصادر الأوروبية التي قيَّدَت أهون الخسائر التي تفوق هذه الأرقام بكثير!

 

وتعرف هذه المعركة بمعركة "بروزة" أو "بريفيزا"؛ وذلك لوقوعها بالقرب من ميناء بريفيزا غربي اليونان في 4 من جمادى الأولى 945 هـ الموافق 28 سبتمبر 1538 م.

 

حيث نجد أنَّه نتيجة لتوسُّع السلطان "سليمان القانوني" في حملة فتوحاتٍ واسعة شملَت أجزاء كبيرة من أوروبا، دعا البابا في روما لتحالفٍ أوروبيٍّ صليبي لمواجهة الدَّولة العثمانيَّة ودَرْء خطرها؛ حيث خشيَ من إقدامها على غَزْو إيطاليا، فتكوَّن تحالفٌ بحري أوروبي من 600 سفينة منوَّعة تحمل نحو ستين ألف جنديٍّ، كان من بينها نحو 20 سفينة عملاقة ذات 3 طوابق تحمل أكثر من 2000 جندي.

 

كان يقود ذلك التحالفَ البحري الأميرال الشَّهير من جنوه "أندريا دوريا" الذي قاد الأسطول الإسباني، والذي اشتهر بالشَّجاعة والذكاء وبخبرته في المعارك البحريَّة، وكان معه الأميرال "كابيلي" الذي يقود أسطول مدينة البندقيَّة، بينما كان يقود القائد "جريماني" الأسطول البابوي.

 

أمَّا الأسطول العثماني، فكان يقوده القائدُ العثماني الداهية "خير الدين بربروسا" في 22 ألف جندي تحملهم 122 سفينة حرب.

 

قام بربروسا بالتشاور مع قادَة أسطوله حولَ أهمِّ الخطط التي يمكن بها مواجهة تفوق الأسطولَ الأوروبي كبير العدد، وكان رأي قادَة جيشه هو انتظار الأسطول الأوروبي ومواجهته على السَّاحل بمساندة جنود البرِّ في "بروزة"، بينما رأى بربروسا بثاقب بصره أنَّ هذا سيُفقد الأسطولَ العثماني مبدأ المبادرة، إلى جانب صعوبة تطبيق مناوراتِ الحرب البحرية، وكان رأي بربروسا الحاسم أنَّ الحرب البحرية تكون في البِحار المفتوحة ولا تكون في السَّاحل، وأنَّ المدافع بعيدة المدى ستَفقد تفوُّقَها عند زيادة اقتراب سفن العدو.

 

نتيجة لذلك ابتعد بربروسا بأسطوله عن ساحل بروزة مسافة 9 كم، وقام بتنظيم أسطوله البحري على شكلِ هلال، وعيَّن على رأس جناحه الأيمن القائدَ المجاهد صالحًا رئيسًا، وعلى رأس جناحه الأيسر سيدي علي رئيسًا، وقاد خير الدين الجناحَ الأيسر بنفسه، وأمر القائد الفذَّ طورغود بأن يقود احتياطي الأسطول ويبقى في الخلف.

باغَت بربروسا الأسطولَ الأوروبي حال رؤيتِه في المياه وقام بالمناورة بأجنحة أسطولِه واستغلال بُعد مدى مدافعه الحارِقة لضرب أسطول أندريا في مَقتل، وأدَّى عدم مقدرة السُّفن الصليبية على الاستدارة إلى هزيمة الأوروبيِّين، وتدمير جزء من سفن التحالف في الهجوم الأول.

 

بعد مرور وقتٍ قصير من هذا الهجوم الأول، ظهرت نتيجة المعركة بعد خمس ساعاتٍ بهروب قائد الأسطول "أندريا"؛ خوفًا من الأَسْر أو القتل، ووقوع جزء كبير من سفن الأسطول وطاقمه أسرى في أيدي المسلمين.

 

هذا الانتصار البارع كان بداية لتسيُّد العثمانيِّين غمارَ البحر المتوسط، وإصابة العالَم الأوروبي بالفزع والهلَع نتيجة هذه الهزيمة السريعة النَّكراء، وقد استقبل السلطان "سليمان القانوني" أنباءَ هذا النصر بفرحة غامرة، وأمر بإقامة الاحتفالات في جميع أنحاءِ دولته.

 

ونتيجة هذه المعركة ضُمنَت السيادة العثمانية في البحر المتوسط حتى هزيمة العثمانيين في معركة "ليبانتو" عام 1571.

 

وتُعرف هذه المعركة بأنَّها "المعركة التي حسمَت التاريخَ للعثمانيين في البحر الأبيض المتوسط".