الدوافع الحقيقية لماكرون من الهجوم على الإسلام

منذ 2020-10-09

"لن يكون هناك أي مكان في فرنسا للذين يحاولون فرض قانونهم الخاص باسم الله أو بمساعدة قوى اجنبية".

"لن يكون هناك أي مكان في فرنسا للذين يحاولون فرض قانونهم الخاص باسم الله أو بمساعدة قوى اجنبية".

هذا جزء من تصريحات للرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، أدلى بها ايوم الجمعة الماضي عن الإسلام.

والمتتبع لما يقوله ماكرون عن الاسلام في الآونة الأخيرة، يرى أنها ليست تصريحات عشوائية، بل هي اعلان عن تدشين حملة غربية جديدة على الاسلام تهدف الى اعادة صياغة فهم جديد له، ثم رسم استراتيجية لتنفيذ ذلك المخطط.

ولإدراك الدوافع الحقيقية لما يريده ماكرون من الهجوم على الإسلام، يجب علينا تتبع ما قاله ماكرون بدقة، لأن كل كلمة أطلقها تحمل مدلولات عميقة فيما يريده هذا الرجل وفي أسلوب تنفيذه لهذا الفهم.

ففي خطاب له يوم الجمعة الماضي غرب باريس في ليه موروه، وهو أحد الأحياء الحساسة في ضاحية باريس، صرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن الإسلام يعيش اليوم أزمة في كل مكان بالعالم، وإن على فرنسا التصدي لما وصفها بالانعزالية الإسلامية الساعية إلى إقامة نظام مواز وإنكار الجمهورية الفرنسية.

ويشخص ماكرون ويبرر لماذا يعيش الإسلام في أزمة ولماذا يجب التصدي لها، فيقول: الدين الإسلامي يمر بأزمة عميقة في جميع أنحاء العالم ولا نراها في بلادنا فقط، مرتبطة بالتوترات بين الأصوليين والمشاريع الدينية السياسية.

هذا هو السبب الأول: التوترات بين الأصوليين والمشاريع الدينية السياسية.

ثم يتبع ماكرون بالسبب الثاني فيقول: هناك نزعة إسلامية راديكالية تعمل على إحلال هيكلية منهجية للالتفاف على قوانين الجمهورية الفرنسية، وإقامة نظام مواز يقوم على قيم مغايرة، وتطوير ترتيب مختلف للمجتمع.

وهناك سبب ثالث ذكره ماكرون وهو التدخل الخارجي فيقول: هناك تأثيرات خارجية في فرنسا لجماعات مثل الوهابية والسلفية والإخوان المسلمين، وأن السلطات الفرنسية تركتهم يتطورون وينتشرون على الأرض الفرنسية ويقيمون مشاريع سياسية بتمويلات خارجية، على حد قوله.

ما العلاج إذن في نظر ماكرون؟

دعا الرئيس الفرنسي إلى فهم أفضل للإسلام وتعليم اللغة العربية، وهذا يتأتى في رأي ماكرون أن يكون هناك إسلاما في سلام مع الجمهورية الفرنسية، وخاليا من التأثيرات الخارجية.

وقال إن فرنسا لا تستهدف الإسلام أو المسلمين، وإنما التشدد والتزمت اللذين خلفا العنف والضياع على حد تعبيره.

ويرى ماكرون أن السلطات تتحمل جزءا من المسؤولية في تطور ظاهرة تحول الأحياء إلى مجتمعات منغلقة فقد قمنا بتجميع السكان بموجب أصولهم، لم نعمد إلى إحلال ما يكفي من الاختلاط، ولا ما يكفي من تمكينهم من التدرج الاقتصادي والاجتماعي، فالإسلاميون بنوا مشروعهم على تراجعنا وتخاذلنا.

وطرح الرئيس الفرنسي مشروع قانون ضد الانفصال الشعوري، بهدف مكافحة من يوظفون الدين للتشكيك في قيم الجمهورية، وهو ما يعتبر استهدافا للجالية المسلمة على وجه الخصوص.

وأعلن الرئيس الفرنسي تعديلا للقانون الذي صدر عام 1905 بشأن فصل الكنيسة عن الدولة الذي يمثل عماد العلمانية الفرنسية، وفرض رقابة أكثر صرامة على الجمعيات الإسلامية، ولا سيما تلك التي تتضمن مدارس لتعليم الأطفال، وإلزام أي جمعية تطلب مساعدة من الدولة على التوقيع على ميثاق للعلمانية، وفرض إشراف مشدد على المدارس الخاصة الدينية والحد بشكل صارم من التعليم الدراسي المنزلي، وفقا للسلطات، هناك 50 ألف طفل يدرسون حاليا في المنزل. وشدد الرئيس الفرنسي على أن التعليم في المنزل سيكون من بداية العام الدراسي 2021، مقتصرا بشكل صارم على المتطلبات الصحية على وجه الخصوص.

وأوضح ماكرون: كل أسبوع، يبلغ مدراء المدارس عن حالات أطفال خارج النظام التعليمي بالكامل. كل شهر، يغلق محافظون مدارس يديرها غالبا متطرفون دينيون، متحدثا عن أولياء أمور يرفضون مشاركة أطفالهم في دروس الموسيقى أو السباحة.

وأضاف أن المدارس يجب أن تدرب مواطنين وليس مؤمنين، كما ينص القانون على منع الممارسات التي تهدد المساواة بين الجنسين، بما في ذلك شهادات العذرية التي تحرص بعض الأسر المسلمة على استخراجها قبل الزواج.

وقال إن الدولة ستكون لها السلطة في التدخل إذا قدمت السلطات المحلية تنازلات غير مقبولة للإسلاميين.

كما ذكر ماكرون أن الحظر الذي فرضته بلاده على الشعارات والرموز الدينية، بما في ذلك الحجاب سيتم توسيعه ليشمل موظفي القطاع الخاص الذين يقدمون خدمات عامة.

ويهدف المشروع الذي استغرق تحضيره أشهرا وعرف عدة تأجيلات، إلى مواجهة التطرف الديني وحماية قيم الجمهورية الفرنسية، وفق ما أعلنه قصر الإليزيه.

كما أشار ماكرون إلى إعلان صدر في فبراير يقوم على إنهاء نظم الأئمة المبتعثين في غضون أربع سنوات. ويوجد من هؤلاء الأئمة 300 ترسلهم تركيا والمغرب والجزائر إلى المساجد الفرنسية، فضلا عن جامعي الزكاة خلال شهر رمضان.

ولكي تتمكن فرنسا من تعويض هذا النقص، أكد إيمانويل ماكرون أنه اتفق مع المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، المحاور الرئيسي للسلطات العامة، على أن ينتهي في غضون 6 أشهر على الأكثر من إعداد برنامج تدريب الأئمة في بلادنا.

وأعلن الرئيس الفرنسي، عن تخصيص مبلغ 10 مليون يورو لـمؤسسة إسلام فرنسا وعن خلق معهد علمي للدراسات الإسلامية.

وقال ماكرون أفكر بشكل خاص في تطوير الدراسات الإسلامية الرفيعة المستوى في الجامعة، لقد قررت إنشاء معهد علمي لعلم الإسلام. سننشئ وظائف إضافية في التعليم العالي لمواصلة العمل في البحث ليس فقط في الحضارة الإسلامية، ولكن أيضًا في حوض البحر الأبيض المتوسط ​​وأفريقيا.

ماكرون رأى أن اللغة العربية والعديد من اللغات الأخرى هي ثراء أبنائنا وعائلاتهم، موضحاً أنه يجب أن نعرف في جمهوريتنا أن نعترف بهم ونرتقي بهم ونجعلهم يعيشون في إطار جمهوري بطريقة غير مقيدة بشكل غير عادي، وفق تعبيره.

وسيعرض مشروع القانون على مجلس الوزراء في بداية ديسمبر المقبل، ثم يناقشه البرلمان في النصف الأول من عام 2021، أي قبل الانتخابات الرئاسية عام 2022.

ومن المعروف أن الأقلية المسلمة في فرنسا، يبلغ عددها نحو ستة ملايين نسمة - وهي الأكبر في أوروبا الغربية.

ولكن هل يستهدف ماكرون الإسلاميين فقط أم الإسلام نفسه؟

طبعا كثيرون يقولون إن هذا القانون مرتبط بحادثة الاعتداء بالساطور الذي نفذه شاب باكستاني قبل أسبوع في باريس والمحاكمة الجارية في قضية الهجوم على شارلي إيبدو عام 2015 والذي قام منفذه بقتل أعضاء هيئة تحرير الصحيفة الهزلية التي قامت برسم كاريكاتير مسيء للنبي صلى الله عليه وسلم.

ولكن ما يقوله ماكرون ليس مرتبط بما قام به هذا المسلم، فمشروع القانون بدأ العمل عليه في فبراير أي قبل حادثة الاعتداء الأخيرة لكن أزمة كورونا أعاقته.

اذن فما هو السبب الحقيقي أو ما هي الدوافع التي جعلت ماكرون يتخذ ذلك الموقف؟

في تقرير نشرته مجلة بوليتيكو الأمريكية عام 2018 عبّر مسؤولون فرنسيون عن مخاوفهم من أمرين: بزوغ مجتمع موازٍ للمسلمين داخل الجمهورية، وهو ما يولد أيديولوجيات راديكالية. ومشكلة المخاوف الأمنية من الإسلام، لأنه بات عنصراً أساسياً في حملات اليمين الانتخابية.

هذا ما ذكرته المجلة الأمريكية ولعلها تقصد بالمخاوف الأمنية ما شهدته فرنسا من تفجيرات وعمليات إطلاق النار نفّذها مسلمون في السنوات الأخيرة، أبرزها الهجوم الذي وقع في نوفمبر 2015 في مسرح باتاكلان، وهجمات أخرى في مواقع متفرقة بباريس أسفرت عن مقتل 130 شخصا، والتي آخرها حادثة الاعتداء بالساطور الذي نفذه شاب باكستاني قبل أسبوع في باريس.

ولكن هناك من الخبراء الفرنسيين من يرى أن الأمر لا يتعلق بالإسلام أو المسلمين أو حتى المتشددين، فهي حسابات سياسية خاصة بماكرون، ومنهم الحقوقي والكاتب الفرنسي آلان جريش الذي أرجع اعلان ماكرون خطته للإصلاح الإسلامي من أجل جذب الناخبين في الانتخابات البلدية في الشهر المقبل، ويضيف جريش: ماكرون انخفضت شعبيته، ولا يريد خسارة الانتخابات البلدية أو الرئاسة المقبلة، لذا يستخدم الإسلام السياسي مثل اليمين في لعبة سياسية داخلية.

وتؤكد صحيفة واشنطون بوست هذا المعنى، فتتحدث عن خطة الرئيس ماكرون فيما يخص المسلمين: ماكرون يستخدم الدين الإسلامي لأغراض سياسية داخلية، حتى لا يخسر انتخابات البلدية أو الانتخابات الرئاسية المقبلة.

قد تكون دوافع ماكرون لحسابات سياسية كما تقول الصحافة الغربية، ولكن هناك بعد إضافي تشير له تعدد تصريحات ماكرون، فهناك نبرة عداء واضحة للإسلام وكره له، تعكس روح صليبية دفينة يحملها كثير من أهل الغرب تجاه الإسلام.
__________________________________________
الكاتب: حسن الرشيدي