توجيهات مهمة لعامة الأمة

منذ 2021-03-03

وهذا العلم الذي أمر الله به -وهو العلم بتوحيد الله- فرض عين على كل إنسان، لا يسقط عن أحد، كائنا من كان، بل كل مضطر إلى ذلك.انتهى

 

 

المقدمة :
بسم الله والحمد لله وبعد: فهذه تويجهات مهمة لعامة الأمة ، قد جمعتها في هذا الموضع لأهمية معرفتها لكل واحد من المسلمين، وعلى طلبة العلم أن يعلموها من حولهم من الناس،وكل بحسب علمه وفهمه، والله أسأل أن ينفع بها ويتقبلها.
 
 
التوجيه الأول :
لا يُطلب من كل الناس أن يكونوا علماء أو أن يكون عندهم تخصص في علوم الشريعة،ولكن هناك جزء من العلم لا بد أن يعلمه كل مسلم ومسلمة،من أساسيات العقيدة والفقه والأخلاق والمعاملات ،نحو: معنى الشهادتين وبقية أركان الإيمان وكيفية الصلاة والطهارة والزكاة والصيام والحج وبر الوالدين وصلة الأرحام
وغير ذلك مما أحل الله أو أحرم الله مما يجب معرفته، ولا يسع مسلم جهله.
 
قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى : قد أجمعَ العلماءُ على أنَّ من العلمِ ما هو فرضٌ متعيِّنٌ على كل امرئٍ في خاصَّتِه بنفسِه ، ومنهُ ما هو فرضٌ على الكفاية ، إذا قامَ به قائمٌ سقطَ فرضُه على أهلِ ذلك الموضع.انتهى
جامع بيان العلم وفضله(٥٦/١).
 
ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى : {فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ} [سورة محمد ١٩].
 
 قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره على هذه الآية:
وهذا العلم الذي أمر الله به -وهو العلم بتوحيد الله- فرض عين على كل إنسان، لا يسقط عن أحد، كائنا من كان، بل كل مضطر إلى ذلك.انتهى
 
وفي الحديث عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» [رواه ابن ماجه وصححه الألباني] .
 
 قال الإمام الثوري : هو الذي لا يعذر العبد في الجهل به.حاشية السندي على ابن ماجة.( ص، ٣١٣).
 
 
التوجيه الثاني :
وقوع الاختلاف بين العلماء في كل عصر في المسائل الفرعية الجزئية،من زمن الصحابة رضي الله عنهم إلى زماننا.
 
ففي الصحيح، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الْأَحْزَابِ :«لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» .
فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمُ الْعَصْرُ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : بَلْ نُصَلِّي ؛ لَمْ يُرَدْ مِنَّا. ذَلِكَ فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ.رواه البخاري ومسلم.
 

 - فانظر رحمك الله كيف اختلف الصحابة في فهم هذا الحديث فبعضهم صلى في الطريق خشية فوات الوقت وبعضهم أخروها،وخلاف العلماء من هذا القبيل .


من فوائد الحديث:
- اختلاف المجتهدين في كل عصر من عصر الصحابة وإلى الآن .
 
- جواز الاجتهاد والاختلاف بين العلماء في مثل هذه المسائل الفرعية.
 
- لا يجوز أخذ هذا النوع من الخلاف السائغ مطية للتجريح في العلماء و اسقاطهم،فذلك من أعظم الجهل والظلم، والمجتهد لا يعنف، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع الفريقين من الصحابة رضي الله عنهم.
 
 
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى، في شرحه على هذا الحديث :
وأما اختلاف الصحابة رضي الله عنهم في المبادرة بالصلاة عند ضيق وقتها وتأخيرها فسببه أن أدلة الشرع تعارضت عندهم بأن الصلاة مأمور بها في الوقت، مع أن المفهوم من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يصلين أحد الظهر أو العصر إلا في بني قريظة) المبادرة بالذهاب إليهم، وأن لا يشتغل عنه بشيء، لا أن تأخير الصلاة مقصود في نفسه من حيث إنه تأخير، فأخذ بعض الصحابة بهذا المفهوم نظراً إلى المعنى لا إلى اللفظ، فصلوا حين خافوا فوت الوقت، وأخذ آخرون بظاهر اللفظ وحقيقته فأخروها، ولم يعنف النبي صلى الله عليه وسلم واحداً من الفريقين لأنهم مجتهدون، ففيه دلالة لمن يقول بالمفهوم والقياس ومراعاة المعنى ولمن يقول بالظاهر أيضا، وفيه أنه لا يُعَنَّف المجتهد فيما فعله باجتهاده إذا بذل وسعه في الاجتهاد، وقد يُستدل به على أن كل مجتهد مصيب، وللقائل الآخر أن يقول لم يصرح بإصابة الطائفتين بل ترك تعنيفهم، ولا خلاف في ترك تعنيف المجتهد وإن أخطأ إذا بذل وسعه في الاجتهاد، والله أعلم.صحيح مسلم بشرح النووي( ٨٤،٨٣/١١).
 
 
التوجيه الثالث :
لا ينبغي لعامة المسلمين أن يقعوا في حيرة عند اختلاف العلماء في المسائل الفقهية،والمسألة بينة والحمد لله، وبيانها كالتالي:
 
إذا اختلف أهل العلم في مسألة من المسائل وجب على المسلم أن يتبع من يظنه أقرب للحق والصواب لعلمه وورعه.
 فإن كانوا سواء في العلم والورع، أو شق معرفة الأعلم، أو كان ما استدل به أحدهما أقوى في الحجة وظهور الدليل مما استدل به الآخر، أخذ به، أو كانت نفسه تسكن لفتيا أحدهما، ويطمئن لها قلبه، دون فتيا الآخر، أخذ بهذا المرجح.
ولا يجوز أن يتخير ما تهوى نفسه،لأن ذلك اتباع للهوى لا للشريعة ،قال تعالى {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ } [سورة ص، ٢٦].
 
قال العلماء : ونظير هذا كما أن الإنسان إذا أصيب بمرض ،فإنه يبحث عن أوثق الأطباء وأعلمهم ويذهب إليه لأنه يكون أقرب إلى الصواب من غيره ، فأمور الدين أولى بالاحتياط من أمور الدنيا .
 
قال الإمام الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى: وإذا قصد أهل محلة للاستفتاء عما نزل به ،فعليه أن يسأل من يثق بدينه ويسكن إلى أمانته.الفقيه والمتفقه(٣٧٦/٢)
 
قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
وقد نصب الله سبحانه وتعالى على الحق أمارات كثيرة، ولم يسوِّ الله سبحانه وتعالى بين ما يحبه وبين ما يسخطه من كل وجه، بحيث لا يتميز هذا من هذا، ولابد أن تكون الفطر السليمة مائلة إلى الحق، مؤثرة له، ولابد أن يقوم لها عليه بعض الأمارات المرجحة. إعلام الموقعين(١٣٨،١٣٧/٦)
 
قال الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى : أما اختلافُ العلماء بالنسبة إلى المقلِّدين، فكذلك أيضًا، لا فرق بين مصادفة المجتهدِ الدليلَ، ومصادفة العاميِّ المفتيَ؛ فتعارُضُ الفتويَيْنِ عليه كتعارض الدليلينِ على المجتهد، فكما أن المجتهد لا يجوز في حقه اتباعُ الدليلين معًا، ولا اتباع أحدهما من غير اجتهاد ولا ترجيح، كذلك لا يجوز للعاميِّ اتباع المفتيَيْنِ معًا ولا أحدهما مِن غيرِ اجتهادٍ ولا ترجيح.الموفقات. (٧٧/٥).
 
- ومما يلحق بهذه المسألة، مسألة تتبع الرخص ،فلا يجوز للمسلم أن يتتبع رخص العلماء، وما يسمى بالأسهل في كل مذهب، فإنه من تتبع رخص العلماء اجتمع فيه الشر كله، ووجد من الفتاوى ما يستحل فيه كثير المشتبهات والمحرمات.
قال سليمان التيمي: لو أخذت برخصة كل عالم اجتمع الشر كله، وعلق ابن عبد البر على ذلك بقوله: هذا إجماع لا أعلم فيه خلافاً.جامع بيان العلم وفضله(٩٢،٩١/٢).وقال الإمام الأوزاعي: من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام. سير أعلام النبلاء( ١٢٥/٧).
 
 
التوجيه الرابع  :
ومما يجدر ذكره بعد مسألة التعامل مع الخلاف السائغ بين العلماء، أن هناك  مسائل لم يختلف الصحابة والسلف فيها مثل مسائل أصول الدين وأصول الاعتقاد والتوحيد، وكذلك من بعدهم من علماء أهل السنة والجماعة، من مثل مسائل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
وهذا بخلاف مسائل الأحكام الفرعية القابلة للاجتهاد والاختلاف.
 
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:
إن أهل الإيمان قد يتنازعون في بعض الأحكام، ولا يخرجون بذلك عن الإيمان، وقد تنازع الصحابة في كثير من مسائل الأحكام وهم سادات المؤمنين، وأكمل الأمة إيمانا. ولكن بحمد الله لم يتنازعوا في مسألة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال، بل كلهم على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة، كلمة واحدة، من أولهم إلى آخرهم، لم يسوموها تأويلا، و لم يحرفوها عن مواضعها تبديلا . إعلام الموقعين(٩١/٢).
 
 
التوجيه الخامس :
 وينبغي أن يعلم أن عدم التخصص في علوم الشريعة لا يعني ذلك ترك طلب العلم ،فإن طلب العلم من أجل العبادات وأعظم القرابات، والاستزادة منه خير في الدنيا والآخرة، ويكفي في ذلك وحسبك أن تستحضر أن طلبك للعلم طريقك إلى الجنة.
ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا ؛ سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ)رواه الترمذي وأحمد.
 
- ويروى في الأثر : (فاغد أيها العبد عالما أو متعلما ولا خير فيما بين ذلك) ذكره الدليمي في الفردوس (٤٣٧/٢).
 
 
التوجيه السادس :
بعض الناس يتوهم أن تقوى الله عز وجل والالتزام بالسنن من المحافظة على صلاة الجماعة أو إطلاق اللحية وغير ذلك من الهدي النبوي، أن هذا يختص بطلبة العلم والعلماء،وينادون من يعمل بها " شيخ!".
بل عموم الناس عليهم أن يتقوا الله عز وجل، من فعل للواجبات وترك للمحرمات والعمل بالسنن والمستحبات.
وهذا أمر من الله تعالى لجميع المؤمنين ولجميع الناس ولكل من يرجو الله و اليوم الآخر : { {یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} ۦ...}[سورة آل عمران ١٠٢].
وقال تعالى: ﴿ {يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ} ...﴾[ النساء: ١ ]
وقال :{ {لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِی رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةࣱ لِّمَن كَانَ یَرۡجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلۡیَوۡمَ ٱلۡـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِیرࣰا} }[سورة الأحزاب ٢١].

 
 
التوجيه السابع :
تبليغ الخير للناس والدعوة إليه لا يختص بطلبة العلم والعلماء بل عموم الناس، فمن عنده بصيرة وعلم بمسألة فعليه أن ينشرها ،ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وكل بحسب حاله وعلمه ، ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: {بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً}  [رواه البخاري] .
 
وقد سئل الشيخ العلامة ابن باز رحمه الله تعالى عن هذا الحديث :
س - قول الرسول صلى الله عليه وسلم : بلغوا عني ولو آية هل هي خاصة بطالب العلم؟
 
ج: لا، حتى غيره، كل مؤمن يستطيع يبلغ ولو آية، طالب العلم وكل مؤمن.
وقال :
تعلّمنا على ناس لا يعرفون شيئًا من العلم، لكن أخذنا عنهم القرآن ونحن صغار، فيهم خير وفيهم بركة غفر الله لهم، صبروا على التعليم وصبروا على توجيه الطلبة ولو ما كان عندهم علم، لكن عندهم صبر على تعليم الناس القرآن وتردداه عليهم وتفقيههم فيه حتى يحفظوه، هذا عمل شرعي، يقول عثمان  عن النبي صلى الله عليه وسلم : خيركم من تعلم القرآن وعلمه بلغوا عني ولو آية.فتاوى الدروس" موقع ابن باز "
 
 
التوجيه الثامن :
وفي هذا التوجيه نتكلم عن الفهم الصحيح لحديث:(اسْتَفْتِ قَلْبَكَ...) ونرد الفهم الخاظئ بكلام أهل العلم.
 
الحديث : رواه الإمام أحمد والدارمي ،عن وابصة بن معبد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له :  «جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ فَقَالَ نَعَمْ فَجَمَعَ أَنَامِلَهُ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهِنَّ فِي صَدْرِي وَيَقُولُ يَا وَابِصَةُ اسْتَفْتِ قَلْبَكَ وَاسْتَفْتِ نَفْسَكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ» .وهو من أحاديث الأربعين النووية ، وقد حسنه النووي والمنذري والشوكاني ، وحسنه الألباني لغيره في صحيح الترغيب.
 
وفي شرح هذا الحديث قال أهل العلم :
يخطئ كثير من الناس في فهم هذا الحديث ، حيث يجعلونه مطية لهم في الحكم بالتحليل أو التحريم على وفق ما تمليه عليهم أهواؤهم ورغباتهم ، فيرتكبون ما يرتكبون من المحرمات ويقولون : (استفت قلبك) !! ،مع أن الحديث لا يمكن أن يراد به ذلك ، وإنما المراد من الحديث أن المؤمن صاحب القلب السليم قد يستفتي أحداً في شيء فيفتيه بأنه حلال ، ولكن يقع في نفس المؤمن حرج من فعله ، فهنا عليه أن يتركه عملاً بما دله عليه قلبه .
 
قال ابن القيم رحمه الله تعالى  :
لا يجوز العمل بمجرد فتوى المفتي إذا لم تطمئن نفسه ، وحاك في صدره من قبوله ، وتردد فيها ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( «استفت نفسك وإن أفتاك الناس وأفتوك» )
فيجب عليه أن يستفتي نفسه أولا ، ولا تخلصه فتوى المفتي من الله إذا كان يعلم أن الأمر في الباطن بخلاف ما أفتاه ، كما لا ينفعه قضاء القاضي له بذلك ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( «من قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه ، فإنما أقطع له قطعة من نار» ) .
والمفتي والقاضي في هذا سواء ، ولا يظن المستفتي أن مجرد فتوى الفقيه تبيح له ما سأل عنه إذا كان يعلم أن الأمر بخلافه في الباطن ، سواء تردد أو حاك في صدره ، لعلمه بالحال في الباطن ، أو لشكه فيه ، أو لجهله به ، أو لعلمه جهل المفتي ، أو محاباته في فتواه ، أو عدم تقيده بالكتاب والسنة ، أو لأنه معروف بالفتوى بالحيل والرخص المخالفة للسنة ، وغير ذلك من الأسباب المانعة من الثقة بفتواه، وسكون النفس إليها. إعلام الموقعين(٢٥٤/٤) .
 
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى:حتى وإن أفتاك مفتٍ بأن هذا جائز ، ولكن نفسك لم تطمئن ولم تنشرح إليه فدعه ، فإن هذا من الخير والبر ، إلا إذا علمت في نفسك مرضا من الوسواس والشك والتردد فلا تلتفت لهذا ، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما يخاطب الناس أو يتكلم على الوجه الذي ليس في قلب صاحبه مرض .شرح رياض الصالحين(٢٨٤/٢) .
 
وقال رحمه الله : (الإثم ما حاك في نفسك) أي : تردد وصرت منه في قلق (وكرهت أن يطلع عليه الناس) لأنه محل ذم وعيب ، فتجدك متردداً فيه وتكره أن يطلع عليك الناس .
وهذه الجملة إنما هي لمن كان قلبه صافياً سليماً ، فهذا هو الذي يحوك في نفسه ما كان إثماً ، ويكره أن يطلع عليه الناس .
أما المُتَمَرِّدون الخارجون عن طاعة الله الذين قست قلوبهم فهؤلاء لا يبالون ، بل ربما يتبجحون بفعل المنكر والإثم ، فالكلام هنا ليس عاماً لكل أحد ، بل هو خاص لمن كان قلبه سليماً طاهراً نقياً ، فإنه إذا هَمَّ بإثم وإن لم يعلم أنه إثم من قبل الشرع تجده متردداً يكره أن يطلع الناس عليه ، فهذا علامة على الإثم في قلب المؤمن. شرح الأربعين النووية(ص،٢٩٥،٢٩٤).
 
 
التوجيه التاسع :
بعض الناس يتعمد الجهل بحجة أنه لا يحاسب أمام الله تبارك وتعالى بسبب جهله، وهذا غلط،لأن الإنسان لا يعذر بالجهل إذا كان ممن يستطيع رفعه عن نفسه، ويوجد حوله من أهل العلم من يسألهم.
 
قال تعالى:{ {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} }.[سورة اﻷنبياء ٧].
قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى في تفسير  الآية : وهم أهل العلم، فإنها عامة في كل مسألة من مسائل الدين، أصوله وفروعه، إذا لم يكن عند الإنسان علم منها، أن يسأل من يعلمها، ففيه الأمر بالتعلم والسؤال لأهل العلم، ولم يؤمر بسؤالهم، إلا لأنه يجب عليهم التعليم والإجابة عما علموه. وفي تخصيص السؤال بأهل الذكر والعلم، نهي عن سؤال المعروف بالجهل وعدم العلم .
 

قال الإمام ابن عبد البر : يلزم كل مؤمن ومؤمنة إذا جهل شيئا من أمر دينه أن يسأل عنه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ،إنما شفاءُ العيّ السؤال.الاستذكار(ص،٢٩٣)
 
قال الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه (٣٧٥/٢) .أول ما يلزم المستفتي إذا نزلت به نازلة أن يطلب المفتي ليسأله عن حكم نازلته، فإن لم يكن في محله وجب عليه أن يمضي إلى الموضع الذي يجده فيه، فإن لم يكن ببلده لزمه الرحيل إليه وإن بعدت داره، فقد رحل غير واحد من السلف في مسألة.
 
- وفي وقتنا هذا والحمد لله ،وسائل التواصل مع أهل العلم متيسرة أكثر من الوقت السابق.
 
 
التوجيه العاشر :
لا يجب على أحد من المسلمين تقليد شخص بعينه من العلماء، في كل ما يقول ،وعلى المسلم إذا نزلت به نازلة أن يستفتي من يعتقد أنه يفتيه بشرع الله ورسوله امتثالاً لقوله تعالى: {فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [الأنبياء ٧].
 
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : وإذا نزلت بالمسلم نازلة فإنه يستفتي من اعتقد أنه يفتيه بشرع الله ورسوله من أي مذهب كان، ولا يجب على أحد من المسلمين تقليد شخص معين من العلماء في كل ما يقول، ولا يجب على أحد من المسلمين التزام مذهب شخص معين من العلماء في كل ما يوجبه ويخبر به، بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتباع شخص لمذهب بعينه لعجزه عن معرفة الشرع من غير جهته إنما هو مسوغ له، ليس هو مما يجب على كل أحد إذا أمكنه معرفة الشرع بغير ذلك الطريق، بل كل أحد عليه أن يتقي الله ما استطاع، ويطلب علم ما أمر الله به ورسوله، فيفعل المأمور ويترك المحظور .مجموع الفتاوى (٢٠٨،٢٠٩/٢٠).
 

التوجيه الحادي عشر :
مراتب الحديث وما ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم :
١- صحيح
٢- ضعيف.
فخذ الصحيح ودع الضعيف.
فليس كل ما تسمعه أو ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يكون صحيحاً، فلا بد من سؤال أهل العلم ومن تثق بدينه وعلمه عن صحة ما تسمعه.

قال العلامة ابن الصلاح رحمه الله تعالى:
اعلم - علمك الله وإياي-أن الحديث عند أهله ينقسم إلى صحيح ،وحسن، وضعيف.مقدمة ابن الصلاح(ص،٧٩).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:ولا يجوز أن يعتمد في الشريعة على الأحاديث الضعيفة التي ليست صحيحة ولا حسنة.
مجموع الفتاوى( ١ / ٢٥٠).

وقال الإمام ابن سيرين رحمه الله تعالى:
إنَّ هذا العِلمَ دِينٌ، فانظُروا عمَّن تأخُذون دينَكم. مقدمة صحيح مسلم(١٦/١).


التوجيه الثاني عشر :
كل الأحكام الشرعية تدور حول هذه الأحكام التكليفية الخمسة :

١- الواجب : مثل الصلوات الخمس، وصيام رمضان وبر الوالدين.
- الواجب يثاب فاعله ويعاقب تاركه.

٢- المستحب : مثل صلاة الوتر وقيام الليل، وإطعام الطعام والسلام. ويسمى السنة والمندوب.
- المستحب يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه.

ملاحظة مهمة :
ينبغي للمسلم عندما يسمع أن هذا الأمر سنة أو مستحب أن يبادر إلى فعله، والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم.

٣- المحرم : مثل شرب الخمر والزنا والربا.
- المحرم يثاب تاركه ويعاقب فاعله.

٤- المكروه: مثل الأخذ والإعطاء باليد الشمال، كف الثوب في الصلاة.
- المكروه يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله.

٥- المباح : مثل أكل التفاحة وشرب الشاي.ويسمى الجائز والحلال.
- المباح لا يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله.

- ولمزيد من التوسع يمكن مراجعة : كتاب "روضة الناظر وجنة المناظر" لابن قدامة. وكتاب "البحر المحيط" للزركشي، " الورقات للجويني، وكتاب " شرح الأصول من علم الأصول " لابن عثيمين.
 

الخاتمة :
وفي الختام ، على كل واحد من المسلمين أن يجتهد في اتباع الحق بقدر وسعه وطاقته،وأن يجتهد في رفع الجهل عن نفسه وعن أهله وأن يلتجئ إلى الله تعالى ويدعوه لإصابة الحق،وأن يلتمس الأعذار للعلماء ويتهم نفسه في مخالفتهم فإنهم أوسع نظرا،ويعظم العلم وأهله،ويجعل همه الأكبر في كل مسألة رضى الله عز وجل والدار الآخرة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 
وكتبها : يزن الغانم