العلم بأساليب الدعوة ووسائلها

منذ 2021-05-07

الداعية الحصيف هو الذي يَعرِف كيف يُوصِّل دعْوتَه للناس بأيسرِ الطرق وأفضل الأساليب، وحينئذٍ تبرُز أهمية معرفة الداعية لأساليب الدعوة ووسائلها..

الداعية الحصيف هو الذي يَعرِف كيف يُوصِّل دعْوتَه للناس بأيسرِ الطرق وأفضل الأساليب، وحينئذٍ تبرُز أهمية معرفة الداعية لأساليب الدعوة ووسائلها، وكيفية استخدامه وتطبيقه لها، وابن كثير رحمه الله اعتنى بموضوع أساليب الدعوة ووسائلها وبيان أهميتها وأثره على تبليغ الدعوة ونجاح الداعية، وهذا ما سنتناوله بالتفصيل في "استخدام ابن كثير لأساليب الدعوة ووسائلها".

 

وفي هذا المطلب سنتحدث عن توجيه ابن كثير للدُّعاة بالعلم بأساليب الدعوة ووسائلها من خلال النقاط التالية:

1- العناية بالمقاصد والغايات، وتقديمها على الوسائل؛ لأن بعض الدعاة في خضمِّ العمل الدعوي يُعنَى بالوسائل على حساب الغايات والأهداف والمقاصد، فيقدِّم المهم على ما هو أهمُّ، فأحيانًا نجد بعض الدعاة يَحرِصون على تنظيم المؤتمرات والملتقيات الدعوية مثلًا، ويجتهدون في العناية بوسائل إخراجها وتنظيمها، وهذا مطلوب، ولكن دون الاهتمام والعناية الكافية بدراسة واختيار أهداف هذا الملتقى، وطبيعة الموضوعات المطروحة فيه، ومناسبتها للمدعوِّين ومدى حاجتهم إليها، يقول ابن كثير رحمه الله عند تفسير الآية: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]: "وإنما قدم {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} على {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}؛ لأن العبادة هي المقصودة، والاستعانة وسيلةٌ إليها، والاهتمامُ والحزم تقديمُ ما هو الأهم فالأهم"[1].

 

2- يرى ابن كثير رحمه الله أن أسلوب مدح المخاطب والثناء عليه، ثم سؤاله المطلوب ودعوته إلى المقصود - أنجحُ للحاجة، وأنجع للإجابة، فيقول رحمه الله عند تفسير الآية: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6]: "لما تقدم الثناء على المسؤول تبارك وتعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 2 - 4]، ناسب أن يعقب بالسؤال.. وهذا أكمل أحوال السائل؛ أن يمدح مسؤوله ثم يسأله حاجته؛ لأنه أنجح للحاجة، وأنجع للإجابة؛ ولهذا أرشد الله تعالى إليه لأنه الأكمل، وقد يكون السؤال بالإخبار عن حال السائل واحتياجه، كما قال موسى عليه السلام: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: 24]، وقد يتقدمه مع ذلك وصف المسؤول كقول ذي النون: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}  [الأنبياء: 87]"[2].

 

3- توجيه ابن كثير رحمه الله الداعيةَ في استخدام الأمثل في أسلوب الدعوة إلى الله، وذلك بمعرفة طبيعة المدعوِّين، فإن كانوا حكامًا فالأسلوب المناسب في حقِّهم دعوتُهم بالرِّفق واللين، وإن كانوا من العلماء النابهين فتكون دعوتهم بالحوار المبنيِّ على الحُجَج العقليَّة والدلائل القطعية، وإن كانوا من أهل الكتاب فتكون ببيان محاسن الإسلام وبيان حاجة الناس إليه، يقول رحمه الله عند تفسير الآية: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 43، 44]:"هذه الآية فيها عِبرة عظيمة، وهو أن فرعون في غاية العزة والاستكبار، وموسى صفوة الله من خلقه إذ ذاك، ومع هذا أُمِر ألا يخاطِب فرعون إلا بالملاطفة واللين... ليكون أوقع في النفوس وأبلغ وأنجع"[3].

 

وأما الأسلوب الأمثل في حوار العلماء ودعوتهم، فابن كثير يوجِّهك أيها الداعية بأن "تستوعب الأقوال في ذلك المقام، وأن تنبِّه على الصحيح فيها وتبطل الباطل، وتذكر فائدة الخلاف وثمرته؛ لئلا يطول النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته، فتشتغل به عن الأهم فالأهم"[4].

 

وأما دعوة أهل الكتاب، فتكون ببيان محاسن الإسلام وحاجة الناس إليه، يقول رحمه الله عند تفسير الآية: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} [المائدة: 15]: "يقول تعالى مخبرًا عن نفسه الكريمة أنه قد أرسل رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم بالهُدى ودينِ الحقِّ إلى جميع أهل الأرض عرَبِهم وعجَمِهم، أُمِّيِّهم وكتابيِّهم، وأنه بعثه بالبيِّنات، والفرقِ بين الحق والباطل... ثم أخبَرَ تعالى عن القرآن العظيم الذي أنزله على نبيِّه الكريم فقال: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ}  [المائدة: 15، 16]؛ أي: طريق النجاة والسلامة، ومناهج الاستقامة، {وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: 16]؛ أي: ينجيهم من المهالك، ويوضح لهم أبْيَنَ المسالك، فيصرف عنهم المحذور، ويحصل لهم أحب الأمور، وينفي عنهم الضلالة، ويُرشِدهم إلى أقوم حالة"[5].

 

4- من الأساليب التي أشار ابن كثير إلى أهميتها وأثرها في الدعوة إلى الله أسلوبُ القصة، واستشهد بقصة موسى عليه السلام، وذكر أنه "كثيرًا ما يذكُرُ الله تعالى قصةَ موسى عليه السلام مع فرعون في كتابة العزيز؛ لأنها من أعجب القصص؛ فإن فرعون حَذِرَ من موسى كلَّ الحذر، فَسَخَّره القدر أنْ رَبَّى هذا الذي يحذر منه على فراشه ومائدته بمنزلة الولد، ثم ترعرع وعقد الله له سببًا أخرجه من بين أظهُرِهم، ورزَقَه النُّبوة والرسالة والتكليم، وبعثه إليه ليدعوه إلى الله تعالى ليعبُدَه ويرجع إليه... ولم تزل المحاجَّة والمجادلة والآيات تقوم على يدي موسى شيئًا بعد شيء، ومرة بعد مرة، بما يبهر العقول، ويدهش الألباب، مما لا يقوم له شيء، ولا يأتي به إلا مؤمن ومؤيَّد من الله"[6].

 

5- الجمع بين الترغيب والترهيب من الأساليب التي نبَّه عليها ابن كثير، فقال: "كثيرًا ما يَقرِنُ الله تعالى بين الترغيب والترهيب في القرآن، كما قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 165]، وقال تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} [الرعد: 6]، وقال: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} [الحجر: 49، 50]، وغير ذلك من الآيات المشتملة على الترغيب والترهيب، فتارة يدعو عباده إليه بالرغبة وصفة الجنة والترغيب فيما لديه، وتارة يدعوهم إليه بالرهبة وذكر النار وأنكالها وعذابها والقيامة وأهوالها، وتارة بهذا وبهذا؛ لينجع في كل بحسبه"[7].

 

وقال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}  [الأعراف: 167]، يقول ابن كثير: {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ}؛ أي: لمن عصاه وخالَفَ شرْعَه، {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}؛ أي: لمن تاب إليه وأناب، وهذا من باب قرن الرحمة مع العقوبة؛ لئلا يحصل اليأس، فيقرن تعالى بين الترغيب والترهيب كثيرًا؛ لتبقى النفوس بين الرجاء والخوف"[8].

 

وغيرها من الأساليب والوسائل التي ذكرها ابن كثير رحمه الله من خلال تفسيره ووجَّه الدعاة إليها، ومارسها ودعا إليها، مما سنتحدث عنه في "استخدام ابن كثير لأساليب الدعوة ووسائلها".

 


[1] انظر تفسير القرآن العظيم 1/ 38.

[2] المرجع نفسه 1/ 39.

[3] انظر تفسير القرآن العظيم 3/ 195.

[4] المرجع نفسه 1/ 12.

[5] انظر تفسير القرآن العظيم 2/ 45.

[6] انظر تفسير القرآن العظيم 2/ 526.

[7] المرجع نفسه 2/ 254.

[8] انظر تفسير القرآن العظيم 2/ 326.