35 فائدة من كتاب (آدَابُ الفَتْوَى والمفتي والمستفتي) للإمام النووي رحمه الله تعالى

منذ 2021-06-01

أدركتُ عشْرين ومئة من الْأَنْصَار من أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُسأل أحدهم عَن الْمَسْأَلَة فيردها هَذَا إِلَى هَذَا وَهَذَا إِلَى هَذَا حَتَّى ترجع إِلَى الأول

تحتل الفتوى حيز عظيم في شريعة الاسلام، فمن خلالها يعرف المسلم مراد الله تعلى فيما يأتي ويذر، وماذا يحب الله سبحانه وما يكره،والله تعالى أمر بذلك في قوله (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، وقال صلى الله عليه وسلم (مَنْ أُفْتِيَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ)، لذلك اهتم العلماء من الفقهاء والأصلوليون غاية الاهتمام بأمر الفتوى وما يتعلق بها، فذكروا دقائق في هذا المجال فيما يتعلق بـالفَتْوَى والمفتي والمستفتي ، ومن المؤلفات المهمة والرائعة في ذلك كتاب (آداب الفتوى والمفتي والمستفتي) للنووي الإمام المعروف، والجبل الشامخ، وأحد أعمدة الفقه الاسلامي عامة والشافعي خاصة، ففي هذه الرسالة فصَّل رحمه وذكر الكثير من المسائل والأقوال وناقش بعضها ورجح البعض الآخر ونقل النقولات الكثيرة عن السلف في هذا الباب،والرسالة مهمة جدا لا سيما لطالب العلم، وحبذا لو شرحت ودرست لطلاب العلم، ولو أن أحدا نظمها لكان ذلك خير كثيرا، هذه المقتطفات لا تغني عن الأصل وإنما ترشد إليه وتدل الراغب في الاستزادة اليه، فحري بطالب العلم أن يلم بهذه الرسالة ويستشرحها على يد أحد شيوخه.
صدَّر الإمام النووي رحمه الله في بداية رسالته نقولاً عن السلف حول الفتوى وخطورتها فمن ذلك:

  • ( أدركتُ عشْرين ومئة من الْأَنْصَار من أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُسأل أحدهم عَن الْمَسْأَلَة فيردها هَذَا إِلَى هَذَا وَهَذَا إِلَى هَذَا حَتَّى ترجع إِلَى الأول) عبد الرَّحْمَن ابْن أبي ليلى.
  •  وَعَن ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُم: مَنْ أفتى فِي كلِّ مَا يسْأَل فَهُوَ مَجْنُون.
  • ( إِن أحدَكَم ليفتي فِي الْمَسْأَلَة وَلَو وَرَدَتْ على عُمَر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ لجمع لَهَا أهل بدر) الشّعبِيّ وَالْحسن وَأبي حَصِين.
  • )أدركتُ أَقْوَامًا يسْأَل أحدهم عَن الشَّيْء فيتكلم وَهُوَ يرعد) عَطاء بن السَّائِب التَّابِعِيّ .
  • )إِذا أغفل الْعَالم لَا أَدْرِي أُصِيبت مقاتله) ابْن عَبَّاس.
  • وَعَن الشَّافِعِي وَقد سُئِلَ عَن مسألةٍ فَلم يجب فَقيل لَهُ فَقَالَ حَتَّى أَدْرِي أَن الْفضل فِي السُّكُوت أَو فِي الْجَواب.

بعدما ذكر الإمام النووي هذه النقولات وغيرها شرع في صلب الرسالة. فإلى الفوائد والدرر النووية:

  •  اعْلَم أَن الْإِفْتَاء عَظِيم الْخطر، كَبِير الْموقع، كثير الْفضل؛ لِأَن الْمُفْتِي وَارِث الْأَنْبِيَاء صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم، وقائم بِفَرْض الْكِفَايَة، لكنه معرض للخطأ.
  • الْمُفْتِي موقع عَن الله تَعَالَى.
  •  وَيَنْبَغِي أَن يكون الْمُفْتِي ظَاهر الْوَرع مَشْهُورا بالديانة الظَّاهِرَة والصيانة الباهرة.
  • شَرط الْمُفْتِي: كَونه مُكَلّفا، مُسلما، ثِقَة، مَأْمُونا، متنزِّهاً عَن أَسبَاب الْفسق وخوارم الْمُرُوءَة، فقيهَ النَّفس، سليمَ الذِّهْن، رصينَ الفِكر، صَحِيح التَّصَرُّف والاستنباط متيقظاً.
  • وَاتَّفَقُوا على أَن الْفَاسِق لَا تصح فتواه وَنقل الْخَطِيب فِيهِ إِجْمَاع الْمُسلمين.
  •  وَنقل الْخَطِيب هَذَا ثمَّ قَالَ وَأما الشراة والرافضة الَّذين يسبون السّلف الصَّالح ففتاويهم مَرْدُودَة وأقوالهم سَاقِطَة.
  •  وَذكر أَبُو عَليّ السِنجي بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة نَحْو هَذَا فَقَالَ اتَّبعنَا الشَّافِعِي دون غَيره لأَنا وجدنَا قَوْله أرجح الْأَقْوَال وأعدلها لَا أَنا قلدناه، قلتُ هَذَا الَّذِي ذكرَاهُ مُوَافق لما أَمرهم بِهِ الشَّافِعِي ثمَّ الْمُزنِيّ فِي أول مُخْتَصره وَغَيره بقوله مَعَ إعلامية نَهْيه عَن تَقْلِيده وتقليد غَيره.
  •  الْإِفْتَاء فرض كِفَايَة فَإِذا استفتي وَلَيْسَ فِي النَّاحِيَة غَيره تعيَّن عَلَيْهِ الْجَواب.
  • يحرم التساهل فِي الْفَتْوَى وَمن عرف بِهِ حرم استفتاؤه، فَمن التساهل أَن لَا يتثبت ويُسرِع بالفتوى قبل اسْتِيفَاء حقِّها من النّظر والفكر فَإِن تقدّمت مَعْرفَته بالمسؤول عَنهُ فَلَا بَأْس بالمبادرة.
  • وَمن التساهل (فِي الْفَتْوَى) أَن تحمله الْأَغْرَاض الْفَاسِدَة على تتبع الْحِيَل المحرَّمة أَو الْمَكْرُوهَة، والتمسك بالشبه طلبا للترخيص لمن يَروم نَفعه، أَو التَّغْلِيظ على من يُرِيد ضره،وَأما مَنْ صَحَّ قَصده فاحتسب فِي طَلَبِ حيلةٍ لَا شُبْهَة فِيهَا لتخليص من ورطة يَمِين وَنَحْوهَا فَذَلِك حسن جميل.
  • يَنْبَغِي أَن لَا يُفْتِي فِي حَال تغيُّر خُلُقه، وتشغل قلبه، وتمنعه التَّأَمُّل: كغضب وجوع وعطش وحزن وَفَرح غَالب ونعاس أَو ملل أَو حر مزعج أَو مرض مؤلم أَو مدافعة حَدَث، وكل حَال يشْتَغل فِيهِ قلبه وَيخرج عَن حد الِاعْتِدَال .
  • قَالَ الْخَطِيب وعَلى الإِمَام أَن يفْرض لمن نصب نَفسه لتدريس الْفِقْه وَالْفَتْوَى فِي الْأَحْكَام مَا يُغْنِيه عَن الاحتراف وَيكون ذَلِك من بَيت المَال.
  • يَنْبَغِي أَن لا يقتصر فِي فتواه على قَوْله: فِي الْمَسْأَلَة خلاف أَو قَولَانِ أَو وَجْهَان أَو رِوَايَتَانِ أَو يرجع إِلَى رَأْي القَاضِي وَنَحْو ذَلِك فَهَذَا لَيْسَ بِجَوَاب ومقصود المستفتي بَيَان مَا يعْمل بِهِ فَيَنْبَغِي أَن يجْزم لَهُ بِمَا هُوَ الرَّاجِح فَإِن لم يعرفهُ توقَّف حَتَّى يظْهر أَو يتْرك الْإِفْتَاء.
  • يلْزم الْمُفْتِي أَن يبين الْجَواب بَيَانا يزِيل الْإِشْكَال ثمَّ لَهُ الِاقْتِصَار على الْجَواب شفاهاً ... وَله الْجَواب كِتَابَة.
  • وَإِذا كَانَ فِي الْمَسْأَلَة تَفْصِيل لم يُطلق الْجَواب فَإِنَّهُ خطأ ثمَّ لَهُ أَن يستفصل السَّائِل إِن حضر.
  • وَاسْتحبَّ الْعلمَاء أَن يزِيد على مَا فِي الرقعة مَا لَهُ تعلُّق بهَا مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ السَّائِل؛ لحَدِيث هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ الْحل ميتَته.
  • إِذا كَانَ المستفتي بعيد الْفَهم فليرفقْ بِهِ ويصبر على تفهم سُؤَاله، وتفهيم جَوَابه، فَإِن ثَوَابه جزيل.
  • وَتَكون عِبَارَته (الْمُفْتِي) وَاضِحَة صَحِيحَة تفهمها الْعَامَّة وَلَا يزدريها الْخَاصَّة.
  • وَاسْتحبَّ بَعضهم أَن لَا تخْتَلف أقلامه وخطه ( أي الْمُفْتِي) خوفًا من التزوير وَلِئَلَّا يشْتَبه خطه.
  • قَالَ الصَّيْمَرِيّ وَيَنْبَغِي إِذا تعلّقت الْفَتْوَى بالسلطان أَن يَدْعُو لَهُ فَيَقُول وعَلى ولي الْأَمر أَو السُّلْطَان أصلحه الله أَو سدده الله أَو قوى الله عزمه أَو أصلح الله بِهِ أَو شدّ الله أزره وَلَا يقل أَطَالَ الله بَقَاءَهُ فَلَيْسَتْ من أَلْفَاظ السّلف.
  • نقل أَبُو جَعْفَر النَّحَّاس وَغَيره اتِّفَاق الْعلمَاء على كَرَاهَة قَول أَطَالَ الله بَقَاءَك وَقَالَ بَعضهم هِيَ تَحِيَّة الزَّنَادِقَة.
  • قلتُ نقل أَبُو جَعْفَر النَّحَّاس وَغَيره اتِّفَاق الْعلمَاء على كَرَاهَة قَول أَطَالَ الله بَقَاءَك وَقَالَ بَعضهم هِيَ تَحِيَّة الزَّنَادِقَة.
  • ليختصر (الْمُفْتِي) جَوَابه وَيكون بِحَيْثُ تفهمه الْعَامَّة.
  • يَنْبَغِي إِذا ضَاقَ مَوضِع الْجَواب أَن لَا يَكْتُبهُ فِي رقْعَة أُخْرَى خوفًا من الْحِيلَة وَلِهَذَا قَالُوا يصل جَوَابه بآخر سطر وَلَا يدع فُرْجَة لِئَلَّا يزِيد السَّائِل شَيْئا يُفْسِدهَا.
  • وَإِذا سَأَلَهُ أحدهم وَقَالَ بِأَيّ شَيْء تنْدَفع دَعْوَى كَذَا وَكَذَا أَو بَيِّنَة كَذَا لم يجبهُ كَيْلا يتَوَصَّل بذلك إِلَى إبِطَال حق.
  • يجب على الْمُفْتِي عِنْد اجْتِمَاع الرِّقاع بِحَضْرَتِهِ أَن يقدم الأسبق فالأسبق كَمَا يَفْعَله القَاضِي فِي الْخُصُوم وَهَذَا فِيمَا يجب فِيهِ الْإِفْتَاء فَإِن تساووا أَو جهل السَّابِق قدم بِالْقُرْعَةِ.
  • لَيْسَ بمنكَر أَن يذكر الْمُفْتِي فِي فتواه الْحجَّة إِذا كَانَت نصا وَاضحا مُخْتَصرا.
  • وَقد يحْتَاج الْمُفْتِي فِي بعض الوقائع إِلَى أَن يشدد ويبالغ فَيَقُول وَهَذَا إِجْمَاع الْمُسلمين أَو لَا أعلم فِي هَذَا خلافًا أَو فَمن خَالف هَذَا فقد خَالف الْوَاجِب وَعدل عَن الصَّوَاب أَو فقد أَثم وَفسق أَو وعَلى ولي الْأَمر أَن يَأْخُذ بِهَذَا وَلَا يهمل الْأَمر وَمَا أشبه هَذِه الْأَلْفَاظ على حسب مَا تَقْتَضِيه الْمصلحَة وتوجبه الْحَال.
  • كل من لم يبلغ دَرَجَة الْمُفْتِي فَهُوَ فِيمَا يسْأَل عَنهُ من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة مُستفتٍ مقلِّد من يفتيه.
  • وَيجب عَلَيْهِ (المستفتي) الاستفتاء إِذا نزلت بِهِ حَادِثَة يجب عَلَيْهِ علم حكمهَا فَإِن لم يجد بِبَلَدِهِ من يستفتيه وَجب عَلَيْهِ الرحيل إِلَى من يفتيه وَإِن بَعدت دَاره وَقد رَحل خلائق من السّلف فِي الْمَسْأَلَة الْوَاحِدَة اللَّيَالِي وَالْأَيَّام.
  • )المستفتي) لَا يجوز لَهُ استفتاء من انتسب إِلَى الْعلم وانتصب للتدريس والإقراء وَغير ذَلِك من مناصب الْعلمَاء بِمُجَرَّد انتسابه وانتصابه لذَلِك وَيجوز استفتاء من استفاض كَونه أَهلا للْفَتْوَى.
  • ... لَو جَازَ اتِّبَاع أَي مَذْهَب شَاءَ لأفضى إِلَى أَن يلتقط رخص الْمذَاهب مُتبعا هَوَاهُ وَيتَخَيَّر بَين التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم وَالْوُجُوب وَالْجَوَاز وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى انحلال ربقة التَّكْلِيف.
  • وَلَيْسَ لَهُ (المستفتي) التمذهب بِمذهب أحد من أَئِمَّة الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم وَغَيرهم من الْأَوَّلين وَإِن كَانُوا أعلم وأعلا دَرَجَة مِمَّن بعدهمْ لأَنهم لم يتفرغوا لتدوين الْعلم وَضبط أُصُوله وفروعه لأَنهم لم يتفرغوا لتدوين الْعلم وَضبط أُصُوله وفروعه فَلَيْسَ لأحد مِنْهُم مَذْهَب مهذب مُحَرر مُقَرر وَإِنَّمَا قَامَ بذلك من جَاءَ بعدهمْ من الْأَئِمَّة الناخلين لمذاهب الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ القائمين بتمهيد أَحْكَام الوقائع قبل وُقُوعهَا الناهضين بإيضاح أُصُولهَا وفروعها كمالك وَأبي حنيفَة وَغَيرهمَا.
  • إِذا استفتي فَأفْتى ثمَّ حدثت تِلْكَ الْوَاقِعَة لَهُ مرّة أُخْرَى فَهَل يلْزمه تَجْدِيد السُّؤَال، فِيهِ وَجْهَان: أَحدهمَا يلْزمه لاحْتِمَال تغير رَأْي الْمُفْتِي. وَالثَّانِي لَا يلْزمه وَهُوَ الْأَصَح لِأَنَّهُ قد عرف الحكم الأول وَالْأَصْل اسْتِمْرَار الْمُفْتى عَلَيْهِ.
  • )للمستفتي) أَن يبْعَث ثِقَة يعْتَمد خَبره لِيَسْتَفْتِيَ لَهُ وَله الِاعْتِمَاد على خطّ الْمُفْتِي.

 

وفي الختام ينبغي لطالب العلم أن يعود الى الأصل ويستوعبه جيدا، وحبذا لو قرأها على أحد مشايخه، ومن ثَّم يقدمها لعامة الناس، فكلٌ من المفتي والمستفتي بحاجة الى هذه الآداب التي ذكرها الإمام النووي رحمه الله تعالى.