الوجه الآخر

منذ 2021-07-04

إذا نظرنا في كثير من المشكلات مِن حولنا، وجدنا لها الكثير من التفسيرات والتأويلات والمخارج، التي لا تجعلها مشكلات؛ بل قد تجعلها أمورًا حسنة، وإذا نظرنا إلى أغلب الأشياء من حولنا، نجد لها وجهين أو أكثر، فإن لم يعجبك وجهٌ فخذ غيره

في حياتنا العمليَّة نجد الكثيرَ من الأشياء له وجهان، وكأنَّ لسان حاله يقول:

إن أعجبكَ هذا الوجهُ فالزمْه، وإلَّا فعليك بالوجه الآخر

ومن المعروف فلكيًّا أن القمر يدور حول الأرض، ودورتُه هذه تتناسب مع دوران الأرض، حيث لا نرى إلا وجهًا واحدًا للقمر، ولا نرى الآخر، وعندما أَعجب هذا الوجهُ جميعَ مَن نظر إليه، صار الشعراء والأدباء والعشاق يتغزَّلون بحسنه وجماله، ويجعلونه مشبَّهًا به في جُلِّ تشبيهات الحسن والجمال، ويستلهمون منه جمال الحبيب ووضاءته.


وحين تطور الزمن، وغزا بنو البشر آفاقَ الفضاء، وحاولوا النزول على سطح القمر - لم يعجبهم هذا الوجهُ، ورأوا أنه لا ينفع لحطِّ رحالهم عليه؛ إذ إنه الوجه المقابل للشمس، وحرارته تزيد على 150 درجة مئوية؛ لعدم وجود غلاف غازي للقمر، عندها حاولوا البحث عن الوجه الآخر ليطؤوه.

وهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قبل ذلك بقرون عديدة، عندما رفض أهل الطائف دعوته، وأغرَوْا به صبيانَهم وسفهاءهم، وأدمَوْا قدميه الشريفتين - بأبي هو وأمي -لم يَزِد على أن بحث عن الوجه الآخر، فقال: «أرجو أن يخرج الله - عز وجل - من أصلابهم مَن يعبد الله - عز وجل - وحده، لا يشرك به شيئاً» (وكان ذلك).

وهذا ما دفع ذلك العربيَّ الذي ذمَّت امرأتُه إخوانَه قائلة:

ما رأيت ألأمَ من إخوانك؛ تراهم إذا أيسرتَ لزموك، وإذا أعسرتَ تركوك، فقال: بل ما رأيت أكرم منهم، يلزموننا في حال قدرتنا على إكرامهم، ويتركوننا في حال إعسارنا، فبحث عن الوجه الجميل الذي يمكن أن يستنبط من هذه الصورة، التي قد يعجِز كثيرٌ من الناس عن توقع مكمَن حُسنٍ أو جمال فيها، ولعل هذا ما يسمى في علم النفس: "المنظور الإيجابي والتفسير البديل".

وإذا نظرنا في كثير من المشكلات مِن حولنا، وجدنا لها الكثير من التفسيرات والتأويلات والمخارج، التي لا تجعلها مشكلات؛ بل قد تجعلها أمورًا حسنة، وإذا نظرنا إلى أغلب الأشياء من حولنا، نجد لها وجهين أو أكثر، فإن لم يعجبك وجهٌ فخذ غيره، وابن آدم له وجوه، فابحث عن الوجه الآخر.

__________________________________
الكاتب: مصطفى محمود سليخ